عرض مشاركة واحدة

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 22-06-2010 - 01:11 ]
 رقم المشاركة : ( 76 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,753
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

بعد الإنهيار الإقتصادي العالمي في عام 1929 ،الذي وصلت آثاره إلى التجار الحلبيين و أفلس العديد منهم حينها، وبعد وصول الطاقة الكهربائية عام 1929 لحلب بدأت النهضة الصناعية في حلب و عمادها الكهرباء و الآلات الميكانيكية بدلاً من الآلات اليدوية .
احتاجت النهضة الصناعية إلى رساميل كبيرة لم يكن من الممكن جمعها إلا عبر الشركات المساهمة التي تطرح أسهمها للإكتتاب العام و يشتريها جميع المواطنين ، فيقوم هؤلاء بوضع مدخراتهم فيها، ليشكلوا معاً رأسمالاً ضخماً مؤهلاً لعمل صناعي مهم .
ومن المعروف أن أهم الصناعات على الإطلاق في حلب تاريخياً هي الصناعات النسيجية .

في البداية كانت أغلب الأنوال تنسج الحرير الطبيعي، و مع وصول الحرير الصناعي المنافس لم تعد صناعة منسوجات الحرير الطبيعي مجزية اقتصادياً، فتوجهت الصناعات النسيجية نحو المنسوجات القطنية .
لمحة عن زراعة و صناعة القطن في سورية
مع دخول إبراهيم باشا المصري إلى الأراضي السورية عام 1830 م، دخلت زراعة القطن لسوريا، لأن المصريين كانوا يزرعون القطن لتصديره الى
أوربا بعد انفتاح محمد علي باشا والي مصر حينها على أوربا .
لذات الهدف أدخل إبراهيم باشا المصري زراعة القطن لسوريا ، تنامت هذه الزراعة و تزايدت بعد خروج إبراهيم باشا المصري من سوريا عام 1840 و تنبهت الحكومة العثمانية إلى فوائد هذا النوع الجديد من الزراعة إقتصادياً .
جاء في المجموعة الاقتصادية لغرفة تجارة حلب الصادرة عام 1928 م أن المساحة المزروعة بالقطن في ولاية حلب فقط عدا بقية المناطق السورية بلغت ما يزيد على 1500 هكتاراً تنتج حوالي خمس عشر ألف بالة قطن وسطياً.
و بما أن وزن البالة الواحدة حوالي 180 كيلو غرام فيكون وزنها الإجمالي 2700 طن .
علماً أن الإنتاج الحالي لسوريا من القطن يبلغ حوالي 650 ألف طن .
كان المواطنون العاديون ( خاصة النساء ) يقومون بغزل كمية بسيطة من القطن الخام يدوياً (الغزل هو مرحلة تحويل القطن إلى خيوط ) ليُصّنع منه داخل البلاد على الأنوال اليدوية قماش قطني يدوي رديء ( قماش قطن خام ) و يصدر الباقي من القطن الخام .
أما الغزل القطني الجاهز للنسج ذو النوعية الفاخرة فكان يستورد من الهند و انكلترا ليُصّنع على الأنوال اليدوية المحلية و ينتج قماشاً قطنياً محلياً جيداً.
كان عدد أنوال النسيج القطني بحلب التي تُصّنع قماشاً قطنياً يدوياً من الغزل الوطني و المستورد حوالي 3500 نول يدوي يعمل عليها حوالي 17000 عامل.( عدد سكان مدينة حلب حينها يقدر بحوالي مائة و خمسين ألف نسمة ) .
أما المنسوجات القطنية الجاهزة فكانت تستورد لحلب لخياطتها ، من انكلترة و اليابان و ايطاليا و بلجيكا و شيكوسلوفاكيا و فرنسا .
في عام 1930 مع وصول الطاقة الكهربائية لحلب بدأ اصحاب معامل النسيج استعمال الكهرباء لتحريك الآلات و تشغيلها، و لمسوا زيادة الطاقة الإنتاجية و بالتالي شعروا بفارق الأرباح .
سأذكر فيما يلي تاريخ شركة الغزل و النسيج بحلب كنموذج للنهضة الصناعية التي تأثرت بالتأميم
تأسيس الشركة السورية للغزل و النسيج ( الشهيرة باسم شركة الغزل و النسيج ) عام 1933 م
أدرك الشقيقان محمد و أحمد أولاد خليل المدرس ( وهما اللذين ورثا مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية تصل لحوالي عشرة آلاف هكتار تبدأ من قرية رسم العبد قرب حلب وصولاً الى الرقة على ضفاف الفرات على بعد ثمانين كيلومتراً عن حلب ) أن إنتاج أراضيهم القطني إن تم تصنيعه وطنياً بدلاً من تصديره قطناً خاماً يدر ربحاً أكبر، فقررا إنشاء شركة آلية للغزل و النسيج تبدأ من شراء القطن الخام ثم حلجه ثم غزله ثم نسجه ثم صباغته و بيعه لداخل السوق المحلية أو تصديره لخارج البلاد .

رسم كاريكاتوري لأحمد خليل المدرس( كتاب المرايا )
دعيا مجموعة من التجار الحلبيين المعروفين حينها لتأسيس شركة مساهمة و هم :

الحاج علي خضير الذي كان يعمل مع أخيه الحاج توفيق خضير في مجال تصنيع الأنسجة الحريرية على الأنوال اليدوية و تصديرها لليمن ، و الحاج نوري الحكيم الذي كان يعمل بتجارة الأقمشة و المواد الغذائية ، و الحاج نديم وفائي الذي كان يعمل في تجارة المواد الغذائية ( تصدير السمن العربي لخارج البلاد ) ، و الحاج توفيق ميسر من تجار المواد الغذائية ( تصدير زيت الزيتون و استيراد الرز و السكر و غيرها من أصناف غذائية )، و الحاج مصطفى شبارق الذي كان يعمل في مجال تجارة الحبوب و صناعة المطاحن .
كما دعيا الدكتور عبد الرحمن كيالي باعتباره زعيماً وطنياً في الكتلة الوطنية تقلد عدة وزرات في الحكومات الوطنية و من أصحاب الأراضي الزراعية . و ألبير حمصي صاحب بنك حمصي بحلب .

في عام 1932 تقرر أن يكون رأسمال الشركة مائة ألف ليرة ذهب عثماني مقسمة إلى خمسون ألف سهم، طُرح السهم الواحد للاكتتاب العام بليرتين ذهب عثماني.

صورة نادرة لشهادة سهم في الشركة السورية للغزل و النسيج عند تأسيسها
بادر المؤسسون إلى شراء عشرين ألف سهم فوراً ، و لحسن سمعة المؤسسين بادر المواطنون لبذل أكبر جهد لجمع قيمة الأسهم ، فكانت النساء تبيع مصاغها البسيط للإكتتاب بسهم واحد ، و منهن من بعن فرشهن الصوفية و متاعهم المتواضع للإكتتاب.
تم شراء سبعة عشر ألف و خمسمائة سهم من قبل المواطنين، و بذلك تمت تغطية ثلاثة أرباع رأس المال بقيمة خمس و سبعين ألف ليرة ذهبية . قبلت الجهات المختصة إطلاق الشركة بثلاثة أرباع رأس المال المعلن .و انطلقت الشركة في عام 1933 .
انتُخب محمد خليل مدرس رئيساً لمجلس الإدارة، و الحاج نديم وفائي خازناً عاماً، و الحاج نوري الحكيم أميناً للسر .

رسم كاريكاتوري لمحمد خليل المدرس( كتاب المرايا )
تقرر تعيين المحامي الكبير الأستاذ أسعد بك الكوراني مستشاراً قانونياً للشركة، وهو الذي تولى وزارة العدل لاحقاً ووضع العديد من القوانين السورية المعمول بها حتى هذا التاريخ .
اشترى مجلس الإدارة أرضاً لبناء المعمل في منطقة عين التل على طريق المسلمية ، و بدأ بتأسيس و بناء المعمل و تجهيزه بدءاً من المحلجة إلى المغازل إلى الأنوال الميكانيكية التي تعمل على الكهرباء وصولاً إلى المصابغ التي تصبغ النسيج القطني .
بلغ عدد المغازل في الشركة في بداياتها سبعة آلاف و خمسمئة مغزل .( كانت كل آلة غزل يُركب عليها ما بين مائة الى مائة و خمسين مغزلاً ) .
كان معملهم متكاملاً يبدأ من القطن الخام وصولاً الى القماش القطني المصبوغ، و كانت البضائع من نوعية جيدة رخيصة الثمن مقارنة بالنسيج القطني المستورد .
افتتحت الشركة منفذين لبيع لمنتجاتها بالمفرق في خان الحرير و الجديدة ، و منفذاً للبيع بالجملة في خان الجمرك .
أرباح الشركة خلال الحرب العالمية الثانية
عندما نشبت الحرب العالمية الثانية في عام 1939 انقطعت الطرق البرية و البحرية و لم يعد استيراد الغزل و النسيج القطني ممكناً ، فصار إنتاج الشركة مطلوباً بشدة فحققت أرباحاً كبيرة .
في عام 1942 وزعت الشركة أرباحاً للسهم الواحد 100 ليرة سورية إضافة لخمس ليرات ذهب انكليزية .
أما في بقية السنين فكانت الأرباح تصل لحوالي 100 ليرة سورية للسهم، و بما أن الليرة الذهبية كانت حينها تعادل حوالي خمس ليرات و نصف الليرة السورية، أي أن أرباح السهم المُشترى بليرتين ذهبيتين كانت تصل سنوياً إلى حوالي عشرين ليرة ذهبية.

قسائم الأسهم التي يستلم بموجبها مالك السهم الأرباح
عندما صدر قانون التجارة السوري عام 1949، فرض القانون أن يكون رأسمال الشركة بالليرات السورية بدلاً من الليرات الذهبية العثمانية، فتحدد رأس المال بعشرة ملايين ليرة سورية .

صورة نادرة لشهادة سهم الشركة السورية للغزل و النسيج بعد تعديل رأسمالها لليرات السورية
كان قد توفر للشركة إحتياطي أرباح جعلها توزع للمساهمين عن كل ثلاثة أسهم يملكونها سهماً مجانياً و بذلك اكتمل رأسمالها المحدد، بعدما انطلقت بثلاثة أرباع رأس المال عند تأسيسها .
معاملة مجلس الادارة لعمال الشركة
اتصفت معاملة مجلس إدارة الشركة بالمعاملة الحسنة مع العمال و رؤساء الأقسام ، فكان أعضاء مجلس الإدارة - و هم من كبار الأغنياء في ذلك الوقت - يزورون العامل حين يمرض في بيته و يشاركون في أفراحه و أتراحه .
و قبل توزيع أرباح الشركة كان العمال يتلقون تعييناً سنوياً من المواد الغذائية .

ارتاح العمال مادياً و معنوياً و شعروا بالإنتماء لشركتهم.
روى لي إبن أحد هؤلاء العمال الفنيين أن والده إذا ما اتصلت به الشركة في الساعة الثالثة فجراً لتخبره بتعطل إحدى الآلات كان يبادر مسروراً للالتحاق بالعمل فوراً لإصلاح الآلة و تشغيلها .
أثناء الحرب العالمية الثانية افتتح مجلس الإدارة داخل المعمل فرناً يوزع الخبز مجاناً على العمال .
كما تُروى قصة شهيرة عندما أقام مجلس الإدارة حفلاً بمناسبة توسعة المعمل دعا إليه عدداً من العمال المتميزين ، تقرر أن يقدم لهم الطعام بأشواك و ملاعق من الفضة، فاعترض البعض محتجين أن العمال يمكن أن يسرقوها ، و لكن أصر مجلس الإدارة على هذا الأمر و فعلا لم تُفقد أياً منها .
المستفيدون من الشركة
إضافة لعمال الشركة كان حملة أسهم الشركة و هم من المواطنين العاديين سعداء بالأرباح التي تقدمها لهم الشركة، لدرجة ان القضاة الشرعيين عندما كانوا يُسألون عن أضمن طريقة لحفظ حقوق أموال الأيتام كانوا ينصحون بشراء أسهم الشركة لأنها رابحة دائماً .
أما أعضاء مجلس الإدارة فكانوا يتقاضون تعويضات واقعية ومجزية تعادل الجهد الذي يبذلونه لنجاح الشركة إضافة لأرباح أسهمهم .
وكان المواطنون العاديون مسرورون للحصول على أقمشة وطنية رخيصة بجودة عالية .
أما وزارة المالية فكانت تحصل على ضرائبها بصورة فعلية و حقيقية تبعا لأرباح الشركة دون أي تهرب ضريبي .
رؤساء مجلس الإدارة
تعاقب على رئاسة مجلس إدارتها حتى بداية الخمسينات محمد خليل المدرس ( الذي توفي عام 1958) ، ثم تعين رئيساً لمجلس الإدارة الحاج نوري الحكيم ، ثم الدكتور عبد الرحمن الكيالي .
في عام 1959 تولى رئاسة مجلس الإدارة إدمون حمصي إبن ألبير حمصي أحد مؤسسي الشركة.ثم أدار شؤون المصرف العائد لوالده ألبير .

إدمون حمصي
إدمون حمصي من مواليد عام 1901 م،حصل على الليسانس في العلوم السياسية عام 1922م من إكسفورد في انكلترا، كما درس في لوزان في سويسرا ،كان إدمون عضواً في الوفد الوطني الذي سافر لفرنسا لإبرام معاهدة الاستقلال عام 1936 م، تقلد وزارة المالية السورية عام 1936 م في وزارةعطا الأيوبي و هو لم يتجاوز الخامسة و الثلاثين من عمره، ثم عاد و تولاها عام 1946 م .
توسع أعمال الشركة
في عام 1954 قرر مجلس الإدارة توزيع سهم مجاني واحد لكل سهم ، فازداد رأس مال الشركة إلى عشرين مليون ليرة سورية و حقق حملة الأسهم أرباحاً مضاعفة .
تعرض نجاح الشركة لبعض العقبات بعدما توفي خازن الشركة الحاج نديم وفائي و استطاع أحد التجار شراء مئتي سهم مما خوله لترشيح نفسه لعضوية مجلس الإدارة، عندما لم ينجح بالانتخابات قام برفع دعوى على الشركة زاعماً تلاعبها بالأرباح و تم التحقيق مع أعضاء مجلس الإدارة قضائيا من قبل القاضيين الشهيرين بنزاهتهما سعدي سلطان و سعدي بسيسو .
ثبتت سلامة حسابات الشركة، فتقرر سجن التاجر المشتكي لثبوت إفتراءه على أعضاء مجلس الإدارة لمدة ثلاث سنوات .
في بداية الخمسينات نجح الصناعيان السوريان من آل صباهي و آل شربجي في إقامة معملين للغزل القطني في مصر و حققا أرباحاً كبيرة، فقرر بعض أعضاء مجلس الإدارة شراء أراضٍ للشركة في مصر لزراعتها بالقطن المصري الشهير ذي التيلة الطويلة و إنشاء معملاً للشركة هناك .

عارض بقية الأعضاء هذا المشروع معلنين أن ( المال في غير بلدك ما هو إلك و لا لولدك )، فعلا فشل المشروع و بيعت الأراضي الزراعية التي تم شراءها هناك .
تأميم أملاك الشركة
في عام 1958 تزامنت أعمال توسعة المعمل باستيراد و تركيب المجموعة الرابعة من المغازل مع إعلان الوحدة مع مصر.
في عام 1959 أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قراره بتأميم الشركات الخاصة ، و تم تأميم أملاك الشركة.

الرئيس الراحل جمال عبد الناصر
وزعت حكومة الوحدة على حملة الأسهم مائة ليرة سورية تعويضاً عن السهم الواحد بعدما كان سعره حينها بآلاف الليرات، وتقرر حرمان أعضاء مجلس الإدارة أو ورثتهم من الحصول على قيمة أسهمهم .
بقي بعض المدراء القديمين للعمل كموظفين في الشركة بعد تأميمها، ثم تم صرفهم و استبدالهم خلال عام أو عامين ..
بقية قصة المعامل المؤممة معروفة للجميع .

المراجع :
- المجموعة الاقتصادية لغرفة تجارة حلب أعوام 1927 و 1930 و 1947 .

- شهادات حية قدمها مشكورين السادة :العميد عادل ميري و محمد بن توفيق خضير و رفيق المدرس و غيرهم .


التعديل الأخير تم بواسطة : حلب الشهباء بتاريخ 05-12-2016 الساعة 01:52