عرض مشاركة واحدة

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 15-12-2010 - 09:52 ]
 رقم المشاركة : ( 131 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,577
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء متواجد حالياً

   


أولاً: التطور الحركي: locomotion

لابد من عُجالة سريعة لربط ما تقوم به الأم الحلبية في هذا المجال مع التطور الطبي الطبيعي الذي يتم التحري عنه بمراحل ثلاث في طب الأطفال هي:

التعليق بيد الأم من البطن في الفراغ تدوم حتى (2- 10 أسابيع)
وضعية الكب على البطن مستلقيا تدوم حتى (شهرين)
وضعية الاستلقاء على البطن (أربعة أشهر)
ويجب التنويه أن على الأم أن لا تتحرى ذلك وهو نائم أو يبكي.
تقوم الأم الحلبية بالتحري عن المقوية العضلية التي هي أساس هذا التطور وذلك أثناء ممارستها لما تدعوه: (التمريخ) أو (التجبيد) الذي تقوم به بعد فك (القنداق) اعتقادًا منها بأنها تشد قوامه الذي كان محبوسًا بالقنداق والأحزمة لكي -باعتقادها- تطلع إجريه سويات - يؤيد ذلك قولها على لسان طفلها (انشا الله يتقاتلوا أمي وبيّ ليشدوا الحزام عليّ) ويكون التمريخ بوضع الطفل مستلقيًا على ظهره وتثني الأم ذراعيه من مفصل الكتفين وهما ممدودتان على صدره بشكل متعامد مع الجذع مرتين متخالفتين، ثم تمدها إلى الأعلى مرة وإلى الأسفل مرة، وتصنع نفس الأمر بالرجلين ثم تتركه ليحرك أطرافه بحرية، وهي متواصلة معه تزقزق له، وهو يراقبها بحركة شفتيها المضمومتين مصدرةً صوتًا يشبه التقبيل، ويقوم هو خلال ذلك بما ندعوه بالرفس المتناوب للطرفين السفليين Reciprocal Kicking بحركة تشبه كبس الفرامل.
وبعد هذه المقدمة فإن الأم الحلبية أثناء مراقبة الطفل لها تهز له رأسها للأمام والخلف ماسكة يديه مستلقيا على فراشه رافعة إياهما بهدوء وبشكل اهتزازي هادئ متناوب وحيد الاتجاه، مُرددة أهزوجة:

حج حج حج الله
باكل أنا وحموده



سمن وعسل في الجرة
وسوسو تطلع لبره




أو (ونكب البيسه لبره)

ويقصد (بسوسو) اسم أخته المسكينة التي تنظر ببؤس لهذا المشهد حيث (نزلت بابوجتها من على الرف) بعد ولادة أخيها، وبالطبع يثير هذا الغيرة عند الأخوة والأنانية عند الطفل التي قد لا تحمد عقباها، ولنا في قصة سيدنا يوسف خير شاهد.
في مرحلة لاحقة أي بعد الشهر الخامس ينمو التطور الحركي ليصبح أكثر تناسقًا وتصبح حركات الأهزوجة أكثر تعقيدا.حيث تضم الأم أصابعها لتـتقابل كلها معًا مثل شكل (درويش الكبة الصغير) قائلة:

كبيبه كبه حرير
كبيبه ومين كبكبها
قالولو زغيره زعيره حتى حتى إيجي اخطبها



كبيبه عمرك طويل
إجا السلطان وطلبها
قالن: الله يكبرها
وتكون من نصيبي


وهي تحرك راحتها المضمومة بشكل دوراني لتشغل الطفل وتعلمه الحركات في الفراغ بكل الاتجاهات، ثم تلحقها بترنيمة قصيرة لتفهم الحاضرين أن الذي تتغزل به هو طفل ذكر وليس أنثى كما قد تُوهم كلمات الأهزوجة الأخيرة بقولها:

وكبيبه كَبْكَبْنَاهَا



ولحموده طعميناها


وتقتصر على الأولى إن كانت الطفلة هي المقصودة، وتعيد الترنيمة بأغنية مشابهة:

كبي كبيبه يا فارة
وابني جنبي في بيتي
كبيبه كَبْكْبْوُلو



ابني ابن الأمارة
وابني نوَّر الحارة
وإش ما جبتوا خبولو


وهي تُديرُ وتهزُ أساورها الذهبية في معصميها يمنة ويسرة مضمومة الرسغين مثيرة انتباه الطفل صوتيًا وبصريًا وحركيًا.
ومن الأهازيج التي تدل على الاهتمام غير المباشر للأم الحلبية في تطور التناسق الحركي لعين طفلها مع حركات يديها في الفراغ والذي يدعى اضطرابه في طب الأطفال Dyssynergia إضافة للأهزوجة السابقة قولها:

بإيدي علـقت المنخــــــــــــــــــل




قليب السقاطة وادخـــــــــــــول



تقول هذا وهي تمثل بيدها تعليق المنخل كما تمثل قلب السقاطه ليقلدها طفلها فيحرك يده منشغلاً بمنظر حركة يديها ومقلدًا إياها مع النغم.
كما أن الحركة تتوافق مع النغم في طقطوقة أخرى شائعه عند أهل حلب هي:

نقطة زيت في كفي
نقطة زيت يا حجة



لاطبخ بفي لا طبخ بفي
نقلي العجة نقلي العجة


تقولها الأم مع تناسق حركي دقيق لوسط كف الطفل، في حركة تشبه فحص طبيب الأطفال للطفل للتحري عن حس الوضعة في الفراغ،Prepreociption حيث يفرح الأهل عند تقليد الطفل لأنه ينبئ عن حسن تحكمه بحواسه و حركته، وهي تحرك رأسها يمنةً ويسرة قائلة:

هزي راسك يا ميمه



راسك راس الحمامة


رابطة حاسة السمع مع البصر والإيقاع على التسلسل ملاحظة استجابته للفقش والطقش بأصابعها قرب وجهه، ومن جهات مختلفة مراقبة حركة رأسه وعينيه واتجاههما لمصدر الصوت والحركة.
وفي مرحلة متقدمة أكثر (بعمر عشرة أشهر) يستطيع الطفل تنسيق حركة التصفيق بدقة تصويب الكفين ليتقابلا أثناء ذلك وهي تقول له:

سفُّق سفُّق نينه
حنينا ديات زين



والبابا جاب حنينه
والباقي لعميمه


فلا يلبث الطفل إلا أن يصفق بيديه مقلدًا.
ومع تقدم التطور يصفق الطفل ليس بيديه فقط بل يضرب على فخذيه وبالتناوب معه وأمه وأخوته في أهزوجة مشهورة أخرى في كل مقطع (كوبليه) من مقاطع الأهزوجة التالية وكلهم يتحلقوا حولها

طيمشه ميمشه
حملي حمالك



كلي واشربي
غدي بتوصلي


وتستمر بشكل نثري (بعتتني معلمتي لاجيب حاطب/ وصابون وقع وانكسر/ جبتي وجبة أهلي مكلله بالذهبي.../هون مقص وهون مقص والعروس بترقص رقص)
وهذه الأهزوجة تقوم بها الفتيات الصغيرات بتناسق حركي عالي، والتي ينتهي عندها الدور، عند الانتقال من فتاة لأخرى من كل - كوبليه- لأخرى إذا لم تسحب رجلها تخسر ، وعليها أن تعيد الكرة بما يشبه لعبة (منو الحرامي) عند الذكور للانتباه على ردة فعل الطفلة.
تحوَّر أحيانًا الترنيمة لتصبح بكلمات مختلفة وبلحن مقارب على الشكل التالي:

طيمشه طيمشه
تا شتري بصل
حلفت معلمتي
والسجر بكوس بكوس



بعتتني ستي عيشه
والكوز وقع وانكسر
لتعلقني بالسجر
خبي إيدك(أو أجرك) يا عروس



أم الحلق والدبوس


وعلى من ينتهي العدُّ عندها أن تثني قدمها أو تسحبها بسرعة، وتفوز التي تثني قدمها أولاً بحيث يكون الضربة لا على فخذها بل على فَخِذ الطفلة التالية لها مما يدل على انتباه و تطور رد فعل إنعكاسي جيد .
وفي مرحلة أخرى يمكن كشف هذه السرعة بلعبة (بِسْ بِسْ نَوْ) حيث تقوم الأم أو الأب بمسك شحمة أذنيها بالسبابة والإبهام مرددة كلمة (بِسْ بِسْ نَوْ) فيما يمد الطفل ذراعيه وكفيه ظاهرهما للأعلى وهي تقول له (بِسْ بِسْ بِسْ) وعند لفظة كلمة (نَوْ) تهوي بيدها على كفِه، وعليه أن يسحبها قبل إصابتها ليفوز، وإلا تعاد إن أصابته الضربة، وكثيرًا ما تعطيه الفرصة لتشجعه على الاستمرار.
ومثلها لعبة (شوي قلي) الحركية بهز الكفين الحاملتين لكفي الطفل ثم الانقضاض براحة كف الأم السفلى على ظاهر كف الطفل العليا للطفل والتي يجب عليه سحبها أو رفعها من فوق كف أمه إما من نفس الطرف أو الطرف المقابل ليفوز ويدل هذا على يقظة و تناسق حركي رائعين.
ثانيًا: المشي:
تستند حركات المشي البدائية عند الطفل إلى محاولات أمه تعريفه على المكان والتجول فيه، وكانت الأم الحلبية تقوم بتعليمه ذلك بشكل غير مباشر بالحركات التي تقوم بها وهي تغني له الأهزوجة الحلبية المعروفة :

باح باح يا عروق ياتفاح
اجا العصفور ليتوضا
كسر بريق الفضه


وهي تقوم بمسح راحة يده المفتوحة الصغيرة برؤوس أصابعها مكمِلة الأهزوجة وهي تثني أصابعه واحدة واحدة محركة كل مفاصله الغضة مبتدئة بخنصره الصغير ومنتهيةً بإبهامه:

هَيْ نتفتو
وهي شوتو
وهي قلتو
وهي طبختو
وهي قالتلو
أبو فنون
جيب المعالق والصحون دب دبيبه
دب الفار
ولولا حموده أكلْنا الفار


جاعلة سُبابتها ووسطاها تمشيان على شكل قدمين، تخطوان من معصمه إلى ساعده فعضده حتى رقبته تقول: (كركركركركر) فيضحك الطفل.
بذلك نرى أن الأم الحلبية ومنذ عصور شكلت ترسيمًا دماغيًا لنمط معرفي للمشي في هذه المرحلة من عمر الطفل التي دعاها" بياجيت" في أواخر القرن الماضي مرحلة الذكاء الحسي الحركي، والتي يستخدم الطفل فيها مهارات وممرات تشريحية عصبية بصرية، وحركية سكونية، ولمسية، وحسية مكانية، أو ما يدعى العلاقة بين (الرمز والمرموز) بشكل عام كرسم الحرف مثلاً وعلاقته وصوته.
ورغم أن البنات كما هو معروف في طب الأطفال يمشين ويتكلمن و يصبحن نظيفات البول والبراز عمومًا قبل الذكور إلا أن الأمهات الحلبيات وضعن طقطوقة للذكور يمكن تحويرها عند اللواتي رزقن بالبنات فقط لتصبح مقبولة للجنسين يهزجن بها ماسكاتٍ بيده أو يديه معًا حسب مقويته العضلية على الشكل:

داده يالله يالله
داده شطه بطه
داده خاروف محشي



وداده ويا ماشا الله
ان شا لله تمشي القطه
إن شا لله ابني(أو بنتي) تمشي

إلا أنه وقبل تعلم المشي تدرب الأم طفلها على التناسق الحركي لبعض العضلات التي تستخدم انعكاسيًًا فيما بعد المشي (وهذا التناسق يغيب في بعض أمراض الجهاز العصبي) وهي تقول له الطقطوقة المشهورة.

هل هل (وهي مشتقة من لفظ الجلالة)هلاني
راح على الحج وخلاني
خلاني في ضيعتو
لبسني قبيعتو
طبخ لي عجور محشي
قلي تفضلي تعشي
قلتلو بنـزع نقشي
شمر زندو وطعماني


وإن تأخر التطور الحركي يمكن للأم أن تكشفه بمثل هذه الممارسات غالبًا قبل الطبيب لأنها الأقرب والأبكر تعاملاً معه.
ثالثا: الأسنان.
على الرغم من أن بزوغ الأسنان يعتبر حدثًا طبيعيًا في التطور الجسدي عند الأطفال، إلا أنه يترافق ببعض الأعراض التي لا يمكن إنكار علاقتها به، وإن كانت أعراضًا غريزية لا مرضية، وهذه الأعراض قد تكون من الشدة لدرجة كبيرة جعلت أهل حلب يتـندرون بها بقولهم تارة: (لو يعرفوا أمي وأبوي طلوع سنوني ما جابوني) وتارة: (إذا بدن يطلعو سنوني حضرولي كفوني).
وبعد مدة من بزوغها يفرح الأهل بهذه الأسنان الصغيرة البيضاء وينشدون بعض الأناشيد أو الطقاطيق المتعلقة بهذه الحادثة التي تشكل فرصة لطبيب الأطفال لتقديم التهاني لهم عند اكتشافها للمرة الأولى من قبله ومطالبتهم بالـ (السليقة) ومن هذه الطقاطيق عند أول بزوغها (طلع سنو خبوا الخبيزة منو) خوفًا عليه من الشردقة التي قد تحدث مسببة ما لا تحمد عقباه، وتكون الفرحة أكبر عندما يكون الطفل هو الأول، خاصة إن كان ذكرًا حيث تقوم الأم بدعوة جماعة من أهلها، وأهل زوجها، وجيرانها، وأصدقائها... ويكون عزف ورقص وغناء... ويأكل المدعوّن السليقة مع الفستق الحلبي، واللوز، والجوز، وحب الرمان، و الشاي والسكر في البيوت التي تتمون بهذه المناسبة مسبقًا بهذه المواد وهذه عادة الحلبيين في كل مناسباتهم الحلوة والمرة.
وكعادة معظم الشرقيين عمومًا في تفضيل الولد على البنت فإن طقوس البهجة واتسام الفرحة يكون أقل في بزوغ أسنان البنت، وربما يبدو ذلك في الطقطوقة الخاصة بها (سنينا سنين الفارة وصوتا عبّا الحارة) تحويراً للطقطوقة المقابلة لها (طولها طول الفارة وصوتها عبا الحارة) كناية عن عدم الاحتفاء ببزوغ أسنانها جيدًا، فهي أكثر صمودًا للتحديات الصحية برأيهم وهذا يؤيده الطب في بعض الأمراض (كيرقان الوليد) الذي يظهر بقولهم (ما بصرلاشي لأنو شروشا بالجب) أو (البنت بسبع رواح مثل القطة) و (البنت من ورا الباب بس الصبي من عنتاب). وقد يقال عوضاً عن (عنتاب) (بغداد) كونها أكثر بعداً عن حلب من عنتاب.
وخلال بضعة أسابيع أو أشهر من بزوغها يطقطون الأهزوجة التالية التي يمكن بتحوير بسيط أن تصلح لكلا الجنسين وهي:

عالتكنينو نيناتو
..................."للذكر"..............
أو نيناتا
...................." للأنثى "..............
وسكر تحت سنيناتو
يا ربي يكبر ابني.....
لآكل من دَيَّاتو....


وإذا اقترب عمره من السنة حيث تقارب أسنانه الستة (حيث أن عدد أسنان الطفل اللبنية تساوي عدد شهور عمره ناقصة ستة، علماً أن كلها عشرين) تهزج الأم الحلبية الأهزوجة التالية التي لا تفرق بين الذكر والأنثى لأن لها اصلاً تركيًا حيث لا فرق باللغة التركية بينهما وإن كانت الأهزوجة حلبية اللسان وهي:

جانم جانم بالتركي
أحمد باشا قُدامك
حمَّامك تحت القلعة



أحمد باشا ناطركي
شايل بقجة حمَّامك
وسنانك ستة سبعة


وعند بدء تخلخل الأسنان اللبنية إيذانًا ببدء تبديلها يقذف الطفل السن الساقط خلف ظهره بعد خلعه في ضوء النهار نحو قرص الشمس قائلاً لها (خدي سن الجحش وعطيني سن الذهب) لأنه غالبًا ما يكون منخورًا، ويوضح الأهل للطفل أن سن الذهب سوف يخرج في فمه عوضًا عن السن الساقط كي لا يحزن، وأن الآخرين يرونه في فمه ولا يستطيع أن يراه هو وإن نظر بالمرآة، لأنه يختفي عن نظره هو، ولا يخفى أثر هذا التدليس السيء على التربية وفقد ثقة الطفل بأهله إن نظر إلى المرآة بغيابهم.
وعند بزوغ سن جديد دائم يهزج الأولاد أهزوجة لها شكل المسابقة التي تدل على سرعة رد فعل الطفل حيث يقول أحدهم وهم مجتمعون (سن نبت) ويجيبه من يسمعه من الأولاد الآخرين مسرعًا (أَنَتْ) والذي يجيب أولاً يكون الأسرع بردّة الفعل، حيث يطيل الطفل الذي يقول (سن نبت) نون كلمة (السن) ثم يتوقف فجأة ليقول (نبَت) مما يثير انتباه بقية الأطفال للمفاجأة فيرد مسرعًا كما ذكرنا.
رابعًا: النوم
لطقوس النوم عند الأطفال أهازيج خاصة عن أهل حلب فقد قالوا فيه: (إذا ضحك الزغير بتكون الملايكه عم بضحكو) و(إذا نيمت الأم إبنا وقت تسميع الجمعة بتكَبْسو الملائكة) أي ينام نوماً هنيئا، حيث تكون أمه تقرأ القرآن في المنزل ووالده سعى إلى ذكر الله في المسجد، ومجازًا (إمي ما علمتني أنام برا) و (إذا نام ابنك جوعان بشوف السقطية بنومو) وباعتقاد بعضهم (اللي بشخ وبنام ما لو منام) أي لا تفسير لحُلْمِه وإن حُلِمَ، و قيل في حلب (إذا نيمتي ابنك وإجريه على القبله بيقصر) ومن الواضح أن لها أصلاً في الشرع وغيرها كثير مما صح ومما لم يصح... كالنوم في الحمام أو على العتمة وعلاقتها مع الجان أو أنكر ونكير.
ومن أهازيج أمهات حلب المشهورة عند رغبة الأم بنوم إبنها أغاني جميلة هادئة:

أ آ – أ آ نني
نامي يابنتي نامي
وياخدك حَلَقِكْ من أدنك
ويا خدلك فرشتك ولحافك



أ آ – أ آ نامي
قبل ما يجي الحرامي
ويشلحك جوز الصرامي
وبعدين على إيش تنامي

ومنها:

أوو يا عيني
إن شالله تنام جودة



ويا عيني الزيني
لأضما في حضيني


وإذا رفض النوم وصفته بأنه (مثل البق لا ينام ولا بنيم) وقامت بإخافته ببعض القصص التراثية المعروفة مثل (السبدلا اللي بشق الحيط وبتدلا) أو (البوبع) أو بتهديده بـ (جب الفار) وعند اشتداد بكاءه ورفضه النوم، خاصة عندما تتعب الأم التي ولدت حديثًا، وعلى الأخص بالطفل الأول حيث لم تعتد بعد على هز السرير بعد فرحها قبل أشهر على بدلة زفافها البيضاء بسبب حملها من ليلة زفافها، قد تضربه لتتدخل الحماية عندئذٍ وتقول أهزوجتها لحفيدها (قتلوكي- عيوني ! قتلوكي، وما عرفوا منو أبوكي، ولو عرفو لك مقامك عندو، عالمراتب صمدوكي).
ومن ترنيمات النوم في حلب أذكر أيضًا:

نام ا ابني نام
نام جنبي نام
نام يا روحي نام
لادبحلك طير الحمام
ويا حمامه لا تخافي
عم بهدي لابني لينام

ومن أجمل ما سمعت من ترنيمات الأم حول تنويم ابنها هو ما أنقله عن الدكتور محمود أبو الهدى الحسيني في الترنيمة التالية والتي أبلغني أنها من مقام الحجاز:

نيمتك في العلِّية
خفت عليكي من الحية
هزيلو يا راضيه
بلكي على صوتك بينام


حيث تنخفض حدة اللحن بالتدريج من بداية الطقوقة لنهايتها مما يجعل المستمع ينعس فعلاً.
وقد لُحنت كأغنية في أحد البلدان العربية المجاورة لحلب وبكلمات مشابهة وبنفس المقام (الحجاز) من التخت الشرقي للطقوقة السابقة على الشكل التالي:


يالله تنام ريما
يالله تحب الصلاة
يالله تجيها العوافي
يالله تنام يالله تنام
روح يا حمام لا تسدق
ريما ريما الحندقه
واللي حبك بيبوسك
يا بياع العنب والعنبيه
خطفوني الغجر
تشت تشي وتشت تشي
وكل ما هب الهوى
هي هي وهي لينا
تنغسّل ثياب ريما



يالله يجيها النوم
يالله تحب الصوم
كل يوم بيوم
لادبحلا طير الحمام
بضحك عريما تتـنام
شعرك أشقر ومنقا
واللي بغضك شو بيتلقا
قولوا لأمي وقولوا لبيّ
من تحت خيمة مجدليّ
والخوخ تحت المشمشي
لقطف لريما مشمشي
ديستك لقنك عيرينا
وننشرهن على الياسمينا


ومن الواضح في هذه الترنيمة وفي البيت قبل الأخير وجود المفردات الحلبية (دستك، ولقنك...) المأخوذة عن التركية .
خامسًا: اللغة والكلام
يبدأ الطفل وفي مراحل مبكرة من تعلم اللغة وقبل بدء النطق بفهم ما ترمز له العديد من الألفاظ والكلمات التي يحورها الأهل في حلب لتصبح "قاموسا" صغيرًا تراثيًا يتم ادخار مفرداته اللغوية لتــنـــتـــقل عبر الأجيال، أذكر من هذه الألفاظ:
(همّه) و (ممْ) و(همّ)و (بوقو)و (دقو)و (دديه) و (نونو) و (زيزو) و(كوكيه) و (تش) و (بح) و (عنّْ عن) و (جو جو) و (بيسه) و (ننه) و (بوبع) الذي يرتبط مع (جب الفار) و (سبدلا اللي بشق الحيط وبتدلى) و (دح) ...
تختلف مفردات اللغة من منطقة إلى أخرى من مدينة حلب، ومن عائلة لأخرى وذلك حسب أسلوب التربية حيث يقولون (ابنِك متل ما ربيته، وجوزِك متل ما علمتيه) فلا غرو إن سمعنا طفلاً في حلب شتم طفلاً وحتى في الشارع، وربما بأغلى ما عنده كأمه وحتى دينه وهذا يقول فيه أهل حلب (ما في ترباية) أو (ترباية شوارع) و (صقيقاتي)...
وهذا وإن دل بالطبع على أن هذا الطفل هو من خضراء الدمن إلا أنه يدل من ناحية مقابلة تمامًا على أن للدين أهمية كبيرة في حياة الشعب الحلبي لأنه يدل على مدى قدسية هذه الأشياء المشتومة.
الخاتمة
إن أبحاث التراث غير المادي ونقدياته يجب أن تؤصِّل الممارساتِ الحميدةَ وتطهرها مما قد يُدَسُّ فيها عفوًا أو قصداً، فلابد من قيام هيئة أو مؤسسة أو إدارة ترعى هذه الثقافات الحضارية الشعبية وتبرزها بالصورة التي يجب أن تكون عليها كما تركها أجدادنا على المحجة البيضاء بتوثيق علمي دقيق ونقدٍ بناء.

ومن هذا الاستعراض السريع السابق نلاحظ نتائج عديدة أهمها:
  • التدرج في صعوبة وتعقيد الممارسات الوالدية مع تقدم نمو الطفل بحيث تناسب مداركه وإمكاناته خطوة فخطوة، حيث يتطور ردُّ فعله من متلقٍ إلى مقلد.. إلى متجاوب.
إمكانية اكتشاف الأم عبر هذه الممارسات وبشكل فطري أي تخلف بحواس طفلها.

تطور المعاني التي تعبر عنها الترانيم المرافقة رغم بساطتها مع تطور الطفل فهي تبدأ بدون معنى مفهوم (كالزقزقة) وفي مرحلة إطعام الطفل تفيض بمعاني الترغيب والدلال حرصًا على تغذيته وبنائه الجسدي وفي مرحلة متقدمة أبعد حين يبدأ الطفل بالإدراك الوجداني (والوجدان هو صوت داخلي يقول افعل أو لا تفعل وهو هنا يماثل الضمير)فإن هذه الترانيم تتحول إلى ذكر العقوبة الملازمة للطفل لإتلافه أغراض المنـزل لعدم امتثاله لأوامر أمه فتروي له عاقبة العصفور الذي كسر إبريق الفضة رغم أنه ينوي الوضوء، وقد تروي له قصة (ليلى الحمرا والذئب) العالمية أو الفتاة التي كسرت كوز البصل، وفي مرحلة متأخرة تتطور العقوبة من التهديد إلى التنفيذ فاللطمات التي يتلقاها الطفل في لعبه (بس بس نو) أو (شوي قلي) تساهم في تحضير ردود أفعاله.

ليست هذه التدريبات ممارسات عشوائية لا هدف لها بل هي تدريبات مفيدة حقا.

للأم دور خاص وهام في تربية وتدريب الحواس والعضلات وردود الأفعال لدى الطفل، وهذا الدور – للأسف- أخذ يضمر ويذوي لعدم اهتمام الأمهات الشابات بهذه الممارسات المفيدة أو لجهلهن بها أو لعدم تفرغهن وانشغالهن باهتمامات أخرى.
  • إن عدم رضا الأمهات الصغيرات المتزوجات حديثًا بالسكن مع أهالي أزواجهن أو اشتراطهن منذ بدايات إنشاء خلية المجتمع الأولى وهي الأسرة على أن يكون الزوج (عندو حوش ملك) قد حرم الأطفال من أمثال هذه الثروات الاجتماعية التي ما زالت تندثر، لأنها أكبر ثروة يملكها الطفل لحرمانه من جدته التي غالباً ما تكون قصصها حاملة لتلك الثروات.
وأختم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتفق عليه حيث جاء رجل إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا رَسُول اللَّهِ من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك . قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك.



وفي رواية مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللّهِ مَنْ أَحَقّ بِحُسْنِ الصّحْبَةِ؟ قَالَ "أُمّكَ. ثُمّ أُمّكَ. ثُمّ أُمّكَ. ثُمّ أَبُوكَ. ثُمّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ".