عرض مشاركة واحدة

نادي الإتحاد الحلبي السوري

كُتب : [ 06-05-2011 - 04:32 ]
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية احمد الحلبي
 
احمد الحلبي
أهلاوي مميز

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

       
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road
مئة أوائل من حلب ـ أوائل و أعلام ـ معالم أثرية

مع شعاع الأزل ، عندما تصاعدت ترانيم الأفلاكتؤذن بانبلاج الوجود،وتهامست قطرات الطلِّ جذلى مع تباشير الخلود ، انتظم من أبجدية الكون حرفا الحب ، وكان ثمة هيام،ومن الهيام تسامٍ، ومن التسامي العروج. فيا أيتها اللام الموحدة الحقي بالملأ الأعلى ، وكوني برزخاً بين الوهج والرماد، واقتربـي قاب قوسين أو أدنى من ضفاف الأبد ، وهناك ابتردي بكوثر الخلود ، وقرّي عيناً بدمعة الوجد ؛ فقد ائتلفت حلب من موسيقا الفلك بحب الألوهة وألوهة الحب ، فكان لها من قدس الأبجدية الحاء، وكان لها من قدس الألوهة اللام ، والباء ! أما الباء فمن قدس الحب ، وهكذا ، كانت حلب تنطوي على نفسها مع الحاء ، ثم تنبجس إلى قبة الفلك مع اللام، ثم تلوذ بحمى القلب مع الباء .
2 تلك هي حلب منذ صاغتها يد الله أنغاماً من حجر أشهب تنساب من سدرة المنتهى على إيقاع الجلال ، قتنعقد قلعةً شماء لا تفتأ ترنو إلى الأزل ، وينبوعاً من نور لايني يتدفق إلى الأبد ، وبينهما الظلال ريّا بألوان الجمال في المكان والزمان ، صيرورةلا تنتقل من وجود إلى عدم، وإنما تنتقل من وجود إلى وجود ؛ فهي أبداً جوهر الجمال تتقلب عليه أعراض الصور .
2 أي عذراء الدهر ! ما أكثر ما تحنو ضفائرك على قلوب الخاشعين ، ويفغم شميم عطرك أرواح العاشقين ، وتلوذ بحناياك بصائر الواصلين !؟ أما أومضتفي جنباتك إشراقات«سهرورد» وأخلدت إلى حُورك إيماءات نسيميّ !؟ أما انطوت صم صخورك على سلسبيل العشق ، وحكت أنداء أزهارك مواجيدالعنادل ؟! وروي العطاش من ريّاك على رقصات السماح ! أين في غير رحابك تتمايل القدود على همسات الشوق في ضوء القمر! وأين في غير لياليك يغدو جوى العود حزناً مفعماً بالنشوة!؟ وأين.. أين في غير قبابك تُسمع ترانيم الأفلاك .
2 ذلك هو إذن مغزى الزمان في مغاني حلب ينبىء بزهو الوجود ، فها هنا ولد ، وعلى وهادها وإكامها درج ، وفي زواياها ومحاربيها نشأ ، وما تزال أصداؤه تتردد في كل نغمة حجر ، أو ومضة فكر ، وما يزال ابن حلب منذ شاء له الله أن يميط اللثام عن وجه الوجود يدرك كل يوم من أسرار الإبداع ما لا يُدرك ، ويبدد من حجب النور ما لا ُيبدد ؛ فيد الله لم تزل تندى ها هنا برؤى الجمال والجلال، وابن حلب لم يزل ينقش هذه الرؤى لوناً ولحناً، وحرفاً وأدباً، ونسجاً وحجراً، وكأنه يتبع في ذلك نداً علوياً يتنزل على قلبه أبداً.
2 ومن هؤلاء النقاشين البررة الذين أبصروا نور الحياة في مغاني الجمال بين قلعة حلب وسورها ، المؤرخ عامر رشيد مبيض صاحب هذا السفر الجليل الذي راعه أن تتبدد هذه الرؤى شيئاً فشيئاً قبل أن تنقشها يده الصناع في نسيج الزمان ، فما هو إلا أن تجرد للنقش حرفاً حرفاً ، وصِبغاً صبغاً ، يحدوه عشق غامر لا يُدرك لوعته إلا خُلَّص الواصلين ، ولا ينقع غلته إلا وجد الواجدين ؛ كأنه في حال الذكر أو مقام التسبيح .
2 أسديٌّ آخر هو يبحث عن الحقيقة كأنها « عنقاء »العطار في منطق الطير لا يفتأ يسعى إليها دهره ، حتى إذا أدركها أبصر صورتهفي المرآة : لقد كانت في عينيه نوراً ، وفي قلبه إلهاماً ، وفي روحه عشقاً ، وما كان له أن يرسم ملامحها لولا أنها رسمت ملامحه .
2 كذلك إذن مضى عامر يمسح بيديه الطهورين ما ران من غبار الزمان على وجه حلب الجميل ، سواء منه ما كان فكراً يتسامى في روح مبدع، أو زخرفاً يتهامس في يدي فنان ، أو صرحاً يتشامخ في مخيلة مهندس، فإذا بهذا الوجه يشرق مثلما أشرق مع تنزلات الوجود الأول ، وإذا بيد عامر مبيض ترهف مع كل حرف .
2 ماذا أقول بعد ؟ هل أثني على إحاطة عامر مبيض ، أو دأبه ، أو ذوقه ، أو لغته، أو اختياره ، أو فنه ؟ حتى إذا قدَّرت هذا كله ، أبصرت فيه قبل هذا كله ، وبعد هذا كله عشقه الفريد الظامىء أبداً إلى الحقيقة، فطوبى للعشاق يقفون ما يقفون أمام تسابيح الجمال في حلب حيارى ذاهلين ، وطوبى لحلب تشغف بها ما تشغف قلوب العاشقين الخالدين .

رد مع اقتباس