عرض مشاركة واحدة

نادي الإتحاد الحلبي السوري

كُتب : [ 29-12-2010 - 10:11 ]
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية حلب الشهباء
 
حلب الشهباء
إدارة المنتدى

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

       
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,665
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم
حلبيات... من "تجديد الأجير" إلى "تجديد التفكير"





أورد الأسدي في موسوعته حكمة حلبية تقول "عتق دابتك وجدد أجيرك " وهي حكمة تشجع سامعها على أن يحتفظ بدابته وإن هرمت وضعفت ويبدل أجيره وإن ازداد مع الوقت خبرة ومعرفة .
ويبدو واضحاً أن هذه الحكمة قد تشكلت في زمن بعيد قبل دخول الآلة والسيارة حين كانت الدواب وسيلة النقل والجر ، كما يبدو أن هذه الحكمة قد ولدت في فضاء المدينة حيث يمكن للأجير أن يظل مرتبطاً برب عمله عاماً بعد عام إذا ما وثق به و اطمأن إليه، بينما لا تتيح دورة العمل الزراعي المتقطِّعة للأجير أن يستمر بعمله دون انقطاع.‏

واقتران ذكر الدابة بالأجير في"الحكمة" يحيلنا إلى المقارنة الخفية التي ترمي إليها ،فالدابة تزداد مع الوقت فهماً لمزاج صاحبها وحاجة إليه ،فيما يزداد الأجير علما ً وقوة وبالتالي استقلالاً.‏
ولقد ذكر الأسدي في مقدمته أنه جمع مواد موسوعته من أفواه الذين عاشوا بداية القرن العشرين مما يدل على أن حكمة تجديد الأجير كانت تدور على الألسن منذ مئة عام على أقل تقدير ، ولو قدرنا أن انتشار الحكمة على الألسن يتطلب قرناً من الزمن لجاز لنا افتراض أن الخبرة الجماعية التي شكلت الحكمة التي نحن بصددها تعود إلى زمن يربو على القرنين .‏

في ذلك الزمان كانت الحرف في حلب يدوية بسيطة لا يحتاج تعلمها إلى وقت طويل وكانت أدواتها رخيصة الثمن إلى حد يجعل من السهل على من يتقنها تأسيس عمله الخاص بكلفة بسيطة. لكن حجم الاقتصاد المحدود آنذاك كان يجعل من الوافد الجديد إلى ميدان الحرفة منافساً غير مرحب به مما دفع المجموعات الحرفية إلى حماية نفسها بواسطة وسائل عديدة.‏

كان دخول المستجدين إلى مجموعات الحرف محاطاً بشروط وطقوس خاصة " وشد زنار "، وغالباً ما يرى الباحثون من ذلك التشدد جانبه البراق الذي يدل على دقة التنظيم والتمسك بالجودة، دون أن يروا فيه جانباً آخر أدى إلى إعاقة تقدم الحرف وتطورها . إذ كان الحرفيون في واقع الأمر يقومون بتحديد الكمية المعروضة من خدماتهم بحيث تناسب مصلحتهم كعارضين دون اكتراث بحاجة المستهلك ورفاهيته ، و يفقدون بذلك ما تولده المنافسة من تسابق على تحسين المنتج وتطويره .‏

وكان الحرفيون يقومون بإخفاء سر الصنعة عن الأغراب ويتوارثونه جيلاً بعد جيل إلى حد جعل العديد من الأسر تنتسب إلى الحرف التي تمارسها وتكتسب أسماءها . وكان لحصر سر الصنعة في أسر بعينها عواقب عديدة منها توقف تطور الصنائع طيلة قرون عندما تحولت إلى استنساخ غير خلاق ومنها أن تقنيات تلك الصنائع لم تسجل أو تنشر قط خوفاً من تداولها بين الأغراب مما أدى في حالات عديدة إلى اندثار بعضها عندما مات أصحابها دون أن يورثوها لأحد.‏

فلا غرابة في ظروف كتلك أن تتولد لدى الجماعة حكمة تدعو إلى تجديد الأجراء للحيلولة دون اكتمال معرفتهم بأسرار الحرف وتحولهم إلى منافسين محتملين. إلى جانب حكم وأمثال عديدة تحذر من الأجراء والشركاء وتعزز مبدأ الشك بالآخر.‏

لقد عبرت "حكمة" الدابة والأجير آنذاك وأسست لمفهوم تفضيل عامل الثقة على عامل الكفاءة . وقد يبدو اليوم أن هذه الحكمة لم تعد توجه تصرف الجماعة لأن تداولها قد قل أو اضمحل، لكن الواقع المشهود في الحياة الاقتصادية يبرهن على أن مفاعيلها ما زالت ظاهرة في تغلِّب مشاعر الريبة والخوف والتربص على العلاقة بين أرباب العمل وأجرائهم . ولقد أسهم ذلك ـ إلى جانب عوامل أخرى ـ في إضعاف مقدرة المؤسسات الاقتصادية على النمو لرغبة أصحابها في إمساك خيوط العملية الإدارية والفنية أحياناً بأيديهم أو بأيدي أولادهم وأقاربهم وعدم الاعتماد على "الغريب"، تلك الرغبة التي أدت إلى تفضيلهم البقاء على أحجام صغيرة أو متوسطة .

فالإحصاءات المتوفرة تؤكد أن معظم مؤسساتنا الاقتصادية هي مؤسسات أسرية لا يختلف في ذلك كبيرها عن متوسطها ،وهي لا تعطي للمواهب العلمية الشابة دوراً فاعلاً في العملية الإنتاجية فتبدد إمكاناتها وتمنعها عن بناء الخبرة التي تؤهلها للارتقاء والتطوير. ومن الملاحظ أن أغلب تلك المؤسسات بتقنياتها المتواضعة وهيكليتها المتمركزة سرعان ما تنهار وتتفتت لدى موت "الحَجِّي".‏

ومن الغريب حقاً أن" حكمة " ولدت في بداية القرن التاسع عشر في ظل علاقات اقتصادية بدائية ما زالت توجه تصرفات فعاليات بلادنا الاقتصادية في القرن الواحد والعشرين في وقت تتعرض فيه لتحدٍ مصيري يتمثل بانفتاح الأسواق أمام البضائع القادمة من البلدان البعيدة والقريبة وهي بلدان صنعت نجاحها الاقتصادي باتباع سياسة تتناقض تماماً مع حكمة " الدابة والأجير " . حيث تقوم مؤسساتها الاقتصادية بالتمسك بالأجراء الموهوبين وبتجديد تجهيزاتها ما أمكنها ذلك.‏

إن بقاء هذه "الحكمة" حية يدفع إلى الظن بأنها ما زالت تلبي حاجة اقتصادٍ مُعظَمَ وحداتِه مفرطةٌ في الصغر تُنتجُ مصنوعاتِها بأدنى تقنية وتحاولُ أن تحتفظ بزبائنها دون جدوى . وهي"حكمة" تسهم ببقائها حية في أن يظل اقتصادنا يدور في نفس الدائرة دون تطور يذكر . في حين أنه يحتاج اليوم إلى أن يرى ما يدور حوله بأعين مفتوحة وذهن أكثر انفتاحاً ويجري مراجعة شاملة لفكره وقيمه ونظمه قبل فوات الأوان.‏

إن تجاوز "حكمة" الدابة والأجير هذا إذا صح تسميتُها حكمةً - لا تحتاج فقط إلى الإقناع وضرب الأمثلة واستيراد الخبرات الشكلية ،بل إلى ابتداع أطر قانونية وتنظيمية تتعامل مع هواجس وحاجات أطراف العملية الاقتصادية بفهم ورعاية، وتؤهلها لتجاوز ما هي عليه من تشتت وضعف.‏

المهندس تميم قاسمو

موقع ومنتديات نادي الاتحاد الحلبي - نادي الإتحاد الحلبي السوري Al Ittihad of Aleppo syria - عشاق حلب الأهلي مدينة حلب الشهباء

رد مع اقتباس