عرض مشاركة واحدة

نادي الإتحاد الحلبي السوري

كُتب : [ 23-04-2011 - 11:33 ]
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية حلب الشهباء
 
حلب الشهباء
إدارة المنتدى

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

       
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,665
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم
أصداء الأندلسيين في حلب

تعلَّق الأندلسيون بالمشرق تعلُّقاً شديداً ، ونظروا إليه بعين الإكبار والإجلال ، فكان قبلة أنظارهم ، ومهوى أفئدتهم ، ومصدر إلهامهم .
تعلَّقوا بالمشرق ، تعلُّق الفرع بأصوله وجذوره ، وتمسّكوا بكل ما يأتيهم من قبله ، وبدا ذلك جليّاً على نطـاق واسع في مختلف مظاهر حياتهم السياسية والاجتماعية والثقافية ، فقد اتخذ ملوكهم ألقاب ملوك المشرق ألقاباً لهم ، وعرفنا منهم : المعتضد ، والمعتمد ، والمتوكِّل ، والمستنصر ، وغيرهم ... وكذلك سمّوا مدنهم بأسماء مدن المشرق ، فإشبيلية هي حمص ، وإلبيرة دمشق ، وجيّان قنسرين ، وشريش فلسطين ، وغيرها .. وشبّهوا ملوكهم بملوك بملوك المشرق من حيث الطباع والمواقف ، فعبد الرحمن الداخل والمعتصد شبِّها بأبي جعفر المنصور في البأس والشدّة وضبط الدولة ، والمعتمد في علاقته بوزيره ابن عمّار شبِّه بالرشيد وعلاقته بأبي جعفر البرمكي . وكذلك لقِّب شعراؤهم بألقاب شعراء المشرق ، فابن درّاج والرمادي متنبّيا المغرب ، وابن زيدون بحتريّه ، والطليق المرواني ابن المعتز ، وأبو الأجرب جعونة الكلابي عنترة ، والرصافي ابن الرومي ، ومؤمن بن سعيد دعبل الأندلس ، وحمدة بنت زياد الخنساء ، وابن اللبّانة سموءله ، والأعمى التطيلي معرّيّه ، وابن خفاجة صنوبريّه .. وغيرهم .
وقد جهد حكّام الأندلس في استقدام علماء المشرق وفنّانيه ، من مثل أبي علي القالي ، وصاعد البغدادي ، وزرياب الموسيقي والمغني ، ومغنيات المدينة المشهورات ، مثل : علم وقلم وفضل وقمر ، وغيرهن . ولم يكن هذا إلا تعبيراً عن حبٍّ عظيم للمشرق ، وشوق عارم للتشبِّه بأعلامه وتقليدهم ، ولم يكتف الأندلسيون بذلك ، فقد أرسلوا في طلب المؤلَّفات والمصنَّفات المشرقية ، وبذلوا في سبيل ذلك الأموال الطائلة ، وقصّة حصول الحكم المستنصر على كتاب الأغاني قبل المشارقة ما تزال ماثلةً في الأذهان ، وقد دفع فيها ألف دينار ذهباً عيناً .
لقد اتُّهم الأندلسيون بالتقليد والتكرار ، لتعلُّقهم الشديد بكل ما يأتيهم من المشرق ، ووصموا بعدم القدرة على الابتكار والإبداع . لكنَّ هذا الاتهام لم يكن إلا نتيجة تفكير سطحي متسرِّع ، فإصرار الأندلسيين على اقتفاء خطا المشارقة لم يكن إلا تعبيراً عن إرادة كامنة تسعى إلى التمسُّك بالأصول تمسُّكاً قويّاً لا يتزعزع ، وإصرارهم هذا لم يكن نابعاً عن ميل إلى التقليد لعدم القدرة على الإبداع ، فقد أنجبوا علماء ومفكرين لا يقلّون عن علماء المشرق ومفكّريه في الإبداع والتميُّز ، من مثل ابن حزم ، وابن حيّان ، وابن رشد ، وابن عربي ، وابن زيدون ، وابن درّاج ، وغيرهم كثير ... بل كان نابعاً عن رغبة قوية في الحفاظ على الهوية والوجود وسط موج زاخر من الأعداء يحيط بهم من كل جانب ، فالإبداع لم يقصره الله على أمة دون أمة ، والابتكار لم يمنحه الله لقوم دون قوم .
لم يقف الأندلسيون يوماً عند متابعة أخبار المشرق ، ودعوة علمائه ومفكّريه ، واقتناء ما يصدر عنه من مؤلفات ومصنفات وحسب ، بل شدّوا إليه الرحال ، مفارقين الأهل والوطن ، بحماسة لم تفتر ، واندفاع لم يهدأ ، غير مبالين ببعد الشُّقَّة ووعثاء السفر . واندفع علماؤه ومفكِّروه إلى المشرق طلباً لمختلف أنواع العلوم ، فوفد عليه منهم الفقهاء واللغويون والشعراء والموسيقيون والفلاسفة والأطباء والفلكيون وعلماء النبات ، عدا التجّار وقوافل الحجيج ، على امتداد الوجود الإسلامي في تلك البلاد البعيدة .
وكانوا ينهلون العلم على يد أساطين المشرق ، فمنهم من يعود بعد ذلك إلى بلاده ، محمَّلاً بالإجازات العلمية ، وبنفائس الكتب والمصنَّفات المشرقية ، ومنهم من كانت تطيب له الإقامة في واحدة من عواصم الفكر والثقافة المشرقية ، فيقيم فيها مدة طويلة ، أو يستوطنها دون أن يفكِّر بمغادرتها ، ولا ننسى أيضاً أنَّ هؤلاء كانوا يحملون معهم إلى المشرق إبداع كتّابهم ، ونتاج شعرائهم وعلمائهم أيضاً .
ولعلَّ ما شجّع الأندلسيين على مثل هذه الرحلة الطويلة التي امتدّت إلى مناطق شاسعة بعيدة في العالم الإسلامي نظرة التقدير العميق التي كان يلقاها حامل العلم منهم أينما حلَّ في هذا الوطن الشاسع ، فقد أكرم الحكّام وفادتهم ، وبالغوا في الاحتفاء بهم ، وقلّدوهم المناصب الرفيعة ، من مثل مناصب القضاء والشورى والإفتاء والتدريس .. دون النظر إلى انتماءاتهم المذهبية ، أو جنسياتهم المختلفة ، وهذا ما شجّع على الإقامة الطويلة أو الدائمة في المشرق ، وقد شجّع مثل هذا الانفتاح والتسامح والتقارب الذي قد لا نجده متوافراً اليوم في هذا العالم الذي يُدعى بالمتحضِّر ، شجّع على نهوض الثقافة وتلاقي الحضارات ، وامتزاجها إلى حدٍّ كبير .
أمّا أهم العواصم الثقافية المشرقية التي كان يحصر علماء الأندلس ومفكِّروه على دخولها ولقاء علمائها بعد مغادرتهم مصر والإسكندرية ، فهي مكة والمدينة ودمشق وبغداد وبلخ وبخارى وسمرقند ، ثم في طريق العودة يمرون بالموصل وحلب ودمشق ..
ولا ننسى أن نشير هنا إلى أنَّ قضاء فريضة الحج كانت دائماً الدافع الأقوى والأعظم في رحلة الأندلسيين إلى المشرق ، لبعدهم عن الديار المقدّسة ، وشدّة شوقهم إليها .
ولئن كانت مكة ودمشق والموصل وبغداد هي العواصم الأكثر جذباً لعلماء الأندلس ، فإن حلب أيضاً لم تكن أقل ألقاً وتأثيراً ، إذ كانت مـن العواصم السياسية والثقافية المهمة ، وكان ولاتها وأمراؤها يشجِّعون الحركة العلمية والثقافية ، ويفسحون صدور مجالسهم للعلماء والأدباء والشعراء ، ويُقْطِعونهم الإقطاعات الواسعة ، ويولّونهم المناصب الرفيعة ، ويبذلون الأموال الطائلة في بناء المساجد والمدارس ، ودعم طلاب العلم ، حتى غدت بشيوخها الأجلاء وتراثها العريق ومدارسها التي لا تُحصى قبلة الأنظار ، يقصدها أهل العلم من كل مكان .
ونشطت العلوم الفقهية واللغوية والنحوية في حلب نشاطاً كبيراً ، وكان للفقه القدح المعلّى بين العلوم الأخرى ، وتشير النصوص التي بين أيدينا إلى أنَّ الفقهاء الأندلسيين الذين قدموا إلى حلب يفوق عددهم عدد الشعراء والنحاة ، ولعلَّ ذلك يعود إلى رواج علوم الفقه والقراءات الحديثة والرواية .. وتقدُّمها على باقي العلوم الأخرى في تلك العصور ..
وأقدم من دخل حلب من الأندلسيين – بحسب النصوص التي بين أيدينا – الفقه الأديب أبو الوليد الباجي ، في أوائل القرن الخامس الهجري ، لكنَّنا نرجِّح أنَّ هناك من سبقه إلى ذلك ، لأن الرحلة من الأندلس إلى المشرق بدأت منذ أوائل القرن الثالث الهجري . أما عن التصنيف الذي اخترناه لهؤلاء الأعلام فقد جعلناه بحسب العلم الذي غلب عليه فاشتُهر به ، فمعظمهم كانوا يتقنون أكثر من علم وفنّ ، ولعل الصعوبة التي تواجهنا في هذا البحث هي الميل إلى الإيجاز والاختصار في إيراد الأخبار في معظم كتب التراجم ، والاستفاضة أحياناً تكون للمشهورين من الأعلام وحسب . ونحن لا نستطيع أن نرسم صورة نتمناها ، بل إنَّنا مضطرون للتقيُّد بما بين أيدينا من أخبار ونصوص .
ونعود إلى أبي الوليد الباجي ، وهو سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب التجيبي ، الذي وُلد ببطليوس وتوفي بالمرية ( 403 – 474هـ ) ، وعاش في الأندلس في عهد ملوك الطوائف الذي اتَّصف بالاضطراب السياسي ، (( وبدأ بالأدب فبرز في ميادينه ، وجعل الشعر بضاعته ، فنال به من كل الرغائب )) ، ومال بعد ذلك إلى تحصيل علوم الفقه ، وكان على المذهب المالكي ، وعرف بالزهد والورع والعلم .
رحل إلى المشرق عام /426هـ/ ، وقدم مصر وسمع بها ، ثم قصد الديار المقدّسة موطن هذه العلوم ومهدها ، فجاور ثلاثة أعوام ، ملازماً أبا ذرٍّ الهَرَوي ، الحافظ ، متتلمذاً على يديه ، وحجَّ أربع حجج ، ثم رحل إلى بغداد ، فأقام فيها ثلاثة أعوام يدرّس الفقه ، ويكتب الحديث ، ولقي فيها جملةً من الفقهاء ، كأبي الطيب الطبري ، وأبي إسحاق الشيرازي ، ثم رحل إلى الموصل واقام فيها سنة ، ملازماً لأبي جعفر السِّمنـاني ، (( ويأخذ عنه علم الكلام ، فبرع في الحديث وعلله ورجالـه ، وفي الفقه وغوامضه وخلافه )) . كان حسن السمت ، موقر السمت ، لقب في بغداد بشيخ الأندلس ، وكان أول أمره مقلاًّ ، حتى احتاج إلى القصد بشعره ، وفي بغداد أجّر نفسه لحراسة الدروب ، وقد قصد لتدريس الفقه وقراءة الحديث فيها حتى صار كثير من العلماء يسمعون منه ، ويرتاحون للأخذ عنه . ثم رحل إلى حلب عام /431هـ/ ، فأقام فيها نحواً من عام ، وأسند إليه فيها منصب القضاء .
له تصانيف كثيرة ، وجميعها في الفقه ، من مثل : ( التسديد إلـى معرفة التوحيد ) ، و ( سنن المنهـاج وترتيب الحجـاج ) ، و ( إحكام الفصول في أحكـام الأصول ) ، و ( التعديل والتجريح لِمـن خرّج عنه البخاري في الصحيح ) ، و ( شرح الموطَّـأ ) ، و ( اختلاف الموطّأ ) ، و ( الحدود ) ، وغيرها كثير . عاد إلى الأندلس بعد ثلاث عشرة سنة بعلمٍ جمٍّ حصّله مع الفقر والتعفُّف ، وفشا علمه ، وتهيَّأت الدنيا له ، وعظم جاهه ، وأجزلت له الصلات ، ومات عن مـالٍ وافر ، وترسَّل للملوك ، وولي القضاء بعدة مواضع .
ويفخر أبو الوليد أنَّ حافظي المغرب والمشرق : ابن عبد البرّ ، وابن ثابت البغدادي ، قد رويا عنه ، وهما أسنُّ منه وأكبر . وقد روى عنه في المغرب كثير من العلماء ، من مثل : أبي بكر الطرطوشي ، وأبي علي السبتي ، وسفيان ابن العاصي ، وغيرهم كثير ..
يقول فيه المقّري : إنَّه (( فقيه ، متكلِّم ، أديب ، شـاعر . سمع بالعراق ، ودرس الكلام ، وصنَّف إلى أن مات وكان جليلاً رفيع القدر والخطر )) . أمـا ابن خاقان فيرى أنه (( بدر العلوم اللائح ، وقَطرُها الغادي والرائح ، وثبيرُها الذي لا يُزحم ، ومنيرها الذي ينجلي به ليلها الأسحم ... ورحل إلى المشرق فعكف على الطلب ساهراً ، وقطف من العلم أزاهراً ... حتى غدا مملوء الوطاب ... فكرَّ إلى الأندلس بحراً لا تُخاض لججه ، وفجراً لا يُطمس منهجه ، فتهادته الدول ... ثم استدعـاه المقتدر بالله ، فصار إليه مرتاحاً ، وبدا بأفقه ملتاحا ، وهناك ظهرت تواليفه وأوضاعه .. وكان المقتدر يباهي بانحياشه إلى سلطانه ، وإيثاره لحضرته باستيطانه )) . ومن مواقفه المشرفة أنه حاول إصلاح ما بين ملوك الطوائف بعد عودته من المشرق ، فكانوا يجلُّونه في الظاهر ، ويستثقلونه في الباطن . ومما اشتُهر به مناظرته مع ابن حزم ، وتغلُّبه عليه ، رغم نبوغه وسعة ثقافته ، وعظيم علمه ..
أما نشاطه الثقافي في الحركة الأدبية والفقهية في حلب ، فإنَّ الروايات لا تنقل لنا منه إلا القليل ، فقد استقبله معزُّ الدولة أبو علوان ثمال بن صالح المرداسي ، صاحب حلب في بلاطه ، وأسند إليه منصب القضاء ، ونال عنده حظوة كبيرة ، فمدحه بقصائد مطوَّلة ، ويبدو أنَّ إقامته في حلب لم تطل ، فقد كانت محطته الأخيرة قبل أن يعود إلى الأندلس بعد ثلاث عشرة سنة تنقَّل فيها بين مصر ومكة والموصل وبغداد ودمشق وحلب ، وقد استقصى فيها (( فأقام بها نحواً من عام ، ثم نازعه هوى نفسه إلى مسقط رأسه ومنبت غرسه من أرض الأندلس )) .
وبعد عودته عظم شأنه ، وبعد صيته ، لما حصَّل من علوم المشرق على يد كبار شيوخه .
أمّا أبو الأصبغ ، عبد العزيز بن علي ، المعروف بابن الطحان الإشبيلي ، فقد ولد سنة /498هـ/ ، وسمع الحديث على شريح الرعيني خطيب إشبيلية ، رحل إلى فاس ، وحج ، ودخل العراق ، وقرا بواسط القراءات ، وأقرأها ، ثم دخل الشام ، فاشتُهر ذكره ، وجلَّ قدره ، وأخيراً نزل حلب فأقام فيها إلى حين وفاته بعد سنة /559هـ/ .
تصدَّى للإقراء ، وكان من القرّاء المجوِّدين ، وله شعر حسن ، ومؤلَّفات كثيرة ، منها : ( نظام الأداء في الوقف والابتداء ) ، و ( مقدمة في مخارج الحروف ) ، و ( مقدمة في أصول القراءات ) . ويبدو أنه عاصر نور الدين الزنكي ، وشهد انتصاراته على الفرنجة خلال عامي ( 541-559هـ ) .
وأما أبو عبد الله ، محمد بن علي بن ياسر الأنصاري ، الجياني ، ويكنى أبا بكر ، ( ت : 563هـ ) ، رحل إلى المشرق فأدى فريضة الحج ، وقدم دمشق قبل سنة /520هـ/ ، وسكن وعلّم القرآن فيها ن ثم رحل إلى بغداد ومنها إلى خراسان ، وسمع ببلخ ، وبلغ الموصل ، فأقام فيها مدة يُسمع منه ويُؤخذ عنه ، ثم انتهى إلى حلب فاستوطنها ، وسُلِّمت إليه خزانة الكتب النورية . توفي في حلب سنة /563هـ/ ، وقد بلغ السبعين . وقد عاصر حكم عماد الدين الزنكي في حلب .
وكذلك أبو بكر ، محمد بن علي الأنصاري الجيّاني ، فقد دخل مصر ثم الشام والعراق وخراسان وبلخ وما وراء النهر ، ولقي أئمَّتها ، ثم عاد إلى بغداد سنة /559هـ/ ، وتوجّه إلى مكّة فجحّ ، ورجع إلى الشام فاستوطن حلب إلى توفي بها سنة /563هـ/ بعد أن أقام فيها ثلاث سنوات . وكان فاضلاً متديِّناً ، صدوقاً ، حافظاً ، عالماً بالحديث . وقد عاصر أيضاً حكم نور الدين الزنكي .
ونجد رحلة أبي عبد الله ، محمد بن عبد الرحيم الغرناطي القيسي - المعاصر لابن علي بن ياسر الأنصاري - مشابهةً لرحلة زميليه ، فقد دخل الإسكندرية سنة /508هـ/ ، ثم دخل خراسان وأقام بها مدة ، ثم رجع إلى الشام وأقام بحلب سنين ، ثم سكن دمشق وتوفي فيها عام /565هـ/ ، وقد عاصر أيضاً حكم نور الدين الزنكي .
أما الشيخ شعيب بن أبي الحسن الفقيه الأندلسي ، فقد قدم إلى حلب في عهد نور الدين الزنكي ، الذي اهتمَّ بإنشاء المدارس الفقهية ، وقد عُهد إليه بمسجد صيَّره مدرسة ، وهو أول مسجد اختطّه المسلمون عند فتح حلب من المساجد ، فسمِّيت المدرسة باسمه ( المدرسة الشعيبية ) ، ولم يزل مدرِّساً بها إلى أن توفي . وآثار هذه المدرسة باقية حتى الآن .
كان الشيخ شعيب من الفقهاء المعتبرين ، والزهّاد المعروفين ، وكان نور الدين يثق بعلمه وورعه ، فولاّه التدريس على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله . توفي سنة /596هـ/ .
ومن فقهاء القرن السابع الهجري محمد بن المنذر المغربي المرّاكشي ، ولد في بغداد بعد أن نزل فيها والده ، وسمع الحديث ، وقرأ القرآن على ابن خميس وأبي بكر القرطبي ، وصحب المتصوِّفة الكبار في بغداد ، كالسهروردي وعبد القادر الجيلي . سافر إلى الشام ، وقرأ قطعة من تاريخ دمشق على مصنِّفه ابن عساكر ، وقد نزل حلب وأقام فيها . كان عالماً شافعياً ، فاضلاً ، غزير العلم ، عالماً بالآداب ، حسن الأخلاق ، كيِّساً ، وله شعر جيِّد .
ومن المعاصرين له أبو العباس ، أحمد بن محمد ، الملقَّب بابن الرومية ، الإشبيلي ، النباتي ، كان عارفاً بالعشب والنبات ، صنَّف كتاباً حسناً كثير الفائدة ، في الحشائش ، ورتَّب فيها أسماءها على حروف المعجم ، سمع الحديث بالأندلس ، وقد تنقَّل في بلاد المشرق لينهل مـن علومها . وقد حدّث في مصـر أحـاديث من حفظه ، وقد لقِّب بـ ( الحزمي ) ، نسبة إلى ابن حزم الذي كان ظاهري المذهب ، وكان متعصباً له بعد أن تفقَّه في المذهب المالكي . وسمع في بغداد ودمشق والموصل وغيرها ، ويبدو أنه رحل إلى المشرق ولقي كثيراً من العلماء فيه ، وقد دخل حلب في نهاية رحلته ، وعاصر فتح المقدس على يد صلاح الدين عام /583هـ/ ، وشهد حكم ولديه الملك الظاهر غازي والملك الأفضل ، وأخيراً الملك العزيز محمد صاحب حلب . له فهرسة حافلة أفرد فيها روايته بالأندلس من رواياته بالمشرق ، وقد فاق أهل زمانه في معرفة النبات ، وقعد في دكّان لبيعه ، نزل حلب مدّة ثم عاد إلى وطنه ، وتوفي بإشبيلية سنة /637هـ/ .
أما أبو الوليد ، ابن الجنان ، محمد بن المشرف بن الكاتب أبي بكر ابن العالم الجليل أبي العلاء ابن الجنان الكناني الشاطبي ، الملقَّب بفخر الدين في المشرق . وُلد سنة /615هـ/ بشاطبة ، وقد ذكر ابن سعيد أن آباءه (( توارثوا بشاطبة مراتب تحسدها النجوم الثاقبة ، وأبو الوليد أشعرهم ، وقد تجدد به في أقطاع المشرق مفخرهم )) . وقد قصد أئمَّة النحويين ، ورتَّب في شعراء الملك الناصر صاحب الشام . وله مقطّعات غزلية سارت على الألسنة ، صحب ابن سعيد بمصر ودمشق وحلب ، وكانا يتبادلان الرسائل والشعر . كان عالماً ، فاضلاً ، دمث الأخلاق ، كريم الشمائل ، له مشاركة في علوم كثيرة ، وشعره رقيق . يقول في الغزل :
أَنا مِن سُكرِ هَواهُم ثَمِلُ
فَبِشعري وَحَديثي فِيهُمُ
لا تَظُنُّوا أَنَّني أَسلو فَما
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


لا أُبالي هَجَروا أَم وَصَلوا
زَمزَمَ الحادي وسارَ المَثَلُ
مَذهَبي عَن حُبِّكُم يَنتَقِلُ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


وله في وصف الخمرة :
إن تِهْتَ بالشمس يا أفْقَ السماءِ فلي
قمِ اسقنيها وثغرُ الصبح مبتسمٌ
والسُّحْبُ قد لبست سودَ الثِّيابِ وقد
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


شمسان : وجهُ نديمي وابنةُ العِنَبِ
والليل تبكيه عين البدرِ بالشُّهُبِ
قامت لترثيه الأطيار في القُضُبِ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


توفي في دمشق ، ودفن بسفح قاسيون ، وأغلب الظن أن وفاته كانت بعد النصف الأول من القرن السابع الهجري .
ومن المعاصرين له أبو عبد الله ، محمد بن سراقة الشاطبي ، المالكي ، الذي وُلد بشاطبة عام /592هـ/ ، ورحل في طلب الحديث ، فسمع ببغداد من الشيخ السهروردي والدينوري ، وسمع بحلب مـن ابن شداد وغيره ، وتولّى مشيخة دار الحديث الببهادية بحلب ، ثم قدم مصر وتولّى مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة ، وبقي بها إلى أن توفي عام /663هـ/ . وهو أحد الأئمة المشهورين بغزارة الفضل وكثرة العلم والجلالة والنبل ، وهو أحد المشايخ الصوفية ، اتَّصف بالدين والعفاف والبشر والوقار والمعرفة الجيِّدة بمعاني الشعر ، وكان صالح الفكرة في جلِّ التراجم ، مع ما جبل عليه من كرم الأخلاق واطّراح التكلُّف ورقّة الطبع ولين الجانب . ومن شعره قوله :
إلى كَمْ أمنِّي النفسَ ما لا تنالُهُ فيذهب عمرٌ والأمانِيُّ لا تُقضى
وقوله :
نصِبْتُ ومثلي للمكارم ينصبُ
وحاولت إحياء النفوس بأسرها
مرادي شيءٌ والمقادير غيره
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


ورُمْتُ شروق الشَّمس وهي تغرِّبُ
وقد غرغرت يا بُعْدَ ما أنا أطلبُ
ومن عاند الأقدار لا شكَّ يُغْلَبُ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


وفي القرن التاسع الهجري نقع على ترجمة لمحمد بن يحيى اللبسي ، الذي ولي قضاء المالكية بحماة ، وسار سيرة حسنة ، ثم حنق على نائبها في بعض الأمور فسافر إلى حلب مدّعياً أنَّه يريد السماع على بعض علمائها . وصفه ابن حجر بقوله: الشيخ الإمام العالم العلاّمة في الفنون ، قاضي الجماعة . وقال أيضاً : إنه إنسان حسن ، إمام في علومٍ منها الفقه والنحو وأصول الدين ، يستحضر علوماً كأنها بين عينيه ، وهو علامة دهره ، وخلاصة عصره ، وعين زمانه . توفي سنة /884هـ/ .
أما النحاة الأندلسيون فكان لهم حضور واسع ، وأثر كبير في تدرس علم النحو وتطوُّره في حلب ..
وقد تركوا جميعاً بصمةً قويةً واضحةً ، وربَّما كان ذلك لأنهم جميعاً من الأئمة النابهين في هذا المجال.
ومنهم أبو الحسن ، ابن خروف ، علي بن محمد بن يوسف بن خروف ، القيسي ، القرطبي ، القيذاقي ، كان إماماً في العربية ، محقِّقاً مدقِّقاً ماهراً ، عارفاً مشاركاً في علم الأصول . مدح الملوك والوزراء في بلاد المغرب ولكنَّه لم يجد عندهم ما كان يصبو إليه . وممن مدح الكاتب محمد بن عيّاش فلم يرضه ما أعطاه إياه ، فاغتاظ وردّه وقال في ذلك :
مدحت ابن عياش فجدد لي الذي
وأصبحت أسمو للمشارق طالعاً
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


حباني به ما قد تناسيت من كربي
لأنِّي رأيت الشمس تنحط في الغربِ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


رحل من إشبيلية ، فحجّ ، وجاور بالقدس ، ثم عاد إلى قرطبة ، وفي رحلته الثانية استوطن حلب ، وفيها توفّي عندما تردّى في جب طام عام /609هـ/ .
له مؤلفات في النحو ، منها : شرح لكتاب سيبويه ، جليل الفائدة ، وشرح جمل الزجاجي ، وله كتاب في الفرائض . وقد أقرأ النحو في بلاد عديدة .
وهو إلى جانب إتقانه علوم النحو شـاعر مشهور ، مدح الملك الأفضل والملك الظاهر ، ابني صلاح الدين ، وكان يتردد أيضاً بين حلب والموصل ، يمدح الظاهر بن صلاح الدين ونور الدين أرسلان شاه . كان شاعراً مجيداً ، بارع التشبيهات ، نبيل المقاصد ، ولا سيَّما في المقطّعات ، يقول في رسالة إلى القاضي بهاء الدين ابن شداد ( ت : 632هـ ) يستجديه فروة :
بهاء الدين والدّنيا
طلبت مخافة الأنوا
وفضلك عالم أني
حلبت الدهرَ أشطرَهُ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


ونور المجد والحسبِ
ء من جدواك جلد أبي
خروف بارع الأدبِ
وفي حلبٍ صفا حلبي
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


ومن شعره في مليحٍ حبسه القاضي :
أقاضي المسلمين حكمتَ حكماً
حبستَ على الدَّراهم ذا جَمالٍ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


أتى وجه الزمان به عبوسا
ولم تحبسه إذ سلَبَ النُّفوسا
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


اتصل بقاضي حلب ابن شداد ، وبقاضي القضاة محيي الدين ، الذي أسند إليه الإشراف على مارستان نور الدين .
وكان ابن خروف ذا دعابة وظرف ومرح ، حتى في أمور حياته الجادة . ولكنَّ هذا الظُّرْف سرعان ما يفارقه وهو يمدح ملكاً أو وجيهاً ، فيلتزم الجدّ والرصانة والجزالية في شعره .
أما أبو عبد الله ، جمال الدين ، محمد بن عبد الله بن مالك الجياني ، فقد نزل دمشق ، وسمع على علماء النحاة وأئمتهم ، ثم رحل إلى حلب وتصدَّر لإقراء العربية فيها ، وجالس ابن يعيش ، وتلميذه ابن عمرون ، وغيرهما . وهو الإمام العلامة الأوحد الطائي الجيّاني المالكي النحوي ، صرف همّته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية ، وكان إماماً في القراءات وعالماً بها ، وأما اللغة فكان إليه المنتهى فيها . أما النحو والصرف فكان فيهما بحراً لا يُشَقُّ لجّه ، وأما اطلاعه على أشعار العرب التي يستشهد بها على النحو واللغة فكان أمراً عجيباً . وأما الاطلاع على الحديث فكان فيه آية ، مع ما هو عليه من الدين والعبادة ، وصدق اللهجة ، وكثرة النوافل ، وكمال العقل .
أقام بدمشق مدة يصنِّف ويشتغل بالجامع وبالتربة العادلية ، وكان قاضي القضاة ابن خلِّكان يشيعه منها إلى بيته تعظيماً له . تصدَّر بحلب مدة ، وأمَّ بالسلطانية ، ثم تحوَّل إلى دمشق ، وتكاثر عليه الطلبة ، كما تصدَّر بحماة مدّة .
وهو صاحب الألفية المشهورة ، وصار يُضرب به المثل في دقائق النحو وغوامض الصرف وغريب اللغات وأشعار العرب ، مع الحفظ والذكاء والورع والديانة ، وحسن السمت والصيانة ، والتحري لما ينقله والتحرير فيه ، وكان ذا انتصاب للإفادة ، وصبر على المطالعة الكثيرة ، تخرج به أئمَّة ذلك الزمان ، وسارت بتصانيفه الركبان ، وخضع عله العلماء والأعيان .. له شعر ومؤلفات كثيرة ، توفي سنة /672هـ/ .
ومن النحاة البارزين شهاب الدين ، أحمد بن عبد الله بن مهاجر ، الوادي آشي ، فقد رحل إلى المشرق ، وسكن طرابلس الشام ، ثم انتقل إلى حلب وأقام بها ، وصار من العدول المبرّزين في العدالة بحلب ، يعرف النحو والعروض ، ويشتغل فيهما . صاحب قاضي القضاة ابن العديم ، والتقى به الصفدي في حلب أيام إقامته بها سنة /723هـ/ ، وتبادلا الشعر والرسائل .
يقول الصفدي : إنه كان حسن التودد ، وقد أنشده لنفسه قوله :
ما لاح في درعٍ يصول بسيفه
إلا حسبتَ البحر مدَّ بِجدولٍ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


والوجه منه يضئ تحت المغفرِ
والشمسُ تحت سحائبٍ من عنبرِ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


وله في مدح قاضي القضاة ، كمال الدين ابن الزملكاني في حلب قوله :
من مخبرٌ عنِّيَ الشهباءَ أنَّ كما
وأنَّ تقليده الزاهي وخلعتَهُ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


لَ الدِّين قد شيّدت فيها مقاصره
التي تطرّز عطفيها مآثره
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


وقد خَمَّسَ لامية العجم مدحاً في رسول الله صلى الله عليه وسلم .
لم تذكر المصادر سنة ولادته أو وفاته ، ويبقى من أعلام النحو في القرن الثامن الهجري ، فقد عاصر سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون .
ومن النحاة المشهورين الصديقان : أبو جعفر الغرناطي ، وابن جابر الأندلسي ، اللذين أقاما مدة طويلة في حلب ، وتركا فيها أثراً كبيراً .. وهما المعروفان بالأعمى والبصير ، ونبدأ بـ :
أبي جعفر ، أحمد بن يوسف الرعيني الغرناطي الأندلسي ، الملقَّب بشهاب الدين ، رحل إلى المشرق بصحبة صديقه ابن جابر ، ونزلا القاهرة ، واجتمعا بالشيخ ابن حيّان ، ثم قدما دمشق وحلب ، ورحلا إلى ماردين ، ثم رجعا إلى حلب ، ثم حجّا من حلب مراراً ، وجاورا وأسمعا بها .
وقبل موتهما افترقا عندما تزوّج أبو عبد الله بإلبيرة على شاطئ الفرات ، وبقي أبو جعفر في حلب ، وتوفي فيها سنة /779هـ/ ، فرثاه ابن جابر بقصيدة طويلة منها :
لقد عزَّ مفقود وجلَّ مصابُ
مصابٌ لعمري ما أصيب بمثله
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


فللخدِّ من جمر الدموع خضابُ
ولا أنا فيما بعد ذاك أُصابُ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


كتب أبو جعفر نسخة من البخاري في ثلاثين مجلداً ، وكذا نسخة من صحيح مسلم . وبعض هذين الكتابين موجود في حلب . أقام في حلب نحو ثلاثين سنة ، وكان عارفاً بالنحو وفنون اللسان ، مقتدراً على النظم والنثر ، ديِّناً حسن الخلق ، كثير التآليف في العربية وغيرها ، حسن الخط . لم تنسه إقامته الطويلة في حلب وطنه ، فقد كان يأمل بالعودة إليه ، وإلى السبيكة في غرناطة ، موطن الصبا والشباب .. التي لم يخبُ ألقها في خياله أبداً . يقول :
ولَمّا وقفنا للوداع وقد بدتْ
نظرتُ فألفَيْتُ السبيكةَ فضةً
فلَمّا كستها الشمس عاد لُجَيْنُها
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


قبابٌ بنجدٍ قد علت ذلك الوادي
لِحسن بياض الزَّهر في ذلك النادي
لَها ذهباً ، فاعجَبْ لإكسيرها البادي
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


ويقول أيضاً :
ما هبَّ من نحو السَّبيكة بارقٌ والله ما اخترتُ الفراقَ لربعها
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


إلاّ غدا شوقي لقلبي شابكا
لكنْ قضاءُ الله أوجب ذلكا
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


ويتشوّق إلى حمراء غرناطة فيقول :
دامت على الحمراء حمر مدامعي
طال المدى بي عنهمُ ولربَّما
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


والقلب فيما بين ذلك ذائبُ
عاد من بعد الإطالة غائبُ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


ولأبي جعفر في الغزل :
منازل سلمى إن خلت فلطالَما
رسائل شوقي كلّ يوم تزورها
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


بها عمرت في القلب منِّي المنازلُ
وما ضُيِّعتْ عند الكرام الرسائلُ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


وكذلك له دعوة إلى العزلة عن الناس وعدم مخالطتهم في قوله :
خلِّ الأنامَ ولا تخالطْ منهمُ
إنَّ الموفَّق مَنْ يكون كأنّه
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


أحداً ولو أصفى إليك ضمائرَهْ
متقاربٌ فهو الوحيد بدائرَهْ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


وله أبيات ينصح فيها المذنب ألا يقنط مهما كانت ذنوبه كثيرة :
لا يُقْنِطَنَّكَ ذنبٌ
فالله قد قال قولاً
نبِّئْ عبادي أنّي
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


قد كانَ منك ، عظيمُ
وهو الجوادُ الكريمُ
أنا الغفورُ الرحيمُ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


بل إن أبا جعفر يتناول في شعره بعض القضايا الصوفية ، من مثل القول : إن الرسول صلى الله عليه وسلم أوّل الخلق ، وأول الرسل ، وهي فكرة مختلف حولها . يقول :
يا أولاً في المرسلين وآخراً
مِنْ قبل آدمَ قد جُعلتَ نبيَّهُ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


الله خصَّكَ بالكمال ليرضِيَكْ
قدماً فقدَّمك الإلهُ ليُعْلِيَكْ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


أما أبو عبد الله ، محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي ، الهواري المريي المالكي الضرير ، فقد رحل مع رفيقه الشيخ أبي جعفر ، ووفد على دمشق ، وسمع بها على اشياخ عصره ، ثم توجّه إلى حلب سنة /743هـ/ . قرأ القرآن والنحو على ابن يعيش ، وفِقْهَ مالك على ابن سعيد الرندي ، وسمع بحلب وحدّث بها ، وكان إماماً عالماً فاضلاً بارعاً نحويّاً أديباً ، له النظم والنثر البديعان ، وألَّف وجمع ونظم ( حلة السيرا في مدح خير الورى ) ، المعروفة بالبديعة ، أو ( بديعة العميان ) ، وأتى فيها بأنواع من البديع ، ومطلعها :
بِطَيبَةَ انـزِل وَيَمِّم سَيّـِدَ الأُمَمِ وَانشُر لَهُ المَدحَ وَاِنثُر أَطيَبَ الكَلِمِ
كان أمّةً في النحو ، حتى شغل الطلبة بحلب ، واشتغل عليه بها غالب أولاد الحلبيين ، وانتفعوا به وبصاحبه في النحو والأدب ، وإليهما نُسب مسجد طغرل ، الذي عرف بمسجد النحاة في حلب . انتقل ابن جابر إلى إلبيرة ، فسكنها مدة قبل أن يتوفى بها . له مؤلفات كثيرة ، منها : ( شرح ألفية ابن مالك ) ، وكتاب ( نسيم الصبا ) . نسب إليه بعض الباحثين اختراع البديعيات بعد أن افتتن بقصيدة البردة ، فشغل نفسه بمعارضتها ، ودفعته إلى ابتكار البديعيات
له نظم رائع في أغراض مختلفة ، فمن تشوُّقه إلى وطنه قوله :
لله عيشٌ بالمريّة قد ذهبْ
وهَبَتْ لنا تلك اللّيالي مدةً
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


أخباره بالحُسْنِ تُكتب بالذهبْ
ثم استردَّ الدهر منّا ما وَهَبْ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


وقوله :
ذكـر الله بالمريَّـة عيشـاً لستُ عن ذكرِهِ الجميلِ أحولُ
ومن معانيه الجديدة في الغزل قوله :
فقلت : أليس القلبُ عندَكِ حاصلاً
فقلت : اجعليني من عبيدِكِ في الهوى
إذا شئتَ أن أرضاك عبداً فمُتْ جوًى
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


فقالت : قلوبُ الناس كلِّهِمُ عندي
فقالت : كفاني كم لِحُسْنِيَ من عَبْدِ
ولا تشتكي واصبر على ألَمِ الصَّدِّ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


أما في الشكوى من قلة الوفاء وافتقاد الصديق المخلص فقوله :
إنّي سئمتُ من الزمانِ لطولِ ما
ومن النوادرِ في زمانك أن ترى
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


قد صدَّ عن حسن الوفاء رجالَهُ
خِلاًّ حَمدْتَ ودادَهُ وخلالَهُ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


وله أمداح نبوية كثيرة في غاية الإجادة .
وقد رأى بعض الباحثين أن ابن جابر من الذين حاولوا التجديد في الأوزان ، من مثل قوله :
يرْنُو بطَرفٍ فاترِ
يهْفو كغصنٍ ناضرِ
لوْ كانَ يوماً زائري
أَنزلتهُ في ناظرِي
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


مَهما رَنَا=فهوَ المنَى=لا أنتهي عن حبِّهِ
حلو الجنَى=يشفي الضنَى=لا صبرَ لي عن قرْبِهِ
زالَ العنَا=يحلو لنَا=في الحبِّ أن نسمى بهِ
لَمَّا دنَا=قدْ سرَّنا=إِذا لمْ يَحُلْ عن صَبِّهِ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


فهذه الأبيات يمكن أن تُقرأ على أربعة أوجه ، فهي من الرجز المجزوء ، وإذا حذفنا أعجازها صارت من الرجز المشطور ، وإذا حذفنا منها ( مهما دنا ) وما يوازيها من الأسباب صارت من الرجز المنهوك(<!--[if !supportFootnotes]-->[2]<!--[endif]-->).
أمّا الشعراء فأقدم من دخل حلب منهم بحسب المصادر ، أبو بكر محمد بن القاسم ، المقلب بغشكنهادة الحِجاري . وقد قدم إلى المشرق فجال في العراق ، واجتاز بحلب ، فأقام فيها ، ولم يطب له هذا المقام ، فأنشد متشوقاً إلى وطنه ، نادماً على مفارقته ، قائلاً :
أين أقصى الغرب من أرض حلبْ
حنَّ من شوقٍ إلى أوطانِهِ
جال في الأرض لجاجاً حائراً
كلُّ مَنْ يلقاه لا يعرفُهُ
لَهْفَ نفسي أينَ هاتيك العلا
والذي قد كان ذُخْراً وبِهِ
صار لي أبخسَ ما أعددتُهُ
يا أحبّايَ اسمعوا بعضَ الَّذي
ولتكن زجراً لكم عن غربةٍ
ولئن قاسيتُ ما قاسيتُهُ
ولقد أُخْبِرُكُمْ أن ألتقي
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


أملٌ في الغرب موصول التّعبْ
مَنْ جفاه صبره لَمّا اغتربْ
بين شوقٍ وعناءٍ ونَصَبْ
مستغيثاً بين عُجْمٍ وعَرَبْ
وا ضياعاه ويا غُبْنَ الحَسَبْ
أرتجي المالَ وإدراكَ الرُّتَبْ
بين قومٍ ما دَرَوْا طعمَ الأدبْ
يتلقّاه الطَّريدُ المغترِبْ
يرجع الرأس لديها كالذَّنَبْ
فبما أبصرَ لحظي من عَجَبْ
بكمُ حتى تقولوا : قد كَذَبْ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


ويبدو أنَّ أحاسيس الشاعر المرهفة ، وعدم قدرته على التكيُّف ، وشوقه المضطرم إلى بلاده ، أمور جعلته يرفض الغربة أينما كانت . فعندما اجتاز بدمشق قال أيضاً :
دمشقٌ جنّة الدنيا حقيقاً
بِها قومٌ لهم عَدَدٌ ومَجْدٌ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


ولكنْ ليس تصلح للغريبِ
وصحبتهم تؤول إلى حُروبِ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


وهذا ما يفسر هدوء نفسه ، وسعادته البالغة ، عندما عاد إلى بلاده ، ونزل بدانية ضيفاً على حاكمها مجاهد العامري . يقول :
وكم قد لقيت الجَهْدَ قبل مجاهدٍ
ولاقيتُ من دهري وصرفِ خطوبِهِ
فلا تسألوني عن فراق جهنَّمٍ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


وكم أبصرتْ عيني وكم سَمعتْ أذني
كما جرتِ النَّكباءُ في معطفِ الغُصْنِ
ولكن سلوني عن دخولي إلى عَدْنِ
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->


لقد سكنت نفسه وهدأت روحه في وطنه الأندلس ، رغم ما عُرف عن مجاهد العامري من زهد في الشعر وتضييق على الشعراء ، حتى (( أقصر الشعراء لذلك عن مدحه ، وخلا الشعر من ذكره ))
ولم تذكر المصادر تاريخ ولادته أو وفاته ، ولكنّنا نرجّح أنه قام بهذه الرحلة إلى المشرق بين عامي (418-425هـ ) تقريباً ، لأنه كما يقول المقري : (( ارتحل إلى المشرق لما نبت به حضرة قرطبة عند تقلُّب دولها ، وتحوُّل ملوكها وخولها .. )) ، أي رحل في عهد الفتنة البربرية ، هرباً من أهوالها ، ينشد الأمن والاستقرار . ولكنه ما لبث أن رأى أن الضرب والطعن اللذين هرب منهما في بلاده أهنأ بكثير من مرارة الغربة وقسوتها ، فقال :
واحملوا طعنـاً وضربـاً دائماً فهو عندي بين قومي كالضَّرَبْ
وعاد إلى بلاده ، وأصبح من شعراء بلاط مجاهد العامري حاكم دانية ، الذي حكم بين عام ( 400-436هـ ) ، فإذا قدّرنا أنّه رحل قبل انتهاء الفتنة سنة /418هـ/ وعاد سريعاً لأنه لم يستطب الإقامة ، فلا بد أن رحلته من الأندلس إلى العراق ثم دمشق وحلب وطريق عودته يحتاج إلى وقت مناسب ، والعودة قد تكون قريبة من عام /425هـ/ ، حين كان مجاهد العامري ما يزال بحكم دانية ، وبذلك يكون معاصراً لأبي الوليد الباجي . ولعلَّه من الصعب أن نلمس أثره في الحركة الأدبية في حلب ، لضآلة الأخبار ، وقصر مدة الإقامة ، كغيره من الأعلام .

موقع ومنتديات نادي الاتحاد الحلبي - نادي الإتحاد الحلبي السوري Al Ittihad of Aleppo syria - عشاق حلب الأهلي مدينة حلب الشهباء

رد مع اقتباس