عرض مشاركة واحدة

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 11-07-2010 - 01:00 ]
 رقم المشاركة : ( 90 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,755
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

يقول عوام حلب عندما يصفون أمراً أتى في مكانه المناسب أنه "جاء في محله حفراً وتنزيلاً" ، ويلفظون هذا التعبير بالوقف عند حرف الفاء في كلمة "حفر" كأنهم يركزون على أهميتها،كما يطيلون الياء قليلاً في كلمة "تنزيل" معبرين عن التأني المطلوب فيه، ويفصلون بين الكلمتين بالواو دلالةً على التتابع المطلوب بين العمليتين .

ولقد استعارت العامية – على عادتها- تعبير الحفر والتنزيل من حرفة عريقة برعت فيها بلادنا واشتهرت ، حيث يقوم الحرفي بحفر سطح قطعة من الخشب محدثاً فيه أثلاماً تشكل رسوماً هندسيةً أو فنيةً بديعة ، ثم يُنزِل فيها مادة الصدف أو العاج .‏



ولمعرفة ما يقصده العوام باستعارتهم تلك يحسن أن نقوم بتحليل الممارسة الحرفية ذاتها وتأمل العلاقة بين عناصرها المكونة من عقل ونظر ويد ومهارات وأدوات ومواد .



ثم نعود لنتأمل المواقف التي يُستخدم فيها هذا التعبير فنفهم الصفات التي يرى العوام وجوب توفرها حتى يأتي الأمر في مكانه المناسب.‏

يقضي الصانع السنين وهو يتدرج في مراتب المهنة ، يناول معلمه الأدوات والمواد ويراقب حركاته بانتباه ، فيتشرب روح الصنعة قبل أن يباشر العمل بنفسه ، وقد يصرف عن ممارستها إلى مجال آخر إذا لم يقتنع معلمه بجدارته بها .
ولا يُسمح للصانع أن يصبح معلماً قبل أن يجتاز اختبارات تؤهله للانضمام إلى أهل الكار، وقد كان دخول الصانع في فئة المعلمين يتم حسب طقوس احتفالية خاصة شبيهة بحفلات التخرج الجامعية هذه الأيام.‏
ولم يكن الحَفَار يقوم بعمله اعتباطاً فلكل خطوة أصول متوارثة، فانتخاب القطعة الخشبية المنسجمة الألياف الخالية من العقد أمر أساسي ، ومن ثم قطعها وتسويتها وبعد ذلك رسم ما يراد حفره عليها ، ومن البدهي أن ينتبه الصانع إلى أن يكون الرسم ومن ثم الحفر موافقاً لاتجاه ألياف الخشب حتى لا يحفر الخشب خلافاً للألياف فيصعب العمل وتسوء النتيجة ، وقد يتبع الصانع في الرسم نموذجاً مسبقاً يحتذيه ، أو يرسم ما ينوي حفره على مسَودة من ورق أو خشب رخيص قبل أن يشتغل بالقطعة الأصلية الثمينة الخشب .

ولا يبدأ الحفَار عمله قبل أن يتأمل القطعة ملياً وغالباً ما يبسمل أو يذكر اسماً يجلب البركة قبل البدء.

ولا يكفي أن يمتلك الحفار أدوات العمل بل إن براعته في استخدامها هي الأساس ، والعامية تقول في ذلك مثلاً ينطبق على جميع الحرف " ما كل من صف الصواني قال أنا حلواني" .
ويستخدم الصانع في الحفر مطرقة رشيقة وأزاميل حادة متباينة المقاسات لكل منها اسم ، وهو لا ُيعمل مطرقته إلا عند الضرورة فيطرق الإزميل برفق لأن ضربةً أشد من اللازم قد تخرب لوح الخشب أو تشوهه ، وغالباً ما ينحَي الصانع المطرقة جانباً ، ويطرق الإزميل بباطن كفه متتبعاً أثر الرسم ، ملاحظاً طراوة الألياف أو قسوتها فيتلطف في طرقة كفه أو يقويها حسب المقام ، فللخشب روح كبني آدم ، والمهم في الحفر التحكم في استخدام العضلات ولذا ترى الحفار أثناء عمله متوتراً كأنما هو يكبح عضلاته أكثر مما يستخدمها، فليس الأمر خبطاً لزقاً.

ولا يقل التنزيل أهمية عن الحفر، فالصدف أو العاج مادة ثمينة قصيفة حساسة ، يلزم أن تقطع بالمقاس الملائم بحيث تحشر في مكانها حشراً رفيقاً .





وإذا ما زادت قطعة الصدف أو العاج عن مقاس حفرتها تقصَفت أثناء التركيب وهُدرت ، خاصة عندما يكون الصانع قليل الصبر أخرق يظن أن مزيداً من الطرق أو الضغط قادر على حشرها في مكانها عنوة .

أما إذا كانت الصدفة أصغر مما يلزم فالأمر أسوأ ، حيث تغري سهولةُ التركيب الصانعَ على تثبيتها بالغراء، لكن عمر الغراء قصير وإن طال، ونهاية الصدفة المثبتة به أن تتقشر وتسقط فتشوه العمل كله وتضيع، وفي مثل هذا المعنى تقول العامية " الزايد أخو الناقص"‏.

والعلاقة بين الخشب والصدف جديرة بالتأمل فمن الناس من يرى أن الصدف المتلألىء هو الذي يجذب الأنظار إلى الخشب العاطل عن الزينة، في حين يقول آخرون أن قيمة القطعة تعود إلى الخشب الذي منح الصدف فرصته للظهور بعد أن كان مغموراً في باطن الأرض أو أعماق المياه .



والاقتصاد في استخدام المادة الثمينة مطلوب ، ليس فقط بدافع التوفير ، بل لأن الإسراف فيه ابتذال لها وحط من قيمتها ، والزينة غالبا ما تضاف إلى عنصر مفيد قد يكون كرسياً أو طاولة أو منبراً أو مقلمة، بحيث يسمو كل من العنصرين بالآخر و تعلو قيمتهما بقدر ما يتكاملان ويتوافقان .‏


يستخدم العوام هذا التعبير في كل مجال عندما يريدون التعبير عن إعجابهم بتصرف أو قرار أو مقولة جاءت في مكانها ،فكأنما يشيرون باستخدامهم هذا إلى العناصر اللازمة لاكتمال الأمر وخلوه من أي شائبة.‏

تدريبٌ وتدرجٌ وعنايةٌ وتأنٍ ومهارةٌ وحسنُ اختيار واقتصادٌ وذوقٌ.هذا بعض ما يتطلبه العوام في أمرٍ حتى يأتي في مكانه حفراً وتنزيلاً.



إنه دفتر الشروط والمواصفات الشعبي لكل عمل جيد، إنه الإيزو الحلبي الذي لو كنا قد حافظنا عليه لما احتجنا إلى شهادات جودة من الآخرين، بل لاحتاجوا هم إلى شهاداتنا. ‏


التعديل الأخير تم بواسطة : حلب الشهباء بتاريخ 05-12-2016 الساعة 01:46