عرض مشاركة واحدة

نادي الإتحاد الحلبي السوري

كُتب : [ 10-02-2011 - 11:36 ]
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية حلب الشهباء
 
حلب الشهباء
إدارة المنتدى

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

       
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,664
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم
بالصور النادرة ..بحسيتا ..حكاية بيوت المتعة في حلب




ما ذُُكرت بحسيتا أمام حلبي ، إلا و ابتسم .

أثار هذا الأمر فضولي . و بما أن جيلنا لم يعرفها ، و الجيل السابق الذي أدركها يتجنب الحديث عنها ، و كلما سألت كبار السن عنها ينفون - في البداية و بشدة - معرفتهم المباشرة بها ، ثم - تدريجيا - يتبسطون و يسترسلون في الحديث عنها ، و يشيرون بحذر أنهم ربما زاروها مرة او مرتين للإطلاع على ما فيها فقط ، ثم و بصوت منخفض - مع تحذيري من نقل ما يحكونه على لسانهم - يروون مغامراتهم فيها .

و بما أنها تعد جزءا من تاريخ بلدنا ، و التاريخ تاريخ ،سواء كان سلبيا او ايجابيا ، و لم أجد في أي مرجع دراسة وافية لتاريخ هذا المكان ، الذي قل من امتنع عن زيارته في ذلك الزمان ، حسبما تبين لي ، و لأهمية المؤشرات الأخلاقية و الاجتماعية التي يكشفها تاريخه ، و التي أترك تقديرها للقراء ، قمت بجمع المعلومات عنه من شفاه من عاصروه ، و ها أنا أقدمها لكم في مقالتي هذه :

منطقة باب الفرج ..الحارة يسار الصورة مدخل بحسيتا
في عام 1901 م قرر والي حلب العثماني رائف باشا افتتاح دار دعارة مرخصة في حلب ، أسوة بباقي مدن السلطنة العثمانية ،كما ذكر الطباخ في كتابه إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء ، و كان الهدف منها حصر و تنظيم عمل المومسات في هذا المجال منعا من تواجدهن في مختلف الأحياء و فرض رقابة صحية عليهن ، و انقسم الناس حينها بين مؤيد لفكرة حصر الدعارة في أماكن محدودة ، و معارض بشدة للترخيص الرسمي لها ..

يقول الطباخ في كتابه إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء الصادر في العشرينيات من القرن الماضي : (بعد ان كانت المومسات قلائل أصبح عددهن يناهز خمسمائة ، و أصبح زائرو هذه الأماكن مئات من الناس بل ألوفا ، و تهافت الشباب على هذه المواخير لسهولة الوصول إليها و فشا فيهم داء الزهري و التعقيبة) .

لكن ترخيص الدعارة في أماكن محددة محصورة لم يمنع انتشار هذه الظاهرة بشكل سري، و المرأة التي كانت تمارس الدعارة بدون رخصة خارج البيوت الرسمية المخصصة لها، كانت تعاقب بالحبس ، فإذا ضبطت مرة ثانية او ثالثة تجبرها السلطات المختصة على الإقامة الإجبارية في دور الدعارة المرخصة.

و تقرر على إقامة بيوت الدعارة المرخصة في حلب - التي أطلق عليها اسم المحل العمومي - في حي بحسيتا ،التابع لحارة القلة ، قرب ساعة باب الفرج الحالية .

كان أغلب سكان حارة القلة و بحسيتا قبل افتتاح المحل العمومي من العائلات اليهودية ، و قد حدد مؤرخ حلب كامل الغزي في كتابه نهر الذهب عدد سكانها اليهود بحوالي أربعة ألاف شخص في العشرينيات ، و اشهرهم آل جدّاع , آل نحمات , آل ساسون , وآل دويك ، الذين انتقل الأغنياء منهم للإقامة في محلة الجميلية تجنبا للإقامة قرب بيوت الدعارة .

شارع بحسيتا في عشرينات القرن الماضي
شارع بحسيتا هو شارع مستقيم بطول ثلاثمائة متر تقريبا ، على جانبيه كانت توجد الدكاكين و اغلبها بقاليات ، و منها دكان يبيع المشروبات الروحية ، و في منتصف الشارع جهة اليمين يوجد مدخل صغير يؤدي الى زقاق المحل العمومي .

و سابقا كان في الزقاق الذي أقيم فيه المحل العمومي قبل ترخيصه ، مضافة للعموم ، و يطلق العامة على بيوت الضيافة اسم المنزول ، و هي من كلمة ( نزل ) الفصحى ، فيقال مثلا : (حللت أهلا و نزلت سهلا ) ، و عادة كان الأثرياء و الباشاوات و الآغوات ينشئون مكانا مخصصا لإقامة الأغراب و ضيافتهم مجانا ،هو المنزول ،و يسمى في الأرياف ( الاوضة ) .

و بعدما تحول هذا الزقاق الى مكان للدعارة ، صار اسم المنزول لدى الحلبيين مرتبطا ببيوت الدعارة ، بينما يستخدم أبناء بقية المحافظات هذا الاسم للإشارة الى المضافات .

كما يستعمل الحلبيون كلمة كراخانة للدلالة على بيوت الدعارة ، و هي كلمة تركية تعني ( البيت الاسود ) ، فالكرا هو اللون الاسود بالتركية و الخانة هي المكان .

كان المحل العمومي الذي تم ترخيصه للدعارة ، مؤلف من مدخل ضيق يحمل رقم 142 في لوحة معلقة على جداره ، و لذلك اشتهر هذا الرقم كرمز للمنزول .

و تنفذ من المدخل الى زقاق ضيق ، على طرفيه مجموعة من الدور العربية، لكل دار حوش و عدة غرف موزعة في أطرافه ، لبعضها غرف علوية ( مربع ) .

و في نهاية الزقاق منفذ آخر له باب مغلق لا يفتح إلا في أحوال خاصة كاستقبال الجنود الفرنسيين و المليس ( و هي كلمة مشتقة من ميليشيا ) او لدخول الأطباء و موظفي الصحة .

قرب المحل العمومي كانت توجد حمام عامة تحمل اسم حمام الهنا ، و قد خصصت أوقات محددة فيها لفتيات الكراخانة ، و قد هدمت الآن .

و قرب المنزول مشفى خصصته البلدية لفحص الفتيات و لمعالجة الأمراض التناسلية .


شارع بحسيتا في الأربعينات
في الأربعاء من كل أسبوع ، تخرج الفتيات من الباب الخلفي للزقاق المخصص لهذا الأمر ، ليقمن بزيارة الطبابة الشرعية - التي كانت قريبة من المنزول - لإجراء الفحص الدوري ، و في حال تبين إصابة أي منهن بمرض ما ، تعزل و تحجر حتى تتماثل للشفاء في المستوصف القريب من المنزول . و توجد في المستوصف غرف تشبه الزنزانات ، كما تحجر الفتيات فيه طوال فترتهن النسائية الشهرية ، لمنعهن من العمل خلالها .


كانت الفتيات تلجأن لكيّ الرحم منعا من حصول الحمل ، و الى الإجهاض في حال تم حدوثه ، فقد كانت تربية الأطفال ممنوعة داخل المحل العمومي .

في مدخل المحل العمومي غرفة صغيرة تتواجد فيها دائما مفرزة مؤلفة من عنصرين من رجال الشرطة ، لمنع دخول الأحداث و للتفتيش عن الاسلحة منعا من استعمالها من قبل أقرباء الفتيات اللذين يرغبون بقتلهن لغسل عارهم .
للشرطي في المنزول أهمية عظمى ، فهو يمنع إدخال الأسلحة والسكاكين والمشروبات ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة .
و يصدف أحيانا أن يعين شرطي متساهل ، فيتقاضى مبلغ بحدود الربع ليرة سورية - ارتفعت لاحقا الى ليرة واحدة - لغض النظر عن الشبان القاصرين الذين دون السن القانونية و الراغبين في دخول المنزول .

اللوحة الحجرية أعلى قهوة السلام في بحسيتا التي تحولت لاحقا الى مسرح غازي
أمام مدخل المنزول مباشرة يوجد مسرح ضخم لتقديم العروض الفنية ، مؤلف من ثلاث طوابق ، على واجهته الحجرية كتابة قديمة هي ( قهوة السلام ) ، و قد اشتهر آخر أيام عمل المنزول باسم ( مسرح غازي )، و كانت الفتيات اللواتي يملكن مواهب فنية يقدمن عروضا فيه، و يسمين حينها الخوجات و مفردها خوجة و هي كلمة تركية الأصل تعني المعلمة ، و لا يشترط بالخوجة ان تمتهن الدعارة .

في المنزول تقيم عشرات الفتيات البالغات من مختلف الأعمار و الجنسيات، و كلهن غريبات من خارج المدينة ، فلا تضع السلطة فتاة من ذات المدينة في منزول المدينة ، لأنها تتعرض للقتل فورا من قبل أفراد عائلتها .

السبب الأكبر الذي كان يدفع الفتيات للدعارة ، و من ثم الإقامة الجبرية في المحل العمومي بعد القبض عليهن ، هو الفقر و الظروف الاجتماعية و الأسرية السيئة ، و أغلب المومسات لسن جميلات .

كانت المشروبات الروحية ممنوعة بشكل رسمي تجنبا للمشاكل التي يثيرها السكارى ، و لكن بعض الزجاجات كانت تتسرب للداخل ، كما تقدم المطاعم المحيطة بالمحل العمومي أنواع اللحوم المشوية الى داخل المحل .

لا يجوز أبدا إخراج الفتيات من المحل العمومي الى منازل المدينة .

و يحق للفتاة يوم إجازة أسبوعي هو يوم الاثنين فكانت الفتيات - في فترة بعد الظهر - ترتدين لباسا محتشما ، و يركبن الحنتور مع رجال مفضلين لديهن لحضور السينما .

و في حال كبرن في السن ينقلن الى منزل قريب يسمى المنزول العتيق ، حيث يمضين ما تبقى من حياتهن في عوز و فاقة بالغين.

مدخل المنزول العتيق حاليا و الذي أغلق في بداية السبعينات
كان أغلب رواد المحل العمومي من الشباب العازبين و المراهقين و من العساكر و الوافدين الغرباء عن المدينة.

كان للعساكر يوم خاص هو الخميس مساء، من الساعة السابعة حتى التاسعة مساء ، و تم تغييره لاحقاً الى يوم الجمعة ، و لهم تخفيض خاص في السعر يصل حتى النصف ، و يأتون برفقة عريف و يصطفون بالدور برتل عسكري ، قد يصل الدور الى العشرات ، و تستبدل يومها مفرزة الشرطة التي تحرس مدخل المنزول بعناصر من الشرطة العسكرية.

في الأربعينات كانت هناك ثلاث تسعيرات متعارف عليها ، و هي ليرتين ، و ثلاث ليرات ، و خمس ليرات ، تبعا لعمر الفتاة و مستوى جمالها ، و قد زادت هذه التسعيرة لتصل الى إحدى عشر ليرة في أواخر أيام المحل العمومي بداية السبعينات .

يمضي الشاب مع الفتاة فترة قصيرة لقاء هذا المبلغ لا تزيد عن ربع ساعة ، في حال رغب بتمديدها لمدة ساعة كان عليه ان يطلب فنجان قهوة و يدفع ثمنا له ليرة كاملة، أما إذا رغب بتمضية ليلة كاملة فيدفع تسعيرة مرتفعة و يسمى هذا الأمر الأنكاجيه ( و هي كلمة من اصل لاتيني يستعملها الفرنسيون و الإنكليز و تفيد التعليق و الانشغال ) .

بعد وصول الكهرباء للمنطقة في الثلاثينات ، وضُع في أرض حوش كل دار آلة كهربائية تسمى ( بيك آب ) لإذاعة تسجيلات الاسطوانات ، فيضع الرجل ربع ليرة سورية فيها ، و ينتقي الاسطوانة التي تحمل الأغنية التي يفضلها ، لتدار آليا .

صورة نادرة للمومسات أمام مدخل المحل العمومي
ومن أشهر الفتيات اللواتي أقمن فيه في العشرينيات الفنانة ( بديعة ) اللبنانية الأصل ، و التي حملت لاحقا لقبٌ مشتق من حي المصابن القريب من بحسيتا ، هي الفنانة الشهيرة ( بديعة مصابني ) ، و كانت تقوم بالرقص و الغناء في المسرح المقابل للمحل العمومي، ثم رحلت الى لبنان ثم مصر حيث أقامت كازينو شهير جدا و هو كازينو بديعة مصابني ، و قد صدر فيلم مصري شهير بطولة نادية لطفي حول حياتها ، و في آخر حياتها عادت بديعة مصابني الى شتورة في لبنان ، حيث فتحت مخزنا صغيرا بالقرب من مزرعة عائدة لها ، تبيع فيه الألبان على الطريق العام باتجاه الحدود السورية .

تدير بيت الدعارة في المحل العمومي القوادة التي تسمى بالعامية البترونة ( و هو مشتق من الكلمة الفرنسية باترون التي يطلقها الفرنسيون باحترام على السيد او السيدة التي تتولى إدارة مكان ما) ، و تقوم القوادة باستئجار الدار ، و تشرف على تأمين مفروشات و متطلبات مكان عمل و مبيت الفتيات ، لقاء الجزء الأكبر من الأجور ، و يقع على الفتاة مصاريف أكلها و كسائها ، و تقبض الباترونة المال مباشرة من الرجال و لا تقبضه الفتاة ، و غالبا ما تمضي الفتاة حياتها و هي مدينة لهذه القوادة التي تستنزف مالها بشتى الوسائل و السبل ..

أشهر القوادات في ذلك الزمان هي حميدة ، و التي تابت في آخر حياتها ، و قررت التبرع بكامل أموالها لعمل الخير ، في عمل نبيل قل من يقومون به ،رجالا و نساءا ممن امضوا حياتهم في جني المال الحرام ، و توجهت الى أحد رجال الدين ، و طلبت منه ان يقبل تبرعها بعدما رفض البقية قبوله ، و فعلا بُني منزل من أموالها خصص للتائبات الراغبات في تمضية بقية حياتهن فيه ،و يقمن فيه ببعض الأعمال اليدوية لكسب العيش الشريف .

خارج المحل العمومي في البناء الذي أزيل و أقيمت مكانه المكتبة الوطنية ، كان منزل سيرانوش الشهيرة و هي يونانية الأصل ، و لديها مجموعة من الفتيات ، و كان لها الكثير من المشاكل و الدعاوي في المحاكم .

كما يتعاون مع القوادة في خدمة الدار رجل يسمى بالعامية - عذرا من القارىء - ( العرصة )، و كلمة عرصة هذه لها تصحيف و معان مختلفة ، فحاليا يقال لقطعة الأرض غير المبنية (عرَصة ) بفتح الراء ، و قد اعتاد العرب ان يبدلوا حرف الصاد بحرف السين ، فكلمة ( سراطا ) مثلا تأتي أيضا ( صراطا ) ، و نقول أيضا سنارة و صنارة .

و قد تأتي كلمة عرّص عند العرب مطابقة لكلمة عرسّ ، و تعني انه نزل أرضا او مقاما للاستراحة ،أو قد تكون اشارة الى المقعد المهيب الذي يشبه العرش ( لان الشين تقلب أحيانا سيناً )و منها العريس و العروس اللذين يأخذان مكانا خاصا ليلة العرس يشبه العرش كما فسرها الاصفهاني في كتابه الأغاني .

و بذلك تكون مهمة ( العرصة ) في المنزول تأمين مستلزمات مكان الاستراحة ، و مهمته أيضا القيام بمهمة صلة الوصل بين القوادة و السلطة ، و في حال قدم أي زبون شكوى بحق الدار يتحمل العرصة المسؤولية التي تصل للحبس .

موقع ومنتديات نادي الاتحاد الحلبي - نادي الإتحاد الحلبي السوري Al Ittihad of Aleppo syria - عشاق حلب الأهلي مدينة حلب الشهباء


التعديل الأخير تم بواسطة : حلب الشهباء بتاريخ 27-11-2016 الساعة 02:52
رد مع اقتباس