عرض مشاركة واحدة

نادي الإتحاد الحلبي السوري

كُتب : [ 15-12-2010 - 08:27 ]
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية حلب الشهباء
 
حلب الشهباء
إدارة المنتدى

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

       
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,844
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم
الموشحات الحلبية

حلب الشهباء

الموشحات الحلبية

يشكل الغناء والموسيقى جزءا مهما من الوعي الحضاري لتاريخ الأمة، يعزز صلة المعاصرة بالأصالة، بما يحمله من خلفية ثقافية وذوق فني متوارث. والعناية بالتأصيل والتطوير لهذه الخلفية الثقافية والذوق الفني بما يتناسب وخصوصيات ثروة الماضي وتطلعات المستقبل، وبما يتلاءم وثوابت الأمة عقيدة وسلوكا، كل ذلك يسهم في التوظيف الصحيح للتراث ضمن إطار مواجهة زحف العولمة على هويات الشعوب.

على الرغم من عدم شيوع التدوين عند القدماء من موسيقيينا كانت الموشحات تنتقل من جيل إلى جيل مع المحافظة على أصالتها من الناحيتين اللحنية والأسلوبية، وكأن حرمة عظيمة قرّت في قلوب متلقيها لتحول دون أن يطالها تشويه أو تحريف. اللهم إلا زخارف لحنية ثانوية وتصرفات محدودة كانت تخضع للذوق الخاص لمن يؤديها في بعض الأحيان.

ولعل في ارتباط الموشحات بالغناء ما يكشف لنا –إلى حد بعيد- عن سر قوة الموشحات ومزاحمتها للشعر التقليدي، على الرغم من نزول مرتبتها عن الشعر من الناحيتين اللغوية والأدبية.

ما هو الموشح وكيف نشأ؟

الموشح أو التوشيح نمط من النظم، يتألف من عدة مقاطع، على وزن مخصوص، ربما يتنوع في الموشح الواحد، يخالف أوزان الشعر المعروفة تارة، وهو المستحسن، ويوافقها تارة أخرى، ولا يلتزم قافية واحدة في مقاطعه. ويكوِّن الموشح بمجموع أجزائه المتوازنة المتكررة المتناظرة نمطاً مخصوصاً من النظم يوحي لك بأنه مصنوع من أجل الغناء.

ومن الناحية الموسيقية فالموشح نوع من التأليف الغنائي للمجموعة، يقوم تلحينه على مقاييس (أضرب) متعددة خاصة.

لن نتحدث في هذه العجالة عن نظريات نشأة الموشحات، وأعلامها الأوائل، ما نود قوله هنا أن الأندلسيين كانوا يتلقون كلّ ما يرد من المشرق بالقبول، ومن ذلك موسيقى الشرق التي حملها لهم زرياب أبو الحسن علي بن نافع (ت238هـ) وبعض من سبقه من المغنين القادمين من دمشق وبغداد والحجاز، فانتشر الغناء العربي في كل بقعة من الأندلس، وشاع عند الخاصة والعامة جميعا.

وقد واكب مدرسةَ زرياب تطورٌ وتجديدٌ في موسيقى الأندلس وآلاتها، مما أثار مواهب الشعراء ليجاروا الإبداع الموسيقي فتحرروا من البحور الشعرية المحدودة والقوافي التي تأسر الشاعر، فصارت أوزان الموشحات لا تنقاد إلا لمتطلبات اللحن، والقوافي لا تستجيب إلا لجمال الموسيقى. وأرى أن هذا هو العامل الأهم الذي أثر في ظهور الموشحات، ويأتي في الدرجة الثانية ما ذكره بعض المؤرخين من أن الانفتاح على الأغاني الشعبية العامية والأعجمية من العوامل التي ساعدت على ظهور الموشح، فأصل بنائه قام على مركز هو جزء من أغنية شعبية بألفاظ عامية أو أعجمية، أو جزء من شعر قديم أو حكمة، ويستدل على ذلك بوجود الخرجة التي هي آخر أقفال الموشح، وتحتوي على ألفاظ عاميّة في كثير من الأحيان، وكذلك فإن النظم على الأعاريض المهملة أظهر الحاجة إلى الغناء الذي يملأ الفجوات بالمد والقصر والزيادة والخطف، يضاف إلى ذلك كله تأثر الشعراء بطبيعة البلاد الخلابة الذي أدى إلى ظهور طرق تعبيرية مستحدثة في الأسلوب والألفاظ والصور لتعبّر عن حياة المدنية والدعة والترف التي طغت على أهل البلاد.

ولا أدل على تميّز الموشحات بخدمة الموسيقى من قول ابن سناء الملك: "ليس للموشحات عروض إلا التلحين، ولا ضرب إلا الضرب، ولا أوتاد إلا الملاوي، وأكثرها مبنيّ على الأرغن". ولذلك نرى أن المغني يزيد عليها بعض الكلمات كقوله: "يا للي" و"أمان" ليعوض نقص الوزن، فيكون سماع الموشح أجمل من قراءته. قال ابن سناء الملك: "إن التلحين يجبر كسر الموشح، ويشفي سقمه، ويرده صحيحاً ما به قلبة".

إن تحرير الموشح من الأوزان الشعرية التقليدية والقوافي النمطية حقق عددا من الأغراض:
إخضاع الشعر للنغم بدلا من إخضاع النغم للشعر.
اتساع إمكانية التعبير عن العاطفة.
غناء الصور الفنية الشعرية.
التوسع في استعمال الألفاظ السهلة العذبة المزينة القريبة من النفوس والمحببة إليها، وبما يتناسب والغرض الموسيقي.


فن الموشحات في حلب:

تفيد الأخبار المتناقلة بأن الموشحات الأندلسية انتقلت إلى المغرب العربي ومنه إلى المشرق، فقد هاجر نصف مليون مسلم في منتصف القرن الثالث عشر إلى شمال إفريقية حاملين معهم فيما حملوا مؤلفات مومسيقية وآلات وألحان. وإن الحديث عن النشأة المشرقية للموشح، والاستشهاد بما كتبه الشيخ عقيل المنبجي (ت505هـ) ليس عليه دليل. وإذا كان قد توهم بعضهم أن ارتباط الموشح برقص السماح هو الدليل، فإنه لا دليل أصلا على نسبة السماح إلى الشيخ عقيل المنبجي. وكان أول وشاح مشرقي هو ابن سناء الملك (ت608هـ) كما تذكر المصادر القديمة. وهو الذي يؤكد النشأة المغربية للموشح قائلا: "وبعد، فإن الموشحات مما ترك الأول للآخر، وسبق المتأخرُ المتقدم، وأجلب بها أهل المغرب على أهل المشرق، ملحة الدهر، وبابل السحر، هزل كله جد، وجد كله هزل، ونظم تشهد العين أنه نثر، ونثر يشهد الذوق أنه نظم، صار المغرب بها مَشرقا، لشروقها في أفقه، وإشراقها في جوه، وصار أهله بها أغنى الناس.

يقول الشيخ الغزي: "إن حلب لا تخلو في أكثر أوقاتها من المغنين والمترنمين الذين يعدون بالمئات"، لكن بكل أسف لا توجد معلومات موثقة يمكن الاعتماد عليها في رسم صورة جلية لتاريخ الموشحات في حلب.

ولعل من أقدم الموشحات المعروفة الملحِّن التي لا زالت متداولة إلى الآن في حلب موشح كلما رمت ارتشافا، وموشح أحن شوقا، كلاهما لعبد القادر المَراغي الذي يرجع زمنه إلى خمسة قرون مضت، وأغلب الموشحات الحلبية التي لا زالت متداولة اليوم مجهولة الملحن والمؤلف، مثل: حير الأفكار بدري، وياترى بعد البعاد، وياعذيب المرشف، وغيرها من مئات التواشيح. نذكر طائفة من أشهرها:




عيد الأكبر يوم تزرني





أهوى قمراً





ما احتيالي





يانسيمات الصبا





بالذي أسكر





يامن لعبت به الشمول





آه ما أحلا المدامه





هل على الأستار





سل فينا اللحظ هنديا





بأبي باهي الجمال





هيا وا نديم





ذات الوشاح





ياسميري ضاع صبري





حير الأفكار بدري





ياترى بعد البعاد





ياعذيب المرشف





فيك كلما أرى حسن





املالي الأقداح صرفاً





يابهجة الروح





بدت من الخدر





اجمعوا بالقرب شملي





والذي ولاك قلبي





مر التجني





أيامرادي





أفديه ظبياً ابتسم





قد حركت أيدي النسيم





ياهلالاً غاب عني





خلا العذار





أي بارق العلم





نبه الندمان





املالي يادري





ما لعيني أبصرت






إن بعض المعلومات الموثقة عن تاريخ الموشحات في حلب كانت مع بداية القرن التاسع عشر حيث تطالعنا أسماء لا يزال منشدو حلب يرددونها بكل فخر واعتزاز. من هذه الأسماء محمد بن كوجك علي (ت1773م)، ومنهم مصطفى الحريري الشهير بالبَشَنْك (ولد1765م) الذي يعدّ سيد أهل عصره في الموشحات، وقد أضاف إلى الإيقاعات أحد عشر إيقاعا جديدا، ولحّن أكثر من مئتي موشح، غير أنه، وبكل أسف، لا يوجد توثيق لنسبة موشحاته إليه، على الرغم من أن كثيرا من الموشحات المتداولة اليوم هي من ألحانه. ويعدّ البشنك أول من عرف في تاريخ حلب بافتتاح مدرسة لتعليم الموسيقى والغناء وذلك في قاعة مخصصة من منزله، وكانت تلك القاعة منتدى لشيوخ الفن في حلب يتذاكرون فيها ما يبدعونه من ألحان. من ألحانه المعروفة لبعض الموشحات: يا مجيبا دعاء ذا النون، ويا هلالا قد سبى، وقال لي برموز من لواحظه.

ومنهم الشيخ محمد أبو الوفا الرفاعي (ت 1845م) صاحب الموشح المشهور الذي لا يزال يتردد في حلقات الذكر: يا مجيباً دعاء ذا النون في قرار البحار، وموشح يا ربنا غيثا مغيثا إسقنا، وقد كان عالما وشاعرا ومنشدا، ينظم الموشحات ويلحنها أحيانا، وكان يخطب الجمعة في الجامع الكبير بحلب. وقد نظم عددا من الموشحات، ولحن بعضها، وأخذ هذا الفن عن البشنك.
ومنهم محمد رحمون الألوسي (ت1865)، وله من نغمة الحجاز وحدها اثنان وتسعون موشحا، كما ذكر الشيخ صالح الجذبة في ترجمته، كل توشيح مربوط بأصول على حدة. ومن تلاميذ البشنك أيضا الشيخ محمد الوراق (ت1910م) منشد التكية الهلالية المشهور، وكان ممن ينظم الموشحات ويلحنها، ومن موشحاته: أيها الظبي النفور، ويا ربة المحاسن. وقد أخذ عنه أحمد عقيل (ت 1899م)، وهو أديب موسيقي ، وإليه ينسب رقص السماح، لحن الموشحات البديعة، ومنها يا سيد الكونين، وقد أخذ عنه أبو خليل القباني ومحمد سلمو بن عبد الجليل الذي تتلمذ عليه صبحي الحريري، وعبد اللطيف تفنكجي الشهير بالقضيماتي وعمر البطش ومحمد راجح رديف ومحمد المعضّم أستاذ البطش، وربما كان أحمد جنيد أستاذ بكري الكردي من تلامذة أحمد عقيل أيضا.

ومنهم أحمد الشعار (ت1935م) الذي أخذ عن أحمد عقيل، وأخذ عنه أحمد جنيد وعمر البطش وعلي الدرويش، وقد اشتهر بالإكثار من تلحين الموشحات.

ومنهم الشيخ صالح الجذبة (ت1922) وكان من أهل العلم والأدب، أخذ عن الوراق والألوسي، وعنه البطش والحريري وسيفي وكثيرون، اشتهر له موشح جرد العضب المرهف من نظمه وألحانه.

ومنهم عمر البطش (ت1950م) الذي سوف نتحدث عنه، ومنهم علي الدرويش (ت1952م) الذي دون ولده نديم كثيرا من موشحاته، غير أنه لم يكتب لها التداول بين منشدي حلب، ومنهم بكري الكردي (ت1979)، من موشحاته: أقبل الصبح، لو زارني الحبيب، ياحبيبي كيف أشقى وأضام، هذه طيبة تبدو، ونديم الدرويش صاحب موشح بدت لنا، ومجدي العقيلي، من موشحاته: أيا دارها بالحزن، أيها الساقي، جادك الغيث، لو كنت تدري ما الحب يفعل، ومنهم بهجت حسان (ت1995م)، من موشحاته: يا صبا الأسحار، فاتر الأجفان فاتن، روعتني ظبية، وعبد الرحمن مدلل تلميذ بكري الكردي، من موشحاته: طال ليل البعاد، باهي المحيا، حير الألباب، نورك يا ربيع، وعبد القادر حجار ()، من موشحاته: لم يكن هجري حبيبي، يا سيدي يا رسول الله خذ بيدي، قل للبخيلة بالسلام تورعا، وصبري مدلل (ت2006م)، من موشحاته: يا عاقدا للحاجبين، صلاة الله ذي الكرم، ميلاد أحمد سيد السادات، أشرقت أنوار نبينا، يا خير مولود بمكة قد أتى.

ويذكر كامل الخُلعي تلميذ أبي خليل القباني أن الذي نقل الفنون التي ورثتها حلب عن الدولة العربية وضنّت بها (أي الموشحات والقدود) إلى مصر، وعلّمها فناني مصر هو شاكر أفندي الحلبي في القرن الثامن عشر، كما أن سيد درويش مكث في زيارته الثانية إلى حلب مدة سنتين (1912-1914م) أخذ عن أساطينها أمثال صالح الجذبة وأحمد عقيل.

أما مؤلفو الموشحات الحلبية فمنهم السهروردي في القرن السادس الهجري، ومنهم القاسم الواسطي والشهاب العزازي (ت710هـ) في القرن السابع، وابن حميد الضرير في القرن الثامن، وعماد الدين النسيمي (ت820هـ) في التاسع، وابن الحنبلي (ت971هـ) في العاشر، والشهاب أحمد بن ملا (ت1003هـ) في الحادي عشر، وعلي بن مصطفى الدباغ الميقاتي (ت1174هـ) في الثاني عشر، وأبو بكر الهلالي (ت1183هـ)، صاحب البيتين الشهيرين:

أحبابي يا أحبابـي فلازموا في الباب
ولا تقولوا من لها فأنتم كفــؤ لهـا

وهذان البيتان ذيلهما الشيخ عبد الغني النابلسي على طريقة الموشح.

ويعدّ القرنان الثالث عشر والرابع عشر الهجريان العصر الذهبي للموشحات في حلب، فإضافة لمن تقدم ذكرهم من الملحنين، فقد ظهر صالح بن سلطان (ت1222هـ)، وعبد القادر الحسيني (ت1257هـ)، وابنه محمد بهاء (ت1290هـ)، والشيخ محمد الوراق (ت1317هـ) المتقدم الذكر، والذي ترك ديوانا حافلا، والشيخ محمد عبد الله الشهير بالنشار (ت1328هـ) رئيس الإنشاد في الزاوية الكيالية الكبرى، وعبد الله سلطان (ت1340هـ)، وصالح الجذبة(ت1922م)، وغيرهم ...

خصوصيات الموشح الحلبي:

استفادت مدرسة حلب من القالب الشعري للموشح الأندلسي، واهتم بعض الحلبيين بالموشح الأندلسي فكانوا يلحنونه إلى جانب الحلبي، كمجدي العقيلي الذي لحن وصلات كاملة منه. إلا أن معظم الموشحات الملحنة في حلب كانت حلبية النظم. وكانت سفن الألحان معينا يستقي منه موسيقيو حلب، حيث تحتوي على مئات الموشحات، ومن أشهرها سفينة الشهاب لمحمد شهاب الدين (ت 1857م)، ومختصر سفينة الحقيقة في علم السماح والموسيقى لصالح الجذبة، وسلافة الألحان لمحمد الوراق، والمختصرة نظم العقود لعبد الوهاب السيفي.

وعلى المستوى التلحيني فمما لا شك فيه أن الموشحات الحلبية المعروفة اليوم، والتي تسمى تجاوزا الموشحات الأندلسية لا تمت إلى الموشحات الأندلسية القديمة التي انتقلت من المغرب إلى حلب في القرن السادس الهجري لحنيا بأيّة صلة. وإن الصبغة المشرقية للموشح الحلبي المتوارث حتى اليوم تبدو واضحة أشد الوضوح، وليس فيه شيء من روح الموسيقى المغربية التي نسمعها في النوبات المغربية والمالوف التونسي والغرناطي الجزائري، وإن كنا نجهل صلة هذه بالموشحات الأندلسية القديمة التي لا نعرف شيئا عن مادتها الموسيقية اليوم، فالموشحات المغربية المعاصرة جاءت على نمط الموشحات الحلبية والمصرية المسماة بالأندلسية، فكانت تقليدا لأعمال سيد درويش وسلامة الحجازي وغيرهما.
أما الموشح الحلبي فقد تأثر بالموسيقا الشرقية التركية والفارسية والعراقية، وتوسع الحلبيون باستعمال المقامات الشرقية البحتة التي تحتوي على الربع نغمة وثلاثة أرباعها، حيث رافق انتشارَ الطرق الصوفية وانتقالها من تلك البلاد انتقالُ كثير من النغمات التي ظهرت في الموشحات الدينية.

ولعل هذا من حيث العموم، وعلى وجه الخصوص يمكننا أن نتكلم في ميزات أكثر تحديدًا للموشح الحلبي على المستوى النظمي واللحني والإيقاعي والاصطلاحي.

على مستوى النَّظم: كانت الموشحات تتألف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات، وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات، ويقال له الأقرع، ويختلف البيت عن القفل في القافية وربما الوزن. والخرجة تتضمن عادة لفظا عاميا أو أعجميا أو تضمين شعر فصيح. إلا أن الموشحات الحلبية لم تلتزم بهذا النظام تماما فجاء عدد المقاطع من أدوار وخانات أقل في أغلب الأحيان، فهي تتألف من دور أول ودور ثاني وخانة وغطاء في الغالب. وهذا النظام كان مميزا للموشح الحلبي، فإننا نجد كثيرا من الموشحات المصرية ليس لها خانات. فالبطش مثلا وضع خانات لكثير من موشحات سيد درويش.

وقد استعمل الحلبيون الأوزان الشعرية الجديدة غير المألوفة في الموشح الأندلسي، الأمر الذي انعكس على استعمال ما يناسبها من المقامات والنغمات.

على مستوى الاصطلاح: إن تطور المصطلحات الدالة على أجزاء الموشح كان على يد الموسيقيين والملحنين المشارقة، لا سيما أهل حلب. فبعد أن كان المقطع الأول يسمى القفل والثاني البيت والثالث الخرجة، أصبح ترتيب أجزاء الموشح الحلبي غالبا على الشكل الآتي:

أطلقوا على المقطع الأول (المطلع) المسمى بالقفل الدور أو البدنية أو المذهب. ويقاس المقطع الثاني عليه في التلحين. وأطلقوا على المقطع التالي، المسمى بالبيت الخانة، أو السلسلة. ويغلب تلحين الخانة من الدرجات الحادة للمقام الملحن منه الموشح (الجواب)، وعكس ذلك في السلسلة.

وأطلقوا على القفل الأخير المسمى بالخرجة اسم القفلة أو الغطاء.

وكان الشيخ صالح الجذبة الحلبي مثلا، وهو أستاذ عمر البطش وعلي الدرويش وعبد الوهاب سيفي يطلق على الموشح اسم توشيح في كتابه مختصر سفينة الحقيقة في علم السماح والموسيقى، ولا يستعمل مصطلح (مذهب) ولا (مطلع) اللذين يستعملان للدور، وإنما يستعمل للجزء الذي يلي المطلع ويكون بلحن المطلع ووزنه مصطلح الدور، ويستعمل مصطلح خانة للجزء الذي يلي الدور ويفارقه بالنغمة أوبالنغمة والوزن، ثم إذا وجدت سلاسل متممة للخانة أشار إليها، ثم يستعمل قفل أو غطاء للجزء الأخير. وكان يستعمل أحيانا مصطلح لازمة ومصطلح عفقة.

على مستوى اللحن: تميزت الموشحات الحلبية بكونها أكثر فنا وصنعة، بينما كانت المصرية مثلا أكثر تطريبا. والأدوار في الموشحات الحلبية يتطابق لحنها، وهي تطابق لحن الغطاء، وتأتي الخانات من مقامات منسجمة مع مقامات الأدوار، ويحصل فيها التنقل بين النغمات والمقامات بشكل واسع، وكل خانة تخالف لحن أختها لتؤلف في مجموعها قطعة فنية غاية في الترابط والتناسق، تدل على الحذق وتمام الإتقان. ومثال التنقل بين النغمات والمقامات في الخانات خانة الموشح المشهور حسنك النشوان للمرحوم عمر البطش:

أنا سكران وفي الكأس بقية أي خمر من جنى الخلد عصرت
وخانة موشح ياناعس الأجفان وزن أوفر 19/4، فهو يتنقل فيها بين عدة نغمات (نهاوند الشعار رمل حجاز كار) ثم يختم بالنغمة الأساسية للموشح (نهاوند).

طبق بعض الحلبيين القالب اللحني للموشحات على بعض القصائد، فجعلوا البيت الأول من المقطوعة الشعرية بمنزلة القفل والثاني بمنزلة البيت والثالث بمنزلة الخرجة، كما فعل عزيز غنام عند تلحينه لقصيدة أبي نواس: حامل الهوى تعب، وعلى عكس ذلك فقد طبق بعضهم اللحن الواحد، وليس المتعدد كما هو الحال في نظم الموشحات، على العمل الشعري كله، كما فعل البطش مثلا في موشح بالله يا باهي الجمال، فلحنه متكرر في جميع المقاطع. وقد تنوعت في الموشحات الحلبية المساحة المخصصة لدور المطرب المفرِّد، فبينما تكون متسعة في بعض الأحيان على حساب دور المجموعة، كما في موشح ما احتيالي، وموشح قلت لما غاب عني للبطش، تضيق في أحيان أخرى أو تنعدم تماما، كموشح يا ناعس الأجفان للبطش.

على مستوى الإيقاع: توسع الحلبيون باستعمال الأوزان المركبة كموشح بأبي باهي الجمال، وزنه أقصاق 9/8، وموشح مفرد الحسن المبين لعمر البطش وزن طرة 21/4، ونوعوا كثيرا في أوزان الموشح الواحد، كموشح نبه الندمان صاح الذي صيغ من ثلاثة أوزان: الهزج22/4 والمدور التركي 12/4 والمدور العربي6/4، وموشح قلت لما غاب عني للبطش، فهو يبتدأ بالدور من النواخت، وينتقل في الخانة إلى اليوروك، ثم يعرج على الدور هندي، ويختم بالغطاء عائدا إلى النواخت.

كما تميزت الموشحات الحلبية باقترانها برقص السماح، كوصلة البيات الشهيرة التي تبتدأ بموشح: املا لي الأقداح صرفا، وبها يتعلم المبتدئ .
كل ما تقدم من صفات قالب الموشح الحلبي أعطاه خصوصية وروحا متميزة، استقرت في أعماق من تربى ذوقه الفني على سماع هذه الثروة الحلبية العظيمة.

عمر البطش: حياته وخلفيته الثقافية:

ولد عمر البطش سنة خمس وثمانين وثمانمئة وألف، وعاش في سكن شعبي متواضع في حي الكلاسة.

تعلم البطش القرآن ومبادئ العلوم في الكُتّاب، ثم توجه إلى صنعة البناء حيث قضى فيها ثلاثين سنة من عمره.

كان يفتح عينيه على أصوات التجاويق التي تنبعث مع الفجر من مآذن المساجد في حي الكلاسة مفتتحة بـ : ياحي يا قيوم، ويختم يومه بحضور مجالس الذكر بصحبة خاله.

تلقى البطش الفن على خاله الحاج بكري القصير، وكان يسمع منشدي الزوايا ومطربي السهرات أثناء صحبة خاله، وكانت له حافظة قوية، إذ يروى أنه كان يحفظ أربع سفن، ومنها انتقى أفضل الكلمات لألحانه.

كان منهله الأهم في تعلمه للفن الزاوية الهلالية والزاوية العقيلية حيث كان خاله يقيم الأذكار، والزاوية الرفاعية. وكان من أهم أهل الفن الذين أخذ عنهم: أحمد عقيل، وأحمد المشهدي، وأحمد الشعار، ومصطفى المعضِّم، وصالح الجذبة الذي أخذ عنه رقص السماح أيضا.

أتقن البطش العزف على العود وبعض الآلات النفخية والإيقاعية.

أخذ عنه الفنانون الدمشقيون الموشحات والأوزان ورقص السماح أثناء خدمته العسكرية.

هجر العمل في البناء بعد رجوعه إلى حلب، وعمل فترة كضابط للإيقاع في مسارح حلب الغنائية، ثم ترك المسارح بعد عودته من الحج أوائل الأربعينيات، وقد لحن بعد عودته موشح "هام قلبي عندما ذكر النبي".

لم يختلط البطش كمعاصريه الدرويش والإبري وممدوح الجابري في جو المنتديات الفنية التي عاصر نشأتها وتطورها، وإنما كان يجد ملاذه في الزوايا ومجالس الأذكار والسهرات الخاصة.

بقي البطش يدرس في داره الموشحات والسماح إلى أن افتتح معهد الموسيقى الشرقية عام 1943 بدمشق، فدرس فيه بشكل متقطع بسبب إغلاق المعهد لبعض الفترات حتى وفاته عام 1950م. وأثناء فترة الانقطاع الأولى درّس في معهد الدكتور رجائي في حلب، وأثناء فترة الانقطاع الثانية عمل معه في إذاعة حلب.

افتتح في أواخر حياته دكانا صغيرا اقتطعه من داره، وكان يبيع فيه البقول، ولازم الزوايا ومجالس الذكر، واختار بعض التلاميذ ليعلمهم الأوزان والسماح والموشحات، غير أنه لم يثبت عنده منهم إلا القليل.


من تلامذته: بهجت حسان وعبد القادر حجار وصبري مدلل وحسن بصال، وفي حمص محمد نور عثمان، وفي دمشق زهير وعدنان منيني وسعيد فرحات وعمر عقاد وأدهم الجندي.
تزوج عمر البطش، ولم يرزق الولد. وكان سمحا متواضعا صوفيا كريم الأخلاق.

عمر البطش والموشحات:


إن ما تميز به البطش جمعه للعلوم الفنية والصنعة والموهبة في آن واحد. ولذلك كان الفنانون يقصدون حلب لتلقي الموشحات عليه. ويعد عمر البطش من أهم الحلبيين الذين عرفوا بتلحين الموشح، إذ تيسر لنا لقرب العهد به أن يوثّق أكثر من نصف موشحاته، بينما لا يمكننا التحقق من نسبة الموشحات الحلبية الباقية إلى الملحنين الحلبيين الكبار وهم أساتذته وأساتذة أساتذته.

ألف عمر البطش حوالي مئة وأربعة وثلاثين موشحا، دوِّن منها ثمانون، منها ثمانية عشر دونت في كتاب: من كنوزنا، ولا يزال كثير من موشحاته يتناقل بالتلقي، بحاجة إلى تدوين. ويقول الأستاذ محمد قدري دلال: عدد الألحان التي ضاعت، أو نسي أنه صانعها تجاوز التسعين. وقد أحصى الأستاذ دلال اثنين وخمسين موشحا لعمر البطش ذكر منها ما دوِّن وما لم يدون مبينا المصدر وطريقة التثبت ومكان توثيقه.

كما أحصى الأستاذ عبد الفتاح قلعه جي ما دوّن من أعمال البطش سواء ما هو مطبوع أو لا، وكذلك تسجيلات أعماله في إذاعتي دمشق وحلب.

أوتي البطش موهبة خاصة في صياغة ألحان الموشحات، فكان اللحن يتدفق من قريحته بشكل منساب، لا تشعر فيه بتكلف، بل تحس معه أنك تتذوق قطرات من ينبوع عذب لا ينضب، وأن صاحبه لا زال يملك الكثير الكثير.

كان لعمر البطش دورا كبيرا في الموازنة بين أداء المفرّد والمجموعة في الموشحات، فقد أعطى للفرد مساحة محدودة من الأداء، كما الأصل في التوزيع اللحني للموشح.

اهتم البطش بتلحين وصلات الموشحات، وكان معدل الموشحات في كل وصلة هو من ثلاثة إلى خمسة تقريبا، فتأخذ الوصلة حوالي نصف ساعة من الزمن أو أكثر قليلا، وهي فترة زمنية معتدلة، فلحن وصلات من الراست والزنجران والنكريز والنهاوند واليكاه والحجاز كار كرد. فموشحات وصلة اليكاه مثلا: صاح قم للحان، ومفرد الحسن المبين، وحسنك النشوان، ومبرقع الجمال.

قام عمر البطش بتلحين كثير من خانات موشحات سيد درويش التي اقتصر فيها سيد على تلحين الأقفال. ومنها: العذارى المائسات (الخانة: من ثغور)، ويا ترى بعد البعاد (الخانة: لو يزر بعد التمادي) وبصفات جعلتني (الخانة: وعيون تركتني).

ولعمر البطش كثير من الموشحات الدينية تشبه، كما قال زهير منيني الدور المصري في مكوناته وجمالياته، وهي موزونة بدقة وبراعة.

لم يعتن البطش بتلحين الأدوار، ولم يشتهر ما لحن من أدوار، ومنها: يا قلب ما لك والغرام من الحجاز كار كردي.


خاتمة:


أريد أن أختم البحث بتوصية واحدة، وهي أن تكلف الأمانة العامة لاحتفالية حلب عاصمة الثقافة الإسلامية لجنة من المتخصصين لجمع تراث عمر البطش كاملا وتوثيقه وتدوين ما لم يدون منه موسيقيا، وإصلاح ما دون بالرجوع إلى تلامذة البطش وتلامذة تلامذته، لتكون الأعمال الموثقة أقرب للصورة التي وضعها عليها البطش ما أمكن، وإخراجه بشكل لائق.

عمر البطش نموذجًا

محمود المصري



موقع ومنتديات نادي الاتحاد الحلبي - نادي الإتحاد الحلبي السوري Al Ittihad of Aleppo syria - عشاق حلب الأهلي مدينة حلب الشهباء

رد مع اقتباس