عرض مشاركة واحدة

نادي الإتحاد الحلبي السوري

كُتب : [ 21-04-2009 - 02:15 ]
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية عبدالله الأهلاوي
 
عبدالله الأهلاوي
أهلاوي مر

عبدالله الأهلاوي غير متواجد حالياً

       
رقم العضوية : 9690
تاريخ التسجيل : Oct 2008
مكان الإقامة : حلب الأهلي
عدد المشاركات : 724
قوة التقييم : عبدالله الأهلاوي has a spectacular aura aboutعبدالله الأهلاوي has a spectacular aura about
ألعاب وتربية الطفولة المبكرة في التقاليد الحلبية من وجهة نظر طبية

كانت حلب ولا تزال من أكثر الحواضر والمدن اهتماماً بالطفل ورعايته ولا أدلَّ على ذلك من مقارنة الكلمة التي يتغزل بها أهل المدينة بالطفل (أبوس روحك) أو (تقبر عضامي) مقارنة مع أهل غيرهم من المدن كقولهم (يا كبدي) أو غيرها وشتان بين الروح والجسد.

تظهر التقاليد الحلبية وكأنها عفوية، ولكن عند دراستها وتحليلها بعمق والتركيز على ألعاب الأسرة عموماً والأم خصوصاً مع الطفل نرى تقوم بدور بالغ الأهمية من الناحية الطبية الجسدية والنفسية فهي تساهم في تنمية الجهاز العصبي وتهيئته حساً وحركة وانفعالاً عدا عن دمجه اجتماعياً.

سأركز في محاضرتي على مرحلة من مراحل الطفولة هي من أهمها على الإطلاق وهي مرحلة الطفولة الأولى وما حول سن الحبو وما بعده حتى أواخر سن الروضة حينما يكون الطفل في أكثر مراحل عمره وداعة وجمالاً خُلقاً وخَلقاً يتعلق فيها الأهل به أكثر من أي وقتاً آخر، غزلاً، وغراماً، ومحبةً .... لدرجة أن إمتحان أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام امتحن بإبنه إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام (على قول بعض المفسرين) في هذه المرحلة لقوله تعالى: (فلما بلغ معه السعي).
وأهم النقاط التي سأتكلم عنها هي دور الألعاب والأنشطة التربوية التراثية المحكية غير المكتوبة في النوم، والمشي، والأسنان، والتطور الحركي، واللغة والكلام عند الطفل.

أولاً- النوم :
لطقوس النوم عند الأطفال أهازيج خاصة عند أهل حلب فقد قالوا فيه: (إذا ضحك الزغير بتكون الملايكة عم بضحكو) و (إذا نيمت الأم إبناً وقت تسميع الجمعة بتكسبو الملائكة) أي ينام نوماً هنيئاً، حيث تكون أمه تقرأ القرآن في المنزل ووالده ذهب ليصلي الجمعة في المسجد، وقيل في حلب (إذا نيمتي ابنك وإجريه على القبلة بيقصر) ومن الواضح أن لها أصلاً في الشرع وغيرها كثير مما صح أو لم يصح شرعاً .. كالنوم في الحمام أو على العتمة وعلاقتها مع الجان أو أنكر ونكير.

وإذا رفض النوم وصفته بأنه (مثل البق لا ينام ولا بنيم) وقامت بإخافته ببعض القصص التراثية المعروفة مثل (السبدلا اللي بشق الحيط ويتدلا) أو (البوبع) أو بتهديده بـ (جب الفار) وعند اشتداد بكاءه ورفضه النوم، خاصة عندما تتعب الأم التي ولدت حديثاً، وعلى الأخص بالطفل الأول تقرأ له أسماء أهل الكهف، وقد تضربه لتتدخل الحماية عندئذٍ وتقول أهزوجتها لحفيدها (قتلوكي – عيوني! قتلوكي، وما عرفوا منو أبوكي، ولو عرفو لك مقام عندو، عالمراتب صمدوكي).

ومن ترنيمات النوم في حلب أذكر:
نام ابني نام
نام جنبي نام
نام يا روحي نام
لادبحلك طير الحمام
وياحمامة لا تخافي
عم بهدي لابني لينام

ومن أجمل ما سمعت من ترنيمات الأم حول تنويم ابنها هو ما أنقله عن أستاذي الدكتور محمود أبو الهدى الحسيني في الترنيمة التالية والتي أبلغني أنها من مقام الحجاز:

نيمتك في العلية
خفت عليكي من الحية
هزيلو يا راضية
بلكي على صوتك بينام

ثانياً- المشي :
تستند حركات المشي البدائية عند الطفل إلى محاولات أمه تعريفه على المكان والتجول فيه، وكانت الأم الحلبية تقوم بتعليمه ذلك بشكل غير مباشر بالحركات التي تقوم بها وهي تغني له الأهزوجة الحلبية المعروفة:
باح باح يا عروق التفاح
أجا العصفور ليتوضا
كسر بريق الفضة

وهي تقوم بمسح راحة يده المفتوحة الصغيرة برؤوس أصابعها مكملة الأهزوجة وهي تثني أصابعه واحدة واحدة محركة كل مفاصله الغضة مبتدئة بخنصره الصغير ومنتهية بإبهامه:

هي نتفتو
وهي شوتو
وهي قلتو
وهي طبختو
وهي قالتلو
أبو فنون
جيب المعالق والصحون
دب دبيبة
دب الفار
ولولا حمودة أكلنا الفار

جاعلة سبابتها ووسطها تمشيان على شكل قدمين تعلمانه المشي، تخطوان من معصمه إلى ساعده فعضده حتى رقبته عندها تقول: (كر كر كر كر كر) فيضحك الطفل.
بذلك نرى أن الأم الحلبية ومنذ عصور شكلت ترسيماً دماغياً لنمط معرفي للمشي في هذه المرحلة من عمر الطفل التي دعاها "بياجيت" في أواخر القرن الماضي مرحلة الذكاء الحسي الحركي، والتي يستخدم الطفل فيها مهارات وممرات تشريحية عصبية بصرية، وحركية سكونية، ولمسية، وحسية مكانية، أو ما يدعى العلاقة بين (الرمز والمرموز) بشكل عام كرسم الحرف مثلاً وعلاقته مع صوته.

إلا أنه وقبل تعلم المشي تدرب الأم طفلها على التناسق الحركي لبعض العضلات التي تستخدم انعكاسياً فيما بعد المشي (وهذا التناسق يغيب في بعض أمراض الجهاز العصبي) وهي تقول له الطقطوقة المشهورة.

هل هل (وهي مشتقة من لفظ الجلالة) هلاني
راح على الحج وخلاني
خلاني في ضيعتو
لبسني قبيعتو
طبخ لي عجور محشي
قلي تفضلي تعشي
قلتلو بنزع نقشي
شمر زندو وطعماني

وإن تأخر التطور الحركي يمكن للأم أن تكشفه بمثل هذه الممارسات غالباً قبل الطبيب لأنها الأقرب والأبكر تعاملاً معه.

ثالثاً - الأسنان :
على الرغم من أن بزوغ الأسنان يعتبر حدثاً طبيعياً في التطور الجسدي عند الأطفال، إلا أنه يترافق ببعض الأعراض التي لا يمكن إنكار علاقتها به، وإن كانت أعراضاً غريزية لا مرضية، وهذه الأعراض قد تكون من الشدة لدرجة كبيرة جعلت أهل حلب يتندرون بها بقولهم تارة: (لو يعرفوا أمي أبوي طلوع سنوني ما جابوني) وتارة: (إذا بدن يطلعوا سنوني حضرولي كفوني).

وبعد مدة من بزوغها يفرح الأهل بهذه الأسنان الصغيرة البيضاء وينشدون بعض الأناشيد أو الطقاطيق المتعلقة بهذه الحادثة التي تشكل فرصة لطبيب الأطفال لتقديم التهاني لهم عند اكتشافها للمرة الأولى من قبله ومطالبتهم بالـ (السليقة) ومن هذه الطقاطيق عند أول بزوغها (طلع سنو خبوا الخبيزة منو) خوفاً عليه من الشردقة التي قد تحدث مسببة ما لا تحمد عقباه، وتكون الفرحة أكبر عندما يكون الطفل هو الأول، خاصة إن كان ذكراً حيث تقوم الأم بدعوة جماعة من أهلها، وأهل زوجها، وجيرانها، وأصدقائها ... ويكون عزف ورقص وغناء .. ويأكل المدعوون السليقة مع الفستق الحلبي واللوز، والجوز، وحب الرمان، والشاي والسكر في البيوت التي تتمون بهذه المناسبة مسبقاً بهذه المواد وهذه عادة الحلبيين في كل مناسباتهم الحلوة والمرة.

وكعادة معظم الشرقيين عموماً في تفضيل الولد على البنت فإن طقوس البهجة ومراسم الفرحة يكون أقل في بزوغ أسنان البنت، وربما يبدو ذلك في الطقطوقة الخاصة بها (سنينا سنين الفارة وصوتا عبا الحارة) تحويراً للطقطوقة المقابلة لها (طولا طول الفارة وصوتا عبار الحارة) كناية عن عدم الإحتفاء ببزوغ أسنانها جيداً، فهي أكثر صموداً للتحديات الصحية برأيهم وهذا يؤيده الطب في بعض الأمراض (كيرقان الوليد) الذي يظهر بقولهم (ما بصرلا شي لأنو شروشا بالجب) أو (البنت بسبع رواح مثل القطة) و (البنت من ورا الباب بس الصبي من عنتاب). وقد يقال عوضاً عن (عنتاب) (بغداد) كونها أكثر بعداً عن حلب من عنتاب.
وخلال بضعة أسابيع أو أشهر من بزوغها يطقطقون الأهزوجة التالية التي يمكن بتحوير بسيط أن تصلح لكلا الجنسين وهي:

عالتكنينو نيناتو
"للذكر"
أو نيناتا
"للأنثى"
وسكر تحت سنيناتو
يا ربي يكبر ابني
لآكل من دياتو

رابعاً - التطور الحركي Locomotion :
لابد من عجالة سريعة لربط ما تقوم به الأم الحلبية في هذا المجال مع التطور الطبي الطبيعي الذي يتم التحري عنه بمراحل ثلاث في طب الأطفال هي:
1- التعليق بيد الأم من البطن في الفراغ تدوم حتى (2 – 10 أسابيع).
2- وضعية الكلب على البطن مستلقياً تدوم حتى (شهرين).
3- وضعية الاستلقاء على الظهر (أربعة أشهر).
ويجب التنويه أن على الأم أن لا تتحرى ذلك وهو نائم أو يبكي.

تقوم الأم الحلبية بالتحري عن المقوية العضلية التي هي أساس التطور الحركي وذلك أثناء ممارستها لما تدعوه: (التمريخ) أو (التجبيد) الذي تقوم به بعد فك (القنداق) اعتقاداً منها بأنها تشد قوامه الذي كان محبوساً بالقنداق والأحزمة لكي –باعتقادها- تطلع إجريه سويات – يؤيد ذلك قولها على لسان طفلها (ان شالله يتقاتلوا أمي وأبي ليشدوا الحزام علي) ويكون التمريخ بوضع الطفل مستلقياً على ظهره وتثني الأم ذراعيه من مفصل الكتفين وهما ممدوتان على صدره بشكل متعامد مع الجذع مرتين متخالفتين، ثم تمدها إلى الأعلى مرة وإلى الأسفل مرة، وتصنع نفس الأمر بالرجلين ثم تتركه ليحرك أطرافه بحرية، وهي متواصلة معه تزقزق له، وهو يراقبها بحركة شفتيها المضمومتين مصدرةً صوتاً يشبه التقبيل، ويقوم هو خلال ذلك بما ندعوه بالرفس المتناوب للطرفين السفليين Reciprocal Kicking بحركة تشبه كبس الفرامل.

وفي مرحلة أخرى يمكن كشف هذه السرعة بلعبة ( بس بس نو) حيق تقوم الأم أو الأب بمسك شحمة أذنيها بالسبابة والإبهام مرددة كلمة (بس بس نو) فيما يمد الطفل زراعيه وكفاه ظاهرهما للأعلى وهي تقول له (بس بس بس) وعند لفظة كلمة (نو) تهوي بيدها على كفه، وعليه أن يسحبها قبل إصابتها ليفوز، وإلا تعاد إن أصابته الضربة، وكثيراً ما تعطيه الفرصة لتشجعه على الاستمرار.

ومثلها لعبة (شوي قلي) الحركية بهز الكفين الحاملتين لكفي الطفل ثم الإنقضاض براحة كف الأم السفلى على ظاهر كف الطفل العليا للطفل والتي يجب عليه سحبها أو رفعها من فوق كف أمه إما من نفس الطرف أو الطرف المقابل ليفوز ويدل هذا على يقظة وتناسق حركي رائعين.

خامساً - اللغة والكلام :
يبدأ الطفل وفي مراحل مبكرة من تعلم اللغة وقبل بدء النطق بفهم ما ترمز له العديد من الألفاظ والكلمات التي يحورها الأهل في حلب لتصبح "قاموساً" صغيراً تراثياً يتم إدخار مفرداته اللغوية لتنتقل عبر الأجيال أذكر من هذه الألفاظ :
(همه) و (مم) و (هم) و (بوقو) و (دقو) و (دديه) و (نونو) و (زيزو) و (كوكيه) و (تش) و (بح) و (عن عن) و (جوجو) و (بيسه) و (ننه) و (بوبع) الذي يرتبط مع (جب الفار) و (سبدلا اللي بشق الحيط وبتدلى) و (دح) ...

تختلف مفردات اللغة من منطقة إلى أخرى في مدينة حلب، ومن عائلة وذلك حسب أسلوب الرتبية حين يقولون (ابنك متل ما ربيته، وجوزك متل ما علمتيه) فلا غرو إن سمعنا طفلاً في حلب شتم طفلاً وحتى في الشارع، وربما بأغلى ما عنده كأمه وحتى دينه وهذا يقول فيه أهل حلب (ما في ترباية) أو (ترباية شوارع) أو (صقيقاتي)... وهذا عدا عن أنه يدل على سوء تربية هذا الطفل فإنه يدل من ناحية أخرى على أن للدين أهمية كبيرة في حياة الشعب الحلبي تلك القدسية التي قد لا تكون لها نفس الدرجة أو لا قدسية لها أصلاً عند أفراد أو شعوب أخرى.

موقع ومنتديات نادي الاتحاد الحلبي - نادي الإتحاد الحلبي السوري Al Ittihad of Aleppo syria - عشاق حلب الأهلي بنات حلب

رد مع اقتباس