عرض مشاركة واحدة

نادي الإتحاد الحلبي السوري

كُتب : [ 02-11-2010 - 01:29 ]
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية حلب الشهباء
 
حلب الشهباء
إدارة المنتدى

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

       
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,569
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم
مغارة الأربعين .. قرقلر ... في حلب .. بقلم المحامي علاء السيد

عندما وردت لموقع عكس السير وثائق تشير إلى تجاوزات وقعت على مبنى تاريخي عائد لمديرية الأوقاف يقع بالقرب من محيط قلعة حلب كان يحمل اسم مسجد " قرقلر " و هو مبنى مهجور منذ فترة طويلة و لا تقام فيه أية شعائر دينية .
قرر رئيس التحرير أن يقوم الصحافي رأفت الرفاعي بإجراء تحقيق صحفي عن وقائع الموضوع و أن أقوم بإعداد دراسة تاريخية عن هذا المبنى لنتبين أهميته .
عندما زرنا مدير الأوقاف بحلب وجدنا دراسة تاريخية مبدئية حول تاريخ هذا المبنى ، كانت المديرية قد سارعت إلى إعدادها بعدما أثير موضوع التجاوزات التي حدثت للمبنى ، و كان التركيز فيها على المبنى الحجري دون التدقيق فيما وراءه .
مغارة الأربعين .. قرقلر ... في حلب .. بقلم المحامي علاء السيد 405500702.jpg
مغارة الأربعين التاريخية
توسعنا في البحث التاريخي عن المبنى ليتبين لنا انه في منطقة الفرافرة قرب القلعة و أمام مبنى دار بلدية حلب التاريخي ( مبنى مديرية الهجرة و الجوازات السابق ) كانت هناك مغارة تاريخية أثرية ذات مدلول ديني سميت بمغارة الأربعين , ذكرها مؤرخ حلب الشيخ كامل الغزي في كتابه " نهر الذهب في تاريخ حلب " عندما عدد آثار محلة الفرافرة .
أعتقد انه لأهمية هذه المغارة سمي أحد أبواب سور حلب بباب الأربعين ( و هو باب مندثر ذكره الغزي نقلا عن تاريخ ابن الملا و ذكره الطباخ نقلا عن تاريخ المرادي ) و قد سمي الباب بباب الأربعين تيمناً بهذه المغارة .
والمقصود هنا هو سور حلب القديم الذي كان في الفترة البيزنطية السابقة للفترة الإسلامية يتقاطع مع القلعة، عندما كانت القلعة تشكل أقصى الطرف الشرقي للمدينة قبل توسع المدينة شرقا و زوال هذا السور و بناء الملك الظاهر غازي ابن صلاح الدين سوراً جديداً شرقي المدينة يربط ما بين عدة أبواب جديدة بناها هي باب الحديد و باب الأحمر و باب النيرب وصولاً إلى باب المقام .
مغارة الأربعين .. قرقلر ... في حلب .. بقلم المحامي علاء السيد 102155930.jpg

مخطط افتراضي لحلب القديمة في العهد البيزنطي يتوضح عليه السور القديم و السور الجديد للمدينة
( من كتاب تاريخ حلب المصور )
تاريخ بناء التكية
بالعودة إلى مبنى تكية و مسجد قرقلر وجدت أن حجارة المبنى بحجمها وطريقة بنائها حديثة نسبياً، وربما تعود إلى العهد العثماني الأخير .
ووجدت عدة نقوش حجرية أقدمها مؤرخ عام 1007 هجري و يعادل 1598 ميلادي و هو مكتوب باللغة التركية العثمانية القديمة بالأحرف العربية ، و استطعت أن أفهم منها بصعوبة و بشكل غير حرفي وجود مزار لقبر دفين ذو شأن في هذا المبنى، يعظم هذا النقش الحجري ذكراه، و يؤكد وجوب السعي لزيارة مزاره دون ذكر اسم هذا الدفين .
مغارة الأربعين .. قرقلر ... في حلب .. بقلم المحامي علاء السيد 513134283.jpg

مغارة الأربعين .. قرقلر ... في حلب .. بقلم المحامي علاء السيد 456520325.jpg
النص المنقوش على اللوحة الحجرية باللغة التركية العثمانية القديمة
ووجدت نقشاً آخر بالعربية مؤرخ بتاريخ لاحق للنقش الأول في عام 1164 هجري و يعادل 1750 ميلادي فيه دعاء لله سبحانه و تعالى .
و أخيرا وجدت نقشاً هو الأحدث مؤرخ في عام 1316 هجري و يعادل 1898 ميلادي فيه أبيات شعرية تذكر مقاما للأربعين مجربٌ الدعاء فيه لنيل الآمال .
يبدو أن هذا المبنى تعرض للهدم عدة مرات منذ بنائه بسبب الزلازل و غيرها، و كان من يبنيه يحرص على إعادة وضع الأحجار القديمة المنقوشة بالكلمات في الجدران المبنية حديثاً و كان آخر بناء له في عام 1898 منذ مائة و اثنا عشر عاماً .
تكية قرقلر في كتب الباحثين الحديثة
عدت إلى كتاب " الآثار الإسلامية و التاريخية بحلب" للدكتور أسعد طلس الصادر عام 1956 فوجدته يذكر تكية "قرقلر" و يصفها بمقر منحوت في الصخر ينزل إليه بدرج .
أعتقد ان " طلس " يشير إلى المغارة أسفل المبنى لأن المبنى الحالي مبني بالأحجار على وجه الأرض و ليس منحوتاً بالصخر.
يذكر د .طلس أن التكية مكونة من قسمين قبو سفلي، فوقه قسم ثان متصل به ( دون أن يذكر وجود درج ) و القسم العلوي مسقوف بقبة عالية .
مغارة الأربعين .. قرقلر ... في حلب .. بقلم المحامي علاء السيد 62782079.jpg

السقف الحجري ( الغمس ) لغرفة سكن التكية
و يذكر أيضا انه يوجد في صدر التكية ( محراب من الحجر ) والى جانب الغرفة المسقوفة بقبة هناك غرفة لسكن شيخ التكية .
أي أن التكية مؤلفة فقط من قبو أعلاه غرفة واحدة مسقوفة بقبة و فيها محراب، أما الغرف المجاورة لهذا القسم فهي للسكن .
التكية متصلة بقناة حلب التي توصل للقلعة
كما يذكر طلس عبارة يجدر الإشارة إليها أن ( مقر التكية موصول بقناة حلب ) .
و قناة حلب التي ذكرها د . طلس هي قناة حيلان التي تتفرع أسفل أحياء حلب القديمة لتؤمن المياه للقلعة و للبيوت وبقية المرافق مشكلة سراديب متشعبة يعتقد الحلبيون إنها أنفاق سرية توصل للقلعة.
بحثاً عن المغارة التاريخية
دخلت المبنى باحثاً عن المغارة التي كتب المؤرخون و الباحثون أن التكية و المسجد بني فوقها فلم أجد لها آثاراً واضحة ، تحت المبنى هناك قبو مرصوفة جدرانه بالحجارة القديمة.
مغارة الأربعين .. قرقلر ... في حلب .. بقلم المحامي علاء السيد 792123744.jpg

طابق القبو ( المفترض أنه مغارة ) و قد رصفت جدرانه بالحجارة القديمة
أعتقد أنه وبسبب طبيعة الأرض الكلسية الحوارية الهشة في محيط القلعة أن المغارة قد تم تدعيم جدرانها بالحجارة منذ زمن طويل و زالت معالمها و بقي جدار واحد فقط من جدران المغارة غير مرصوف بالحجارة و لكن تم ترميمه بمواد بناء حديثة .
بحثاً عن المحراب
صعدت للطابق أعلى القبو إلى الغرفة المسقوفة بقبة، و بحثت في الجدار الواقع في الجهة الجنوبية القبلية منها و التي يفترض أن يوجد فيه المحراب متوجهاً نحو القبلة ، فلم أجد إلا جداراً فيه نافذتان كبيرتان بقيت على أطرافها الحجرية أماكن توضع مفصلات درفتي النافذة .
مغارة الأربعين .. قرقلر ... في حلب .. بقلم المحامي علاء السيد 98771055.jpg
الفتحات الحجرية أعلى النوافذ و هي معدة لاحتضان مفصلات درفتي النافذة
استبعدت لهذا السبب أن تكون محراباً، و لكن لفت نظري وجود فتحة في الجدار مختلفة عن شكل النوافذ تشكل حجرة صغيرة لا منفذ لها و متجهة باتجاه الجنوب يبرز بسببها الجدار الخارجي للبناء كما هي عادة المحراب عندما يبرز بسببه الجدار الخارجي للبناء.
مغارة الأربعين .. قرقلر ... في حلب .. بقلم المحامي علاء السيد 43243016.jpg
الغرفة الحجرية الصغيرة التي ربما تكون المحراب المفقود
مغارة الأربعين .. قرقلر ... في حلب .. بقلم المحامي علاء السيد 112931233.jpg

البروز في الجدار الحجري خلف الغرفة الحجرية الصغيرة التي قد تكون المحراب
أعتقد تبعاً لما ذكرت أن هذه الفتحة هي المحراب المذكور .
تاريخ بناء تكية "قرقلر "
بعد الفتح الاسلامي لحلب ( في تاريخ لم استطع تحديده بدقة لعدم توفر مراجع توثق اول عملية بناء ) بُني مكان للعبادة على مغارة الأربعين، وعندما بدأ عهد الحكم العثماني في المنطقة سمي المكان باللغة العثمانية التركية القديمة " تكية قرقلر ".
و جاء في شرح كلمة" قرقلر" في موسوعة حلب المقارنة للاسدي أنها تأتي بمعنى "الأربعينات " أي جمع أربعين ، فالأربعين بالتركية " قرق " و اللازمة " لار " تأتي للجمع.
و نوه الاسدي أن اللغة التركية لا تجمع إلا" قرقلر" هذه ، و رأى أنها تشير إلى أوتاد الأرض الأولياء الأربعين.
الأمر الثابت و الواضح كما ذكر الغزي صراحة أن تكية تقام فيها الشعائر الدينية بنيت فوق المغارة ، و يبدو أنها بنيت هناك للصفة الدينية للمغارة .
أما مؤرخ حلب الشيخ راغب الطباخ في كتابه " إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء " فقد أورد ذكر المبنى في سياق ترجمة الشيخ " محمد النوري البغدادي " ذاكراً انه في القرن الحادي عشر الهجري ( يعادل القرن السادس عشر الميلادي ) نزل هذا الشيخ بمسجد الأربعين و تصدر لتسليك إحدى الطرق الصوفية .
و عاد الطباخ ليذكر في أحداث عام 1150 هجري/ 1737 ميلادي ليذكر مسجد الاربعين و يقول الطباخ الذي كتب كتابه عام 1923 ان في زمن كتابة الكتاب عرف المكان بزاوية " القرقلر " يسكنها مشايخ الطريقة "النوربخشية" و هي طريقة وصفها الطباخ بطريقة " علية نورية " و هي إحدى شعب الطريقة النقشبندية .
هل المبنى مسجد أم تكية أم زاوية أم جامع
يشار إلى أن الخلاف بين ذكر الغزي للمبنى كتكية و ذكر الطباخ للمبنى كمسجد ثم كزاوية يمكن فهمه على أساس أن التكايا كانت تعتبر مساجد تجري فيها الصلوات الخمسة و فيها قسم يسمى" التكية" لإقامة المتعبدين و إطعامهم من الصدقات ، أما" الزاوية " فهي قسم من أقسام المسجد تقام فيه الأذكار الصوفية و يعتزل فيه المتصوفة فترة أربعين يوما عن شهوات الحياة الدنيا.
بالتالي يمكن اعتبار المبنى تكية و مسجداً و زاوية في آن معا ، و لا أعتقد أنه يمكن اعتباره جامعاً لان للجامع عادة مئذنة لا توجد في هذا المبنى .
أصل تسمية الأربعين
أورد الطباخ أن المسجد سمي بمسجد الأربعين لأنه كان فيه أربعون عابداً لله و ذكر أنهم كانوا من المحدثين الباحثين عن الأسانيد.
أما ابن شداد الذي فسر في كتابه " الأعلاق الخطيرة " سبب تسمية باب الأربعين بأنه خرج منه أربعون ألف مجاهد ولم يعد منهم أحد، فأعتقد أن هذا تفسير مستبعد لأنه كما هو واضح تاريخياً، و كما ذكر الغزي أن الباب سمي على اسم المغارة التي كانت قريبة منه ، و لم تسمى التكية و مغارتها على اسم الباب .
الجدير بالذكر أن هناك عدة مغارات في بلاد الشام تسمى مغارة الأربعين ، منها مغارة الأربعين في مدينة أريحا بفلسطين ، ومغارة الأربعين في جبل الأربعين أحد جبال قاسيون في دمشق ، و مغارة الأربعين في جبل الأربعين الذي تقوم عليه مدينة أريحا التابعة لمحافظة إدلب، و مغارة جبل الأربعين في اللاذقية .
بالبحث عن سبب تكرر ذكر تسمية " الأربعين " مع التأكيد أننا لسنا هنا في معرض البحث الديني الفقهي، و إنما في معرض البحث عن تفسير لوجود هذه التسمية " الأربعين " لعدة مغارات واقعة في بلاد الشام، وجدت عدة أحاديث منسوبة ( مع اختلاف في درجات إسنادها ) للرسول الكريم صلى الله عليه و سلم ذكرها ابن عساكر و الطبراني و السيوطي وغيرهم ، و قد روت بروايات مختلفة عن أربعين رجلاً من أولياء الله الصالحين يكونون ببلاد الشام يسمون بـ "الأبدال ".
ربما تكون هذه المغارات منسوبة إلى اعتقاد بوجود هؤلاء الأولياء الأربعين .
خاصة أن الأسدي أورد كما جاء أعلاه في تفسير كلمة قرقلر ( أنها تشير إلى أوتاد الأرض الأولياء الأربعين ) و ذكر ذلك أيضا د .أسعد طلس في كتابه الآثار الإسلامية و التاريخية بحلب عندما أورد تكية قرقلر ( سميت بذلك لأنها مقر الأربعين وليا ) .
واقع المبنى الحالي
لاحظت أن المبنى لم يرمم بطريقة أثرية احترافية أكاديمية بل تمت إضافة بعض الأحجار و الأعمدة الحديثة لتزيين جدرانه و تم تلبيس القبة من الداخل بقرميد أحمر تزييني و يبدو إن أرضيته الخشبية قد انهارت و تم استبدالها بأرضية حديثة .
اعتقد أن المبنى بحاجة ماسة لنزع ما أضيف له من مواد بناء حديثة و إعادة ترميمه بطريقة أكاديمية تعيده إلى وضعه التاريخي المهم .
و أعتقد أن الحائز الحالي للمبنى و بنية حسنة اعتقد انه يحسن صنعاً بترميمه وفق خبرات عامة، لا علاقة لها بأصول الترميم الأثري ، الذي يحرص فيه المرمم المحترف على إعادة الحال إلى وضعه الأصلي بدقة تامة، و يحرص على عدم إدخال عناصر بناء جديدة أو حديثة .
الحائز الحالي لمبنى تكية و مسجد و زاوية "قرقلر" أنفق أموالاً طائلة لترميم المبنى بطريقة لم يدرك أنها خاطئة ، معتقداً أنه بذلك يحسن من وضع هذا الأثر التاريخي .
و هي مناسبة مهمة لدعوة حائزي المباني الأثرية إلى عدم ترميم مبانيهم باستعمال مواد حديثة من رخام و مواد ديكور و غيرها ،لا يدركون أنها تسيء بشكل بالغ للمباني الأثرية التي اعتقد يقيناً أنهم مثلنا حريصون على سلامتها .
المراجع :
-تاريخ حلب المصور ، المحامي علاء السيد، قيد الطبع .
-نهر الذهب في تاريخ حلب ، الغزي .
-إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء ، الطباخ .
-الآثار الإسلامية و التاريخية بحلب ، د. طلس .
-موسوعة حلب المقارنة ، الاسدي .

رد مع اقتباس