عرض مشاركة واحدة

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 29-11-2010 - 02:55 ]
 رقم المشاركة : ( 123 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,754
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

ساطع الحصري ...عالم يبيع كتبه ليعيش !



من هو هذا العالم ؟
هو من أفذاذ مفكري العرب – ممن قضوا شطراً كبيراً من حياتهم في خدمة العلم والفكر وإشاعة الثقافة في الأقطار العربية .
فبعد جهاد نصف قرن كامل في خدمة الفكر العربي , وفي تنشئة جيل قوي من شباب العرب لبعث مجد العرب .

بعد هذه الخدمات الفذة يضطر العلامة ساطع الحصري صاحب التآليف القيمة والنظرات الجريئة في علم التربية ومناهج التعليم ، يضطر أن يبيع مكتبته , وهي أثمن ما اقتناه في حياته , ليعيش هو وعائلته وليفي بعض ديونه !
إنها لقصة محزنة , قصة العلم والأدب في الشرق .

فلا يزال أدباؤنا وعلماؤنا يقاسون آلاماً مريرة من شظف العيش , يكدّون في سبيل العلم ويكدّون في سبيل الحياة ..
وهم بين عاملين يتجاذبانهم مداً وجزراً : بين الوفاء لسجيتهم العلمية في الإنتاج والتآليف وبين الكدّ في سبيل العيش ورفاه الحياة .

إنهم يعملون في هذا الجو القلق المضطرب , ويعملون بصبر وصمت وبإباء وشمم ,وما يزالون يعيشون عيشة الكفاف حتى ينضب معين موردهم فيبدأون ببيع أثاث بيوتهم وحلي زوجاتهم ثم يعمدون إلى ذخائرهم وكنوزهم – أي إلى كتبهم – وهي عند العالم أثمن من اللآليء والجواهر , ليعيشون !
لقد باع ساطع الحصري بيته في بغداد , وباع أثاث منزله .. وها هو يبيع مكتبته ..
إن مكتبة العالم هي كيانه المستقل وهي جزء من حياته , وتخليه عنها كتخلي القائد عن جيشه في ساحة الحرب , أو كمن يفرض عليه أن يتخلى عن أثمن كنوزه .

أو كالبخيل الذي يقسر على أن يتخلى عن مال وفير جمعه في عشرات السنين ّ .
ولكن هي الضرورة القاسرة - ضرورة الحياة – وهذه هي حياة الأديب في الشرق !.
إننا نتحدث كثيراً عن هذا العالم الألماني الذي أنتج كتاباً فذاً في الأدب العرب .
وذاك الأديب الإفرنسي الذي كتب في التصوف .
وذلك الباحث النمساوي الذي كتب في الشريعة الإسلامية وغيرهم و غيرهم ممن كتبوا في شتى العلوم والآداب فأبدعوا وخلدت كتبهم وخلدوا معها .

وقد لا نبحث عن العوامل التي أدت إلى هذا التفوق والإبداع ، والأمر في نظري سهل بسيط ، فالعلماء في الغرب – وأريد جميع المشتغلين بشؤون الفكر – قد كفلت الدولة لهم كل وسائل الحياة وقالت لهم انتجوا .
وقد أخذ كل واحد منهم يتوفر على مادة من واد العلم يدرسها طوال حياته , وبديهي – بعد أن كفلت الدولة له ولعائلته كل وسائل الحياة والترفيه – بديهي أن ينتج باستمرار وأن يقدم لعالم الفكر أجمل المؤلفات وأخلد الآثار .
أما هنا , في الشرق, فالمفكر مضطر أن يعمل لرفاه عيشه في شتى الأمور :

أن يكون مدرساً وأديباً وحاسباً ومزارعاً وتاجراً , إن استطاع ذلك , ليدفع عن عائلته ألم الجوع , ليعيش عيشة دون الوسط !

وقد ترهقه الديون , وقد تثور عليه الأنانيات , وقد تضيق به سبل العيش , ومع ذلك فيظل وفاؤه لسجيته العلمية ولإنتاجه الفكري فوق جميع هذه الاعتبارات !

لا أريد أن أكتب في هذه الكلمة شيئاً عن ساطع الحصري : عن نشأته , عن جهوده في ميادين التعليم , عن إيمانه بمثاليات العروبة , عن كتبه ودراساته , عن البرامج التي وضعها لقلب سياسة التعليم وتوجيهها هذا التوجه الصحيح الذي يجمع بين قداسة العلم وموحيات القومية , فلهذا وقته ..

ولكن أردت بكلمتي هذه أن أصرخ في ضمير الحكومات العربية , أن تلتفت قليلاً إلى طبقة المفكرين – فهم الذين أحدثوا هذا الانقلاب الذي تقطف ثمراته البلاد العربية .

نعم , الكتاب والشعراء ورجال الصحافة والعلماء وأساتذة التعليم أي إن جميع طبقة المفكرين هم الذين وضعوا البذور الأولى لهذه الثورة الفكرية ولهذا الانقلاب الذي يرمي إلى خلق إمبراطورية عربية كبرى ..
فليس من الوفاء أن ينكر للمفكرين فضلهم , وليس من اللياقة أن يعيش المفكرون في شظف العيش , وأن يضطر أحدد أفذاذهم , وهو في شيخوخته اليقظة , أن بيع بيته ثم يبيع مكتبته ليعيش ويتغلب على تكاليف الحياة بينا تنفق آلاف الليرات ومئات آلاف على أمور طارئة وعلى أشخاص لو حاسبهم التاريخ على آثامهم لكان مصيرهم الموت !

أيها القابضون على زمام الأمور !
صونوا كرامة العلماء وارفعوا من قدر الأدباء في فجر هذا الانبعاث العربي , فهم عماد هذه الإمبراطورية العربية التي تعملون على انبعاثها – هم رمزها في الماضي و في الحاضر والمستقبل ..
فما توطدت أركان دولة عبثت بكرامة العلماء وهدرت حقوق الأدباء .



ساطع الحصري في سطور :
من مواليد عام 1879م، من أسرة حلبية يعتبر رائداً من رواد القومية العربية .
دعته الحكومة العربية التي تشكلت في سورية بعد الانفصال عن الدولة العثمانية، وكلفته بوظيفة مفتشاً عاماً للمعارف ثم مديراً عاماً للمعارف في سورية.
ويوم أعلن المؤتمر السوري استقلال سورية وتُوج فيصل بن الحسين ملكاً على سورية بتاريخ 8 آذار1920، وقامت أول حكومة عربية دستورية، أُختير الحصري وزيراً للمعارف فيها، كما أصدر مجلة باسم (التربية والتعليم) نشر فيها عدة مقالات تربوية ووطنية.
عمل على وضع مناهج التعليم العربية وكانت له علاقات مع كبار المفكرين والعلماء في سوريا إلى أن خُلع الملك فيصل الأول عام 1920.
عندما ولي الملك فيصل الأول على عرش العراق عينه معاوناً لوزير المعارف ثم مديراً للآثار.
كان الحصري مسؤولاً عن التعليم في العراق وعلى تطوير مناهج التعليم فيها، وظل يدعو إلى فكرة القومية العربية إلى أن قامت ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941م.
وإثر قيام ثورة رشيد عالي الكيلاني قام الإنكليز بنفي ساطع الحصري إلى حلب، فتسلل منها إلى بيروت .
حتى عاد مرة أخرى إلى دمشق عام 1944 وفي أعقاب جلاء الجيش الفرنسي عن سوريا، قامت الحكومة السورية المستقلة بتكليفه للعمل كمستشار لصياغة النظام التربوي والتعليمي في البلاد واهتم بالفكر القومي وبتطوير مناهج التعليم.
في سنة 1947، دعته وزارة المعارف المصرية ليعمل أستاذاً في معهد التعليم العالي في القاهرة، وكلفته بمنصب المستشار الفني للإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية.
عام 1953 استلم إدارة معهد الدراسات العربية العالية الذي قررت جامعة الدول العربية بمساعيه افتتاحه في القاهرة، كما عُين فيه أستاذاً للقومية العربية، إلا أنه لم يستطع تطبيق جميع ما يدين به من آراء، فاستقال وتفرغ للبحث والتأليف.
عاد الحصري إلى العراق عام 1965، وظل فيه حتى وفاته عام 1968 م .


التعديل الأخير تم بواسطة : حلب الشهباء بتاريخ 05-12-2016 الساعة 01:14