عرض مشاركة واحدة

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 14-06-2010 - 12:32 ]
 رقم المشاركة : ( 70 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,854
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

الحلبيون و الحداثة (التكنولوجيا ) عبر التاريخ ..مع الصور

الحلبيون و الحداثة (التكنولوجيا ) عبر التاريخ ..مع الصور

إن دخول الآلات الحديثة إلى مدينة حلب كان باعثاً للاستغراب والخوف والاستنكار في بعض الأحيان .

والمتتبِّع لمسارِ مدينة حلب عبر تاريخها المديد يجد نفسه أمام مدينة لها خصوصيتها كغيرها من المدن ، عُرِفَتْ باقتناء أحدث المبتكرات و الآلات الحديثة التي يلحُّ عليها الواقع ، و تتطلَّبُها المصالح الخاصة تحديداً ، و لم يأت هذا الأمرُ من فراغ .

المجتمع الحلبي يبدو منغلقاً على نفسِهِ للوهلة الأولى بسبب هذه الخصوصيات التي انفردت بها مدينته ، و بسبب طراز عمران بيوتها و أبوابها القديمة و أسواقها و لكنّ المهتمَّ يتوصَّلُ إلى عكس ذلك ، فيراه مجتمعاً منفتحاً على الآخر و يقبل الوافدين المقيمين و العابرين لأنه يشكِّلُ مصدرَ رزقٍ الأغلبية .

هذه الخصوصية تشعَّبَتْ عنها خصوصيات على مستوى الغناء و الطرب و الطراز العمراني و الصناعات القديمة المتجدّدة و المأكولات الشهيرة و الطباعِ و العادات و اللهجة ، و أهمُّ شيءٍ خصوصية التفرُّدِ بالتسامحِ و التعايش في بوتقة التفاهم و التعامل .

أسواقها ، و بيوتها و مساجدها و حدائقها و واجهات محلاتها تشهد على ذلك و يقرُّ بذلك الكثيرون من الزوار و القناصلة و الوفود منذ القديم .

يُرجع البعض هذه الخصوصية أن وراءَها عقلية تجارية و صناعية تتحكم بتسيير أمور المدينة، و في كثيرٍ من الأحيان تتغلب على الفكري و الثقافي و تطغى عليه .
فالنشاط التجاري و الصناعي مبنيان على علاقات اجتماعية تتوخَّى حاجة المجتمع و متطلبات السوق و هي علاقات لها ثوابتها و أصولُها ، دفعَت تجّارها و رجال الصناعة للبحث عن الجديد الوافد الذي ينمّي تجارتهم و صناعتهم و رأسمالهم .
في عام 1905 استأجرت المعارف داراً في باب قنسرين و جعلَتْ منها داراً للصنائع و انتسب إليها أكثر من مئة طالب ،كانت تعلم صناعة الأحذية و التجارة و الحياكة و كان مديرها الشيخ كامل الغزّي .

و لمَّا شعروا بأهمية الحرير في الصناعة شجّعوا على تربية دودة القز و ذلك في المكتب الإعدادي ( مدرسة المأمون ) ، فخصَّصوا مكاناً لأعمال تربية دودة القز ، و سمحت بالدخول لمن يريد و شجعت من يريد الاستفادة و العمل و أعطتهم مكافأة و نقوداً لمن يتفوَّق منهم .

و أقبلت على صناعة الزنانير ففي عام 1865 ظهرت الزنانير باسم ( الأغباني ) و على يد امرأة نصرانية ،رأت عند الشيخ طه الكيالي زنّاراً من صنع الهند فالتقطت هذه الصنعة ، و في عام 1925 أصبحتْ صنعة واسعة و تُصَّدرُ إلى الحجاز و الأقاليم التركية .

حاجتهم إلى مواقيت الصلاة و معرفة الفلك دفعتهم إلى اختراع ثريَّا فلكية تشخّص دورة الأرض على يد ( إلياس آجيا ) . نال الاختراع استحسان القناصل الدولية.

لكنَّ هذه التقنية لم تجد الصدر المفتوح و القبولَ من الجميع ، فقد وجَدَتْ صدوداً و معارضة و بأساليب مختلفة لأن هذا الفريق تضرَّر منها كثيراً و أثّرت على مسار حياته فرمَته إلى حرف أخرى و بعضهم لم يستطع عقله المغلق تفسيرها فبدا عاجزا و لجأ إلى التأويلات الخرافية .

إن المجتمع الحلبي بتركيبته المتنوِّعة استقبل الوافد الجديد من المبتكرات و الآلات بفرح و سرور و دهشة.

استقبلوا بفرح دخول المطبعة العربية لأول مرة إلى مدينتهم التي لها شرف الريادة و السبق على مستوى الوطن العربي و شهدوا تطوّرها و تسابقوا إلى الطباعة و إنشاء المكتبات في دورهم و أصبحَ من تقاليد البيوت الحلبية الكتبيَّات.

غمرتهم الفرحة عندما أنشىء أول فرع للبنك الإسلامي خارج استانبول 1893 ولمَ لا يفرحون وهو يخدم مصالح أصحاب رؤوس الأموال ويسيِّرها .


وينطبق هذا على إقامة أول غرفة تجارية تؤسّس في الشرق في حلب بعد العاصمة استانبول .


ألا يدل هذا على مدى القدرة على التطوّر والاستفادة من مستجدات الحياة اللازمة لتنمية مصالحهم وهذا الأمرُ مستمرٌّ إلى الآن .


ويدلُّ على أهمية حلب بالنسبة للدولة العثمانية تجمَّع الكثيرون من أهل المدينة لحضور حفل تدشين الخطِّ الحديدي الواصل بين حماه وحلب ، ومنه كلُّ المنفعة لتجارتهم وصناعتهم .


وينطبق هذا على أوَّل طيّارة حلَّقت في سماء حلب وكذلك مع أوَّل دراجةٍ وراديو عُرِضتا واستقبلوا أوَّلَ سيارة ركبها المشير زكي باشا الحلبي .


ثم توافدت هذه الآلات بكثرة وبدأت تؤثّرُ في البنية الاجتماعية والفكرية ، فانعكس هذا على الواقع الاقتصادي الذي يشكل عصب الحياة .


فدخول السيارات تناسبَ مع تطوّر المدينة واتِّساعها وكذلك فكّروا في إلغاء الحناتير أو تجميعها في مكان محدَّد لإفساح المجال للسيارات ولتجنّب عرقلتها وأوساخ الدواب فأدَّى إلى إضراب الحوذييين ثم تبعه من بعد إضرابُ أصحاب السيّارات ، وجرت اتّفاقيات وهدنةٌ بين مجلس البلدية وأصحاب الحناتير ثم بينهم وبين أصحاب السيّارات .


ومع ذلك لحق الضررُ بأسواق المدينة القديمة لأن السيّارات لا تقدر على السيرِ ونقلِ البضائع داخل الأسواق ...
وينطبق الأمرُ على الحجَّارين الذين برعوا في نحتهم وتعاملهم مع الحجر كروح وقطعة فنيَّة يطرِّزونها بأكفهم وإزميلهم ومطرقتهم ويأكلون منها لقمتهم الشهيَّة .


وهذه مهنة تشتهر بها حلب وواجهات الأبنية والدوائر الحكومية والمساجد والكنائس تشهد على براعتهم .


فقد أضرب الحجَّارون عندما حلّتِ المناشر الحجرية الآلية ، فخافوا على مصدر رزقهم وبيوتهم ، فجرت صدامات وراح فيها بعض الضحايا وتوجّهت البلدية إلى إرضاء الحجّارين ففرضت على أصحاب الأبنية أن تكون واجهات البناء منحوتةً باليد .


وهذا يشكل شيئاً من الصراع الذي عاشته المدينة مع دخول التنقنيّات الحديثة ، ولكنه يعكس القدرة على طرحِ الرأي وحسن التعامل بشفافية وديمقراطية مع الأحداث .
في عام 1913 أضربَ الحوذيون ( العربنجية ) لأن المجلسَ البلدي أَصْدَرَ قراراً يوجب عليهم أن يلبسوا الألبسة الأوربية ( سترة – قميص – سروال ) .
في عام 1915 بادر الناس إلى تداول الورق النقدي لأوّل مرَّة ( البنكوت ) وحلّت محل العملة النقدية الثقيلة ورغبوا بها لخفتها .


وكذلك وَجَدَ البسطاءُ والعمّال ضالتهم بولادة شركة الطرقجي للمطَّاط ، كانت تقوم على جمع المطاط البالي من أطر السيّارات وملحقاتها ثم طحنها وتمييعها بواسطة البخار للحصول على الأحذية ( الجزمات – الكعاب ) فسدّت حاجة المدينة والفقراء ....

في عام 1896 عقب حوادث الأرمن في مدينة زيتون التركية أقبل أصحاب العقولِ والخبرةِ إلى مندوب السلطان وطالبوه بتأسيس مكاتب علمية وصناعيةٍ و تجاريةٍ وزراعيةٍ وافتتاحِ طرقٍ ومعابرَ وإحضارِ معاملَ وتخفيضِ رسومِ الضرائب .
أليس هذا مؤشِّراً على تفتُّحِ ذهنٍ صافٍ وبعد نظر دقيق يحرص على النموِّ والازدهار . ؟

هذه الرؤيةُ النهضويةُ و الحداثيةُ الداعيةُ إلى التطوير والساعيةُ إلى الازدهارِ كان وراءَها رأسمالٌ من المالِ والعلاقاتِ والتواصلِ .


ومن هذا القبيل صناعةُ النسيجِ التي كانَتْ منتشرةً بحلب وتعمل على الأنوال اليدوية ويعيش من ورائها قسمٌ كبيرٌ من الأسر فسرعان ما أضْحَتْ مهنة لا تقدِّم شيئاً مع دخول الأنوال الحديثة وصارَتْ للعرض في سوق الإنتاج مع الكثير من الحرف اليدوية كالزجاج والفخّار والخزف والزخرفة على الخشب والنحاس ...
الآلاتُ الحديثة الالكترونية المتطوِّرة جدّاً ابتلعت الأنوال الآلية التي ابتلعت الأنوال اليدوية .
وهذا إثبات على مدى قدرة المجتمع على التطور والبحث عن الأفضلِ والأسرعِ والأربح .
شبيه بهذا انعكس على صناعة النحاس التي كانت آيةً في الإبداع والتي تشكل سمفونياتٍ من الموسيقى الصوتية ولوحاتٍ من الأشكالِ والأواني ، ولكنها مع دخول الآلات الحديثة غاب الصوت والرنين واضمحلَّ السوق رويداً رويدا وأضحت للعرض في خان الشونة ...
هذه الأمور ما كانت لتحدث دون وجود طبقة غنيّة متفتّحةٍ ومتواصلة مع الحاضر والمستقبل ترسل أولادها إلى الخارج وتراسلُ الشركاتِ وتحضرُ المعارض، وتبحث بكلّ الوسائل لإنماء رأسمالها ومشاريعها ، ولا ضَرَرَ من ذلك إذا لم يكن على حساب مصلحة الوطنِ والشعب ،وإذا سلكت الشروط الموضوعية والقانونية المشروعة حرصاً على المصلحة العامة .

نفر الحلبيون من (( البندورة )) وسمّوها (( الإفرنجي )) وبعضهم حرَّمها ولكن سرعان ما انتشرت وصارت من لوازم البيت والمؤونة ، يتقنون طبخها وينوِّعون التعامل معها وأصبحتْ ملكة المائدة .
وهذا حال السلك البرقي ، مع أوَّل دخولِهِ لم يصدِّقوا أنَّ الكلام ينتقل عبر الأسلاك فظنّوا أن شيطاناً مارداً في الأسلاك .
وامتنعوا في البداية عن إيصال الكهرباء إلى منازلهم خوفاً من أضرارها ومصاريفها ولكن البلدية قدَّمتها لهم بالمجّان ومع الزمن أضحت عصب الحياة كالماءوالهواء .

وعلى المنابر في المساجد استمعْتُ إلى تحذير بعض الخطباء وتحريم من يصدِّقُ الصعودَ إلى القمرِ ومع الزمن أصبح أمراً بدهيّاً مألوفاً ومصدِّقاً فكانت الكلمة للعلمِ والعقلِ وليس للدجلِ والعقول المغلقة ....
تعاملوا مع زيت الكاز عندما وصل إلى حلب 1863 بحذر وخوف ، فحلَّ محلَّ السراج والقناديل .
الفقراء فكروا بمصروفه وكلفتِهِ فلم يستعملوه إلاّ في الأعيادِ وهذا التفكير الإقتصادي المبنيَّ على التوفير والادِّخار يشكّلُ سمةً من سمات الطبقة المتوسطة والفقيرة .
هذه النهضة الحديثة التي واكبتها مدينة حلب كغيرها من المدن، كان لحلب السبقُ في البدايات فمازالت الصناعات الدقيقة والثقيلة المتطوِّرة تتمركز في حلب .
السؤال الملحُّ بعد هذا العرض الموجز الذي يحتمل دراسة أوفى وأشمل : أكانت التقنيّة وبالاً وهمّاً على المجتمع أم نقمةً ؟
وهذا السؤال محرِّضٌ ويدعو للبحث من قبل علماء الاجتماع والاقتصاد والنفس والتربية .
من وجهة نظري الخاصةِ أراها نعمةً في بعض جوانبها الاقتصادية التي سهَّلت لنا الكثيرَ وقدَّمت لنا الكثيرَ ولكنّها لم تستطع أن تصل إلى العقلِ فتشعل فيه الضياء والإشعاع لدى الكثيرين .
وكانت نقمة على ذهنية العربي الذي لم يعتدْ عليها فقد أثّرت على الإبداع الفردي والحسِّ الجماعي الفنّي .
فالآلات الحديثة سَرَقتْ منَّا النّحاتين والصُّيَّاغ والخطاطين والعازفين البارعين ونكهة الطعام اللذيذة والدفءَ الروحي وأبعدَتْنا هذه التقنياتُ الحديثةُ عن أهم مصادر الوعي والنهوضِ المباشرة فتراجعت دور السينما و تقطّعت أنفاسها واضمحلَّتْ صالات عرض المسرحِ وبقيت للأفراحِ والمناسبات ، وكانت إلى وقت قريب من معالم حلب ولها طقوسُها البديعة والجميلة وأبعدتنا لحدٍّ بعيدٍ عن الكتاب .
فحلّتْ محلَّ الكتبيّات خزائنُ التلفاز والتحف والزجاج .وأماتت الكثيرَ من المكتبات في قلب المدينة وأطرافِها وبرز مكانَها بائعو العصير والمسجّلات و( الموبايلات ) والأحذية .
أتمنى أن نتجاوز قول نزار (( لقد لبسْنا قشرة الحضارةِ والروح جاهليّة ))
هذه حلب ملهمة المبدعين وجاذبة الناسِ من كلِّ حدبٍ وصوب . فتأمّلوها في حاضرها وقارنوه مع ماضيها .


الاستاذ محمود أسد : مدرس للغة العربية ، يكتب الشعر و القصة و الدراسة ، له عدة مجموعات شعرية ، صدر له كتاب ( قراءة في الابداع الادبي الحلبي ) ، عضو مؤسس و مساهم في إعداد كتاب ( من أدباء حلب في النصف الثاني من القرن العشرين ) .


التعديل الأخير تم بواسطة : حلب الشهباء بتاريخ 05-12-2016 الساعة 01:54