عرض مشاركة واحدة

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 28-01-2011 - 09:24 ]
 رقم المشاركة : ( 147 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,757
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

رحلة البحث عن صور حلب

عندما باشرنا بإصدار مجلة العاديات الفصلية التي تعنى بالتراث والآثار في حلب منذ حوالي سبع سنوات، واجهتنا مهمة شاقة هي الحصول على صور فوتوغرافية قديمة العهد عالية الجودة لكي تصاحب مواضيع المجلة.


ولقد أدخلتنا تلك المهمة في مطاردة دائمة لمصادر الصور القديمة التي تمثل مختلف مناطق القطر، وفي غياب هيئة او مركز وطني متخصص للوثائق الضوئية كان علينا اللجوء إما للمجموعات الشخصية أو لساحر العصر "الانترنت" وهو ما وجدناه أسهل منالاً .

باب قنسرين مطلع القرن العشرين
( موقع مكتبة الكونغرس )

وهي مطاردة لم تخل من بعض المفاجآت السارة، فخلال التحضير لعدد خاص عن محافظة السويداء قادنا البحث عن صور المطربة الراحلة أسمهان إلى موقع جمعية للصور الضوئية مقرها بيروت :

حيث وجدنا مجموعة من الصور النادرة لأسمهان التي تمثلها في الفترة التي عاشتها في جبل العرب بعد زواجها من الأمير حسن الأطرش ووجدنا في موقع تلك الجمعية العديد من الصور عن حلب ضمتها مجموعات أودعت في تلك الجمعية وهي تعود إلى أسر حلبية عريقة وعدد من مصوريها المحترفين. وتتناول مناسبات اجتماعية وشخصية وبعض معالم المدينة وريفها في أواسط القرن الماضي.

أما البحث عن صور لسلطان باشا الأطرش فقد قادنا إلى موقع مكتبة الكونغرس



حيث وجدنا له صوراً نادرة في منفاه بوادي السرحان .

ساعة باب الفرج
( موقع مكتبة الكونغرس )

وكانت المفاجأة الكبرى هي العثور على مجموعة من حوالي مئة صورة لمعالم حلب يعود بعضها إلى أواخر القرن التاسع عشر وتضم صوراً عالية الدقة للمدينة ملتقطة من قلعة حلب .

وهي جزء من مجموعة كبيرة من الصور التقطها مصور القنصلية الأمريكية في القدس لمعالم سورية عديدة لا تقتصر على حلب .
أما البحث عن صور قديمة لبصرى فقد دلنا على مجموعة المستشرقة " جرترود بل "المميزة من الصور :
رابط المجموعة :


الجامع الاموي الكبير
( مجموعة غروترد بل )



التي غطت منطقة الشرق الأوسط بتسعة وعشرين ألبوماً التقطتها بين مي 1902 و1914 ، وقد بلغ عدد تلك الصور الآلاف و عنيت "بل" فيها بتصوير الأوابد الأثرية في كافة أنحاء سورية إضافة إلى تسجيلها تفاصيل للحياة في البادية السورية .
وتبين لي أن اسم حلب وغيرها من الحواضر العربية يتردد بشكل واسع في مواقع الشابكة "الإنترنت" ،حتى أني وجدت لحلب ذكراً في مواقع لا تخطر على بال مثل موقع ذاكرة الجيش الأسترالي الذي احتوى على صور لآليات جيش الحلفاء الذي دخل حلب خلال الحرب العالمية الأولى ومنها صورة لموقع ساحة سعد الله الجابري الحالية لا يبدو فيها سوى مبنى واحد.


قلعة حلب
( مجموعة غروترد بل )


غير أن ما وجدته لم يكن سوى قمة جبل الثلج لأن الأراشيف المختلفة لا تعرض لعموم المشاهدين سوى النزر اليسير مما تمتلكه،فيما يحتاج الحصول على كامل مخزونها أذوناً وتكاليف وربما اتفاقيات.


وهو مخزون هائل الحجم حيث أن بدايات التصوير في المنطقة تعود إلى عام 1835.


يذكر الباحث بدر الحاج في دراسته عن تاريخ التصوير الفوتوغرافي في القدس :


" بعد حوالي ثلاثة أشهر من إعلان فرانسوا أرغو، زعيم الحزب الجمهوري الفرنسي، في 19 آب 1839 أمام الجمعية الوطنية الفرنسية عن اكتشاف التصوير الشمس وشراء الحكومة الفرنسية لهذا الاكتشاف من السيد داغير وتقديمه هدية للإنسانية، التقطت أول صورة فوتوغرافية في المنطقة العربية بحضور محمد علي باشا في مدينة الإسكندرية وذلك في الرابع من تشرين الثاني 1839" .


وأكد أراغو في خطابه على أن الاختراع الجديد سيكون له الفضل في تسجيل عجائب الشرق، وسيسهم في تقدم العلوم خاصة علم الآثار الذي كان يتطلب أكثر من عشرين سنة وعشرات المنقبين والاختصاصيين لنسخ ملايين الرسوم والحروف الهيروغلوفية في حين أصبح باستطاعة مصور واحد إنجاز هذا العمل بسرعة قصوى.


ومنذ التقاط الصورة الأولى في الإسكندرية، دخلت المنطقة العربية مرحلة جديدة من التوثيق البصري، وأخذ مئات المصورون بالتدفق على مصر وسورية، والتقطت آلاف الصور للمعابد والهياكل القديمة وللمدن والقرى، وسجلت عدسات المصورين الأزياء والأشكال الهندسية، ولاقت تلك الصور رواجاً كبيراً في السوق الأوروبية، لدرجة أن بعض المؤرخين المعاصرين شبهوا أثر تلك الصور بالصور التي يجلبها حالياً رواد الفضاء إلى الأرض .

وخلال القرن التاسع عشر فقط نشط أكثر من ثلاثمائة مصور في مصر وبلاد الشام، وكان معظمهم من الفرنسيين والبريطانيين، وبعض الألمان والأمريكيين .

ويذكر فرنسيس فريث وهو أهم المصورين الانكليز الذين عملوا في المنطقة عامي1859-1860 في مقدمة كتابه عن مصر وفلسطين :


".. ويمكنني القول مع التأكيد على القيمة الكبيرة للصور الفوتوغرافية الجيدة عن الآثار والتحف الشرقية، أن يد التغيير السريع تصيب الكثير من المعالم البارزة، بالإضافة إلى أنياب الزمن القاسية والرياح الرملية التي تهب بلا انقطاع، فإن المعابد والمقابر معرضة دائماً لعمليات السلب المستمرة وحكام الأقاليم يأخذون الأحجار المصقولة الضخمة والفلاحون يستولون على ما يتوافر أمامهم من أحجار الآجر.


وبينما يعمد السياح من كل الأمم إلى كسر ما يقع تحت أيديهم وهو لا شك الأجمل من الناحية الهندسية والمعمارية ويأخذونه إلى بلادهم".


وهكذا فقد أدى بحثنا عن صور قديمة لمدينتنا إلى الكشف عن تقصير بالغ نرتكبه بحق تراثنا ،عندما نتقاعس عن واجب جمع كل ماتم تصوير عن بلادنا ،وهي مهمة أكبر من أن تستطيع مؤسسة تحقيقها مهما بلغت مقدرتها،بل لابد من أن تكون جزءاً من مهمة تتولاها الدولة دون تأخير.


أن الثقافة البصرية تأخذ من الاهتمام الثقافي حيزاً أكبر مما كنت أظن ، بل إنها تشكل مادة ثقافية جاذبة لمختلف الشرائح الاجتماعية بما فيها تلك التي لم تنل قسطاً وافياً من التعليم، وبالتالي فإن الاهتمام بها - وإن كان يبدو لأول وهلة اهتماماً نخبوياً - سيؤدي في النتيجة إلى تنمية ثقافية عصرية الأداة ، في تجاوز واضح لما استقر في الأذهان من أن الثقافة تنتقل عبر المادة المكتوبة بشكل أساسي.


مظهر عام لمدينة حلب من القلعة
( موقع مكتبة الكونغرس )

ونبه الأستاذ بولص مكربنه قنصل سويسرا الفخري في حلب إلى ضرورة أن تقوم هيئة أهلية على وجه السرعة بمهمة جمع الصور الموجودة في حوزة الأفراد في حلب ، أو على الأقل أن تنسخها بالوسائل الحديثة التي أصبحت متوفرة وتعيدها لأصحابها، قبل أن تذهب بدداً ضحية الإهمال وسوء التخزين ، وأشار إلى خطوات عملية مفيدة في هذا الخصوص.
وأكد على أن هذا الجهد يمكن أن يبدأ قبل تشكل الهيئة الوطنية المنشودة للوثائق التي قد يستغرق إنشاؤها زمناً غير منظور.


أما الدكتور "ناهد كوسا" الحلبي المغترب في كندا، فقد ذكر لي – في رسالة خاصة - الصعوبات التي لقيها حين بحث في سوريا عن مصادر لرسالة دكتوراه كان يعدها عن البادية السورية فلم يجدها إلا في فرنسا.
و قال :



عندما كنت طالباً للدكتوراه في باريس في الثمانينات من القرن الماضي، اخترت حينها موضوع تطوير البادية السورية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي كدراسة عملية وبحث واقعي لضمه لأطروحة البحث في جامعة السوربون.
كان الحاسوب وقتها في أوائل عصره والأنترنت لم يرَ بعدها النور، وعندما كنت أرغب بالتحدث مع أهلي هاتفياً كنت أتصل عن طريق مركز البريد والهاتف، لذلك عدت إلى حلب بحثاً عن المواقع الزراعية والمخططات والخرائط والتقاط الصور الضوئية عن كثب.



وبالرغم من أني كنت أحمل رسالة من الجامعة الفرنسية وأخرى من إدارة جامعة حلب لتسهيل بحثي العلمي على أرض الواقع .. صعب علي التقاط الصور، ومع ندرة الخرائط المحلية في سورية ذاتها.. عدت أدراجي إلى باريس، وبدأت أبحث عما كنت أبغيه عن سورية، بلدي، في المكتبات الفرنسية ،وأخص هنا بالذكر مكتبات المعهد الجغرافي وجامعة باريس الأولى وجامعة السوربون .




و كم كانت دهشتي كبيرة أنني اطلعت فيها على خرائط قديمة جداً لبلدي، وأمسكت بيديّ خرائط ومخططات ومخطوطات وصور "أصلية" تعود إلى قرون بعيدة مضت .في اليوم الأول نظرت حولي بكل فخر.. قبل أن أنظر إلى المخططات.. كمن غار في الزمن السحيق وعاد إلى وطنه في لحظات فوق بساط الريح، عدادات وأجهزة لقياس الرطوبة والحرارة والضغط موزعة هنا وهناك.. حتى أجهزة لرصد الهزات الأرضية، رائحة الورق كانت تفوح من كل درج يفتح.. ومن كل مخطوط يظهر. كنت في الغرفة وحيداً، خلف قضبان باب كبير يفصلني عن حارس باب المدخل الكبير الذي وقف يراقبني وينتظرني ريثما أنتهي مما أبحث عنه .

فنظرت إليه مستغرباً وقلت له: واو... لمَ كل هذا؟

فهزّ رأسه مبتسماً وأجاب: أنت في أرشيف قديم... من هذه البلاد بدأ التاريخ."
التاريخ قد بدأ من بلادنا، لكن متى نتعلم أن الذكرى لن تنفع إن بقيت كلاماً في الهواء ولم تتحول إلى إنجاز ؟

بقلم المهندس تميم قاسمو


التعديل الأخير تم بواسطة : حلب الشهباء بتاريخ 27-11-2016 الساعة 02:45