نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 07-05-2011 - 07:16 ]
 رقم المشاركة : ( 89 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وساء تدبير الملك رضوان فأطلق العوام ألسنتهم بالسب له وتعييبه، وتحدثوا بذلك فيما بينهم، فاشتد خوفه من الرعية أن يسلموا البلدة وترك الركوب بينهم. وصفر إنسان من السور فأمر به فضربت عنقه ونزع رجل ثوبه ورماه إلى آخر. فأمر به فألقي من السور إلى أسفل، فعاث العسكر فيما بقي سالماً ببلد حلب بعد نهب الفرنج له وسبيهم أهله.
وبث رضوان الحرامية يتخطف من ينفرد من العساكر فيأخذونه، فرحلوا إلى معرة النعمان في آخر صفر من سنة خمس وخمسمائة، وأقاموا عليها أياماً ووجدوا حولها ما ملأ صدورهم مما يحتاجون إليه من الغلات وما عجزوا عن حمله.
وكان أتابك طغتكين قد حصل معهم، فراسل رضوان بعضهم حتى أفسد ما بينه وبينهم، فظهر لأتابك منهم الوحشة، فصار في جملة مودود صاحب الموصل، وثبت له مودود، ووفى له وحمل لهم أتابك هدايا وتحفاً من متاع مصر، وعرض عليهم المسير إلى طرابلس والمعونة لهم بالأموال، فلم يعرجوا، وسار أحمديل وبرسق بن برسق عسكر سكمان نحو الفرات، وبقي مودود مع أتابك، فرحلا من المعرة إلى العاصي فنزلا على الجلالي.
فنزل الفرنج أفامية: بغدوين وطنكريد وابن صنجيل، وساروا لقصد المسلمين، فخرج أبو العساكر بن منقذ من شيزر بعسكره وأهله، واجتمعوا بمودود أتابك وساروا إليهم.
ونزلوا قبلي شيزر والفرنج شمالي تل ابن معشر، ودارت خيول المسلمين حولهم ومنعوهم الماء، والأتراك حول الشرائع بالقسي تمنعهم الورد، فأصبحوا، هاربين سائرين، يحمي بعضهم بعضاً.
الخجندي والباطنية
ووصل إلى حلب في هذه السنة في شهر ربيع الأول من سنة خمس خمسمائة، رجل فقيه تاجر كبير يقال له أبو حرب عيسى بن زيد بن محمد خجندي، ومعه خمسمائة حمل عليها أصناف التجارات، وكان شديداً على الباطنية أنفق أموالاً جليلة على من يقاتلهم، وكان قد صحبه من خراسان باطني يقال له أحمد ابن نصر الرازي وكان أخوه قد قتله رجال الخجندي.
فدخل أحمد إلى حلب، ومضى إلى أبي طاهر الصائغ العجمي رئيس الباطنية حلب، وكان متمكناً من رضوان، فصعد إلى رضوان، وأطمعه في مال الفقيه أبي حرب، وأراه أنه بريء من التهمة في شأنه، إذ هو معروف بعداوة الباطنية.
فطمع رضوان في ماله وطار فرحاً، وبعث غلماناً له يتوكلون به، وسير أبو طاهر الباطني معه جماعة من أصحابه، فبينا أبو حرب الخجندي في غلمان له يستعرض أحماله وحوله جماعة من مماليكه وخدمه إذ هجم عليه أحمد بن نصر الرازي في جماعة من أصحاب أبي طاهر الباطني، فقال لغلمانه: أليس هذا رفيقنا، فقالوا: هو هو. فوقعوا عليه فقتلوه.
وقتل الجماعة الذين معه من أصحاب أبي طاهر الباطني العجمي بأسرهم، ثم قال أبو حرب: الغياث بالله من هذا الباطني الغادر، أمنا المخاوف ورآنا إلى أن جئنا إلى الأمنة، فبعث علينا من يقتلنا.
فأخبر رضوان بذلك فأبلس، وصار السنة والشيعة إلى هذا الرجل، وأظهروا إنكار ما تم عليه وعبث أحداثهم بجماعة من أحداث الباطنية فقتلوهم، ولم يتجاسر رضوان على إنكار ذلك.
وكاتب الفقيه أبو حرب أتابك طغتكين وغيره من ملوك الإسلام فتوافت رسلهم إلى رضوان ينكرون عليه، فأنكر وحلف أنه لم يكن له في هذا الرجل نية.
وخرج الرجل عن حلب مع الرسل فعاد إلى بلده، ومكث الناس يتحدثون بما جرى على الرجل ونقص في أعين الناس، فتوثبوا على الباطنية من ذلك اليوم.
نهاية رضوان
ثم إن رضوان حين ضعف أمره بحلب رأى أن يستميل طغتكين أتابك إليه ويستصلحه، فاستدعاه إلى حلب عندما أراد أن ينزل طنكريد على قلعة عزاز، وبذل له رضوان مقاطعة حلب عشرين آلف دينار وخيلاً وغير ذلك، فامتنع طنكريد من ذلك، فوصل طغتكين أتابك، وتعاهدا على مساعدة كل منهما لصاحبه بالمال والرجال.
واستقر الأمر على أن أقام طغتكين الدعوة والسكة لرضوان بدمشق، فلم يظهر منه بعد ذلك الوفاء بما تعاهدا عليه.
ومات طنكريد في سنة ست وخمسمائة، واستخلف ابن أخته روجار وأدى إليه رضوان ما كان يأخذه منه طنكريد وهو عشرة آلاف دينار.

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 07-05-2011 - 07:17 ]
 رقم المشاركة : ( 90 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

ووصل مودود إلى الشام، واتفق مع طغتكين على الجهاد، وطلب نجدة من الملك رضوان فتأخرت إلى أن اتفق للمسلمين وقعة استظهروا فيها على الفرنج،، ووصل عقيبها نجدة للمسلمين من رضوان، دون المائة فارس، وخالف فيما كان قرره ووعد به، فأنكر أتابك ذلك، وتقدم بإبطال الدعوة والسكة باسم رضوان من دمشق في أول ربيع الأول من سنة سبع وخمسمائة.
وكان رضوان يحب المال، ولا تسمح نفسه بإخراجه حتى كان أمراؤه وكتابه ينبزونه بأبي حبة، وهو الذي أفسد أحواله وأضعف أمره.
ومرض رضوان بحلب مرضاً حاداً وتوفي في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وخمسمائة . ودفن بمشهد الملك، فاضطرب أمر حلب لوفاته. وتأسف أصحابه لفقده، وقيل: إنه خلف في خزانته من العين والآلات والعروض والأواني ما يبلغ مقداره ستمائة آلف دينار.
القسم التاسع عشر
حلب وابنا رضوان
ألب أرسلان وسلطان شاه
ألب أرسلان من أخويه إلى الباطنية
وملك حلب بعده ابنه ألب أرسلان، ويعرف بالأخرس، وعمره ست عشرة سنة. وأمه بنت يغي سيان صاحب أنطاكية، وكان في كلامه حبسة وتمتمة، لذلك عرف بالأخرس، وكان متهوراً قليل العقل، ووضع عن أهل حلب ما كان والده جدده عليهم من الرسوم والمكوس.
وقبض على أخويه ملك شاه ومبارك، وكان مبارك من جارية وملك شاه من أمه، فقتلهما. وكذلك فعل أبوه رضوان بأخويه، فانظر إلى هذه المقابلة العجيبة. وقبض جماعة من خواص والده فقتل بعضهم، وأخذ أموال الآخرين.
وكان المتولي لتدبير أموره خادم لأبيه يقال له لؤلؤ اليايا، وهو الذي أنشأ خانكاه البلاط بحلب. وكان قبل وصوله إلى رضوان خادماً لتاج الروساء ابن الخلال، فدبر أسوأ تدبير مع سوء تدبيره في نفسه.
وكان أمر الباطنية قد قوي بحلب في أيام أبيه، وتابعهم خلق كثير على مذهبهم طلباً لجاههم، وصار كل من أراد أن يحمي نفسه من قتل أو ضيم التجأ إليهم.
وكان حسام الدين بن دملاج وقت وفاة رضوان بحلب، فصاروا معه، وصار إبراهيم العجمي الداعي من نوابه في حفظ المليحة بظاهر بالس.
فكتب السلطان محمد بن ملك شاه إلى ألب أرسلان وقال له: كان والدك يخالفني في الباطنية، وأنت ولدي فأحب أن تقتلهم " .
وشرع الرئيس ابن بديع متقدم الأحداث في الحديث مع ألب أرسلان في أمرهم، وقرر الأمر معه على الإيقاع بهم، والنكاية فيهم، فساعده على ذلك. فقبض على أبي طاهر الصائغ وقتله، وقتل إسماعيل الداعي وأخا الحكيم المنجم والأعيان من أهل هذا المذهب بحلب، وقبض على زهاء مائتي نفس منهم.
وحبس بعضهم واستصفى أموالهم، وشفع في بعضهبم فمنهم من أطلق ومنهم من رمي من أعلى القلعة، ومنهم من قتل. وأفلت جماعة منهم فتفرقوا في البلاد، وهرب إبراهيم الداعي من القليعة إلى شيزر، وخرج حسام الدولة بن دملاج عند القبض عليهم فمات في الرقة، وطلب الفرنج من ألب أرسلان المقاطعة التي لهم بحلب، فدفعها إليهم من ماله ولم يكلف أحداً من أهل حلب شيئاً منها.
ألب أرسلان وطغتكين
ثم إن ألب أرسلان رأى أن المملكة تحتاج إلى من يدبرها أحسن تدبير، وأشار خدمه وأصحابه عليه بأن كاتب أتابك طغتكين أمير دمشق، ورغب في استعطافه، وسأله الوصول إليه ليدبر حلب والعسكر، وينظر في مصالح دولته، فأجابه إلى ذلك، ورأى موافقته لكونه صبياً لا يخافه الكفار ولا رأي له، فدعا له على منبر دمشق بعد الدعوة للسلطان وضربت السكة باسمه، وذلك في شهر رمضان.
وأوجبت الصورة أن خرج ألب أرسلان بنفسه في خواصه، وقصد أتابك إلى دمشق ليجتمع معه، ويوكد الأمر بينه وبينه، فلقيه أتابك على مرحلتين، وأكرمه ووصل معه وأنزله بقلعة دمشق.
وبالغ في إكرامه وخدمته والوقوف على رأسه. وحمل إليه دست ذهب وطيراً مرصعاً وعدة قطع ثمينة، وعدة من الخيل، وأكرم من كان في صحبته.

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 08-05-2011 - 11:22 ]
 رقم المشاركة : ( 91 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وأقام بدمشق أياماً وسار في أول شوال عائداً إلى حلب، ومعه أتابك وعسكره، فأقام عنده أياماً واستخلص كمشتكين البعلبكي مقدم عسكره، وكان قد أشار عليه بعض أصحابه بقبضه، وقبض جماعة من أعيان عسكره وقبض الوزير أبي الفضل بن الموصول ففعل ذلك، فاستوهب أتابك منه كمشتكين فوهبه إياه. وقبض على رئيس حلب صاعد بن بديع، وكان وجيهاً عند أبيه رضوان، فصادره بعد التضييق عليه حتى ضرب نفسه في السجن بسكين ليقتل نفسه، ثم أطلقه بعد أن قرر عليه مالاً، وأخرجه وأهله من حلب، فتوجه إلى مالك بن سالم إلى قلعة جعبر.
رئاسة حلب وأمرها ومقتل ألب أرسلان
وسلم رئاسة حلب إلى إبراهيم الفراتي فتمكن ولقب ونوه باسمه، وإليه تنسب عرصة ابن الفراتي بالقرب من باب العراق بحلب. ثم رأى أتابك من سوء السيرة وفساد التدبير مع التقصير في حقه والإعراض عن مشورته ما أنكره، فعاد من حلب إلى دمشق، وخرجت معه أم الملك رضوان هرباً منه.
وساءت سيرة ألب أرسلان، وانهمك في المعاصي واغتصاب الحرم والقتل. وبلغنا أنه خرج يوماً إلى عين المباركة متنزهاً، وأخذ معه أربعين جارية، ونصب خيمة، ووطئهن كلهن.
واستولى لؤلؤ اليايا على الأمر، فصادر جماعة من المتصرفين، وأعاد الوزارة إلى أبي الفضل بن الموصول . وجمع ألب أرسلان جماعة من الأمراء، وأدخلهم إلى موضع بالقلعة شبيه بالسرداب لينظروه، فلما دخلوا إليه قال لهم. ايش تقولون في من يضرب رقابكم كلكم ههنا. فقالوا: " نحن مماليكك وبحكمك " . وأخذوا ذلك منه بطريق المزاح، وتضرعوا له حتى أخرجهم.
وكان فيهم مالك بن سالم صاحب قلعة جعبر فلما نزل سار عن حلب وتركها خوفاً على نفسه.
وخاف منه لؤلؤ اليايا فقتله بفراشه بالمركز بقلعة حلب، في شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وخمسمائة، وساعده على ذلك قراجا التركي وغيره.
سلطان شاه
ولزم لؤلؤ اليايا قلعة حلب وشمس الخواص في العسكر، ونصب لؤلؤ أخاً له صغيراً عمره ست سنين، واسمه سلطان شاه بن رضوان، وتولى لؤلؤ تدبير مملكته، وجرى على قاعدته في سوء التدبير.
وكاتب لؤلؤ ومقدمو حلب أتابك طغتكين وغيره يستدعونهم إلى حلب لدفع الفرنج عنهاً فلم يجب أحد منهم إلى ذلك. ومن العجائب أن يخطب الملوك لحلب فلا يوجد من يرغب فيها، ولا يمكنه ذب الفرنج عنها، وكان السبب في ذلك أن المقدمين كانوا يريدون بقاء الفرنج ليثبت عليهم ما هم فيه.
وقل الربيع ببلد حلب لاستيلاء الفرنج على أكثر بلدها والخوف على باقيه، وقلت الأموال واحتيج إليها لصرفها إلى الجند، فباع لؤلؤ قرى كثيرة من بلد حلب، وكان المتولي بيعها القاضي أبا غانم محمد بن هبة الله بن أبي جرادة قاضي حلب، ولولو يتولى صرف أثمانها في مصالح القلعة والجند والبلد.
حلب بين لؤلؤ والزلازل
وقبض لؤلؤ على الوزير أبي الفضل بن الموصول، واستأصل ماله، وسار إلى القلعة فأقام عند مالك بن سالم، واستوزر أبا الرجاء بن السرطان الرحبي مدة، ثم صادره وضربه، وطلب أبا الفضل بن الموصول فأعاده إلى الوزارة بحلب .
وجاءت زلزلة عظيمة ليلة الأحد ثامن وعشرين من جمادى الآخرة من سنة ثمان بحلب وحران وأنطاكية ومرعش والثغور الشامية، وسقط برج باب أنطاكية الشمالي وبعض دور العقبة وقتلت جماعة .
وخربت قلعة عزاز، وهرب واليها إلى حلب، وكان بينه وبين لؤلؤ مواحشة، فحين وصل إلى حلب قتله وأنفذ إليها من تداركها بالعمارة والترميم، وخرب شيء يسير في قلعة حلب، وخرب أكثر قلعة الأثارب وززدنا .
وقيل: إن مؤذن مسجد عزاز كان حارساً بالقلعة، فحرس ونام على برج المسجد بالقلعة، فلما جاءت الزلزلة ألقته على كتف الخندق وهو نائم لم يعلم بها، فاجتاز به جماعة فظنوه ميتاً، فأخذوا عنه اللحاف فانتبه وسألهم فأخبروه بما جرى. وصار شمس الخواص مقدم عسكر حلب، ومتولي أقطاع الجند، وكانت سيرته إذ ذاك صالحة، وكان لؤلؤ في أول أمره مقيماً بقلعة حلب لا ينزل منها ويدبر الأمور، فكتب إلى السلطان على سبيل المغالطة يبذل له تسليم حلب والخزائن التي خلفها رضوان وولده ألب أرسلان، ويطلب إنفاذ العساكر إليه.

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 08-05-2011 - 11:22 ]
 رقم المشاركة : ( 92 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

فوصل برسق بن برسق مقدم الجيوش وبكربسن وغيرهم من أمراء السلطان في سنة تسع وخمسمائة، فتغيرت نية لؤلؤ الخادم عما كان كتب به إلى السلطان، وكتب إلى أتابك طغتكين يستصرخه ويستجده، ووعده تسليم حلب إليه، وأن يعوضه طغتكين من أعمال دمشق، فبادر إلى ذلك.
ووصل حلب، والعساكر السلطانية ببالس متوجهين إلى حلب فرحلوا منها إلى المعرة، ووصلهم الخبر أن ذلك اليوم وصل أتابك إلى حلب فأعرضوا عن حلب، وساروا إلى حماة فتسلموها .
وتسلموا رفنية من أولاد علي كرد، وسلموها إلى خير خان بن قراجا، فخاف طغتكين من عساكر السلطان أن يقصد دمشق، فأخذ عسكر حلب، وشمس الخواص، وإيلغازي بن أرتق، واستنجد بصاحب أنطاكية روجار وغيره من ملوك الفرنج ونزلوا أجمعين أفامية.
خسارة المسلمين أمام الفرنج
ونزلت العساكر السلطانية أرض شيزر، وجعل أتابك يريث الفرنج عن اللقاء خوفاً من الفرنج أن يكسروا العساكر السلطانية فيأخذوا الشام جميعه، أو ينكسروا فتستولي العساكر السلطانية على ما في يده.
وخاف الفرنج وضاقت صدور أمراء عسكر السلطان من المصابرة، فرحلوا ونزلوا حصن الأكراد وأشرف على الأخذ، فاتفق أتابك والفرنج على عود كل قوم إلى بلادهم، ففعلوا ذلك.
وتوجه أتابك إلى دمشق، وعاد عسكر حلب وشمس الخواص إلى حلب، فقبض عليه لؤلؤ الخادم واعتقله فعادت عساكر السلطان حينئذ عن حصن الأكراد، وساروا إلى كفر طاب، وحصروا حصناً كان الفرنج عمروه بجامعها وأحكموه، فأخذوه وقتلوا من فيه، ورحلوا إلى معرة النعمان .
وأمن الترك وانتشروا في أعمال المعرة واشتغلوا بالشرب والنهب ووقع التحاسد فيما بينهم، ووصل رسول من بزاعا من جهة شمس الخواص يستدعيهم لتسليم بزاعا، ويقول إن شمس الخواص مقبوض عليه عند لؤلؤ الخادم، ولؤلؤ يكشف أخبار العساكر ويطالع بها الفرنج. ورحل برسق وجامدار صاحب الرحبة نحو دانيث يطلبون حلب، فنزل جامدار في بعض الضياع.
ووصل برسق بالعسكر إلى دانيث بكرة الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الآخر، والفرنج يعرفون أخبارهم ساعة فساعة، فوصلهم الفرنج، وقصدوا العسكر من ناحية جبل السماق، والعسكر على الحال التى ذكرناها من الانتشار والتفرق، فلم يكن لهم بالفرنج طاقة، فانهزموا من دانيث إلى تل السلطان.
واستتر قوم في الضياع من العسكر فنهبهم الفلاحون وأطلقوهم، وغنم أهل الضياع مما طرحوه وقت هزيمتهم ما يفوت الإحصاء، وأخذ الكفار من هذا ما يفوت الوصف، وغنموا من الكراع والسلاح والخيام والدواب وأصناف الآلات والأمتعة ما لا يحصى، ولم يقتل مقدم ولا مذكور.
وقتل من المسلمين نحو خمسمائة وأسر نحوها واجتمع العسكر على تل السلطان، ورحلوا إلى النقرة مخذولين مختلفين، ونزلوا النقرة، وكان أونبا قد طلع أصحابه إلى حصن بزاعا، وكان قد تقدم العسكر إليها، فلما بلغهم ذلك نزلوا ووصلوا إلى العسكر.
وتوجهت العساكر إلى السلطان وإلى بلادهم، ووصل طغتكين من دمشق فتسلم رفنية فمن كانوا بها، وأطلق لؤلؤ شمس الخواص من الاعتقال،وسلم إليه ما كان أقطعه من بزاعا وغيرها، فوصل إلى طغتكين فرد عليه رفنية، وعاد إلى دمشق واستصحبه معه.
نهاية لؤلؤ الخادم
وأما لؤلؤ الخادم فأنه صار بعد ملازمة القلعة ينزل منها في الأحيان ويركب، فاتفق أنه خرج في سنة عشر وخمسمائة بعسكر حلب والكتاب إلى بالس، وهو في صورة متصيد، فلما وصل إلى تحت قلعة نادر قتله الجند .
واختلف في خروجه، فقيل:أنه كان حمل مالاً إلى قلعة دوسر، وأودعه عند ابن مالك فيها، وأراد ارتجاعه منه والعود إلى حلب، وكان السلطان قد أقطع حلب والرحبة أق سنقر البرسقي، فواطأ جماعة من أصحابه على أن أظهروا مفارقته، وخدموا لؤلؤاً وصاروا من خواصه، وواطأهم على قتل لؤلؤ، وأمل أنهم إذا قتلوه تصح له أقطاع حلب فقتلوه.
وسار بعضهم إلى الرحبة فأعلمه، فأسرع أق سنقر البرسقي المسير إلى حلب من الرحبة، وانضاف بعض عسكره إلى بقية القوم الذين قتلوه، وطمعوا في أخذ حلب لأنفسهم، وساروا إليها فسبقهم ياروقتاش الخادم، أخذ خدم الملك رضوان، ودخل حلب.
(

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 08-05-2011 - 11:23 ]
 رقم المشاركة : ( 93 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وقيل: إن لؤلؤاً كان قد خاف فأخذ أمواله، وخرج طالباً بلاد الشرق للنجاة بأمواله، فلما وصل إلى قلعة نادر قال سنقر الجكرمشي: تتركونه يقتل تاج الدولة ويأخذ الأموال ويمضي، وصاح بالتركية: أرنب أرنب، فضربوه بالسهام فقتلوه.
ياروقتاش أتابك في حلب
ولما خرج عن حلب أقامت القلعة في يد آمنة خاتون بنت رضوان يومين إلى أن وصل ياروقتاش الخادم مبادراً فدخل حلب ونزل بالقصر، وأخرج بعض عسكر حلب، وأوقع بالذين قتلوا لؤلؤاً، وارتجع ما كان أخذوه من عسكر حلب. وانهزم بعض من كان في التوبة فالتقوا أق سنقر في بالس في أول محرم سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
ولم يتسهل للبرسقي ما أمل وراسل أهل حلب ومن بها في التسليم إليه فلم يجيبوه إلى ذلك.
وكاتب ياروقتاش الخادم نجم الدين إيلغازي بن أرتق ليصل من ماردين ويدفع أق سنقر، وكاتب روجار صاحب أنطاكية أيضاً فوصل إلى بلد حلب، وأخذ ما قدر عليه من أعمال الشرقية، فحينئذ أيس البرسقي من حلب، وانصرف من أرض بالس إلى حمص فأكرمه خير خان صاحبها، وسار معه إلى طغتكين إلى دمشق فأكرمه، ووعده بإنجاده على حلب.
وهادن ياروقتاش صاحب أنطاكية روجار، وحمل إليه مالاً وسلم إليه حصن القبة، ورتب مسير القوافل من حلب إلى القبلة عليه، وأن يؤخذ المكس منهم له.
ثم إن ياروقتاش طلع إلى قلعة حلب، وعزم على أن يعمل حيلة يوقها بالمقدمين ويملكها مثل لؤلؤ، فقبض عليه مقدمو القلعه بأمر بنات رضوان بعد تمام شهر من ولايته، وأخرجوه من حلب وولوا في القلعه خادماً من خدم رضوان.
ورد أمر سلطان شاه وتقدمة العسكر وتدبير الأمور إلى عارض الجيش العميد أبي المعالي المحسن بن الملحى، فدبر الأمور وساسها، وضعفت حلب وقل ارتفاعها وخربت أعمالها.
إيلغازي من حلب إلى ماردين
ووصل إيلغازي بن أرتق إلى حلب فأنزلوه في قلعة الشريف، ومنعوه من القلعة الكبيرة، واستولى على تدبير الأمور وتربيه سلطان شاه في سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وسلموا إليه بالس والقليعة.
وقبض على أبي المعالي بن الملحى، وقصر ارتفاع حلب عما يحتاج إليه إيلغازي والتركمان الذين معه، ولم ينتظم له حال. واستوحش من أهل حلب وجندها فخرج عنها إلى ماردين. وبقيت بالس والقليعة في يده، وأخرج ابن الملحى من الإعتقال وأعيد إلى تدبير الأمور.
وأفسد الجند الذين ببالس في أعمال حلب فاستدعوا الفرنج، وخرج بعض عسكر حلب ومعهم قطعة من الفرنج وحصروها، فوصل إيلغازي في جمع من التركمان إليها، فعاد عسكر حلب والفرنج عن بالس وباعها لابن مالك، وعاد إلى ماردين، وبقي تمرتاش ولده رهينة في حلب.
ووصل في هذه السنة أتابك طغتكين وأق سنقر البرسقي إلى حلب، وراسل أهلها في تسليمها فامتنعوا من إجابته، وقالوا: ما نريد أحداً من الشرق وأنفذوا واستدعوا الفرنج من أنطاكية لدفعه عنهم، فعاد أق سنقر إلى الرحبة وأتابك إلى دمشق.
بلد حلب بين الغلاء والفرنج
واشتد الغلاء بأنطاكية وحلب، لأن الزرع عرق ولحقه هواء عند إدراكه أتلفه، وهرب الفلاحون للخوف، واستدعى أهل حلب ابن قراجا من حمص، فرتب الأمور بها، وحصنها، وسار إلى حلب، ونزل في القصر خوفاً من إيلغازي لما كان بينهما. وخرج أتابك إلى حمص، ونهب أعمالها وشعثها، وأقام عليها مدة، وعاد إلى دمشق لحركة الفرنج. وخرجت قافلة من حلب إلى دمشق فيها تجار وغيرهم، وحملوا ذخائرهم وأموالهم لما قد أشرف عليه أهل حلب. فلما وصلوا إلى القبة نزل الفرنج إليه، وأخذوا منهم المكس، ثم عادوا وقبضوهم وما معهم بأسرهم، ورفعوهم إلى القبة، وحملوا الرجال والنساء بعد ذلك إلى أفامية، ومعرة النعمان، وحبسوهم ليقروا عليهم مالاً.
فراسلهم أبو المعالي بن الملحى ورغبهم في البقاء على الهدنة وأن لا ينقضوا العهد، وحمل إلى صاحب أنطاكية مالاً وهدية، فرد عليهم الأحمال والأثقال وغير ذلك، ولم يعدم منه شيء.
وقوي طمع الفرنج في حلب لعدم النجد وضعفها، وغدروا ونقضوا الهدنة، وأغاروا على بلد حلب، وأخذوا مالاً لا يحصيه إلا الله، فراسل أهل حلب أتابك طغتكين، فوعدهم بالإنجاد، فكسره جوسلين وعساكر الفرنج، وراسلوا صاحب الموصل وكان أمره مضطرباً بعد عوده من بغداد.

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 08-05-2011 - 11:24 ]
 رقم المشاركة : ( 94 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

ونزل الفرنج بعد عودهم من كسرة أتابك على عزاز، وضايقوها، وأشرفت على الأخذ، وانقطعت قلوب أهل حلب إذ لم يكن بقي لحلب معونة إلا من عزاز وبلدها وبقية بلد حلب في أيدي الفرنج، والشرقي خراب مجدب، والقوت في حلب قليل جداً، ومكوك الحنطة بدينار، وكان إذ ذاك لا يبلغ نصف مكوك بمكوك حلب الآن، وما سوى ذلك مناسب له.
القسم العشرون
حلب و إيلغازي
استدعاء إيلغازي إلى حلب
ويئس أهل حلب من نجدة تصلهم من أحد من الملوك، فاتفق رأيهم على أن سيروا الأعيان والمقدمين إلى إيلغازي بن أرتق، واستدعوه ليدفع الفرنج عنهم وظنوا أنه يصل في عسكر يفرج به عنهم، وضمنوا له مالاً يقسطونه على حلب يصرفه إلى العساكر فوصل في جند يسير والمدبر لحلب جماعة من الخدم، والقاضي أبو الفضل ابن الخشاب هو المرجوع إليه في حفظ المدينة والنظر في مصالحها فامتنع عليه البلد، واختلفت الآراء في دخوله، فعاد فلحقه القاضي أبو الفضل بن الخشاب وجماعة من المقدمين، وتلطفوا به ولم يزالوا به حتى رجع.
ووصل إلى حلب، ودخلها، وتسلم القلعة، وأخرج منها سائر الجند وأصحاب رضوان وأنزل سلطان شاه بن رضوان وبنات رضوان في دار من دور حلب.
وقبض على جماعة ممن كان يتعلق بالخدم ويخدمهم، وأخذ منهم ما كان صار إليهم من مال رضوان ومال الخدم الذين استولوا على حلب بعده.
وراسل الفرنج في مال يحمله عن عزاز ليرحلوا عنها، فلم يلتفتوا لقوة أطماعهم في أمر الإسلام، وكان إيلغازي يعجز بحلب عن قوت الدواب، وحلب على حد التلف.
فلما عرف من بعزاز ذلك ويئسوا من دفع الفرنج سلموها إلى الفرنج، وراسلهم من بحلب في صلح يستأنفونه معهم، فأجابوا إلى ذلك لطفاً من الله بهم، على أن يسلموا إلى الفرنج تل هراق ويؤدون القطيعة المستقرة على حلب عن أربعة أشهر، وهي ألف دينار، ويكون لهم من حلب شمالاً وغرباً.
وزرعوا أعمال عزاز وقووا فلاحها وعادوا إلى أنطاكية وصار يدخل إلى حلب ما يتبلغون به القوت.
وسار إيلغازي إلى الشرق ليجمع العساكر ويعود بها إلى حلب، فسار إليه أتابك طغتكين، والتقاه بقلعة دوسر، ووافقه على ذلك، وسارت الرسل إلى ملوك الشرق والتركمان يستنجدونهم.
وكان ابن بديع رئيس حلب عند ابن مالك بقلعة دوسر، فنزل إلى إيلغازي ليطلب منه العود إلى حلب، فلما صار عند الزورق ليقطع الماء إلى العسكر وثب عليه اثنان من الباطنية فضرباه عدة سكاكين، ووقع ولداه عليهما فقتلاهما، وقتل ابن بديع وأحد ولديه وجرح الآخر، وحمل إلى القلعة فوثب آخر من الباطنية وقتله، وحمل الباطني ليقتل فرمى بنفسه في الماء وغرق.
وقعة تل عفرين
وتوجه إيلغازي إلى ماردين ومعه أتابك، وراسلا من بعد وقرب من عساكر المسلمين والتركمان، فجمعا عسكراً عظيما، وتوجه إيلغازي في عسكر يزيد عن أربعين ألفاً في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وقطع الفرات من عبر بدايا وسنجة.
وامتدت عساكره في أرض تل باشر وتل خالد وما يقاربهما، يقتل وينهب ويأسر، وغنموا كل ما قدروا عليه. ووصل من رسل حلب من يستحثه على الوصول لتواصل غارات الفرنج من جهة الأثارب وأياس أهلها من أتفسهم، فسار إلى مرج دابق ثم إلى المسلمية، ثم إلى قنسرين في أواخر صفر من سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
وسارت سراياه في أعمال الروج والفرنج يقتلون ويأسرون، وأخذوا حصن قسطون في الروج، وجمع سرجال صاحب أنطاكية الفرنج والأرمن وغيرهم، وخرج إلى جسر الحديد، ثم رحلوا ونزلوا بالبلاط بين جبلين، مما يلي درب سرمداً، شمالي الأثارب، وذلك في يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الأول.
وضجر الأمراء من طول المقام، وإيلغازي ينتظر أتابك طغتكين ليصل إليه ويتفقا على ما يفعلانه، فاجتمعوا وحتوا إيلغازي على مناجزة العدو فجدد إيلغازي الأيمان على الأمراء والمقدمين أن يناصحوا في حربهم، ويصابروا في قتال العدو، وأنهم لا ينكلون ويبذلون مهجهم في الجهاد، فحلفوا على ذلك بنفوس طيبة.
وسار المسلمون جرايد، وخلفوا الخيام بقنسرين، وذلك في يوم الجمعة السادس عشر من شهر ربيع الأول، فباتوا قريباً من الفرنج وقد شرعوا في عمارة حصن مطل على تل عفرين والفرنج يتوهمون أن المسلمين ينازلون الأثارب أو زردنا، فما شعروا عند الصبح إلا ورايات المسلمين قد أقبلت، وأحاطوا بهم من كل جانب.
(

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 08-05-2011 - 11:25 ]
 رقم المشاركة : ( 95 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وأقبل القاضي أبو الفضل بن الخشاب يحرض الناس على القتال، وهو راكب على حجر وبيده رمح، فرآه بعض العسكر فازدراه وقال: إنما جئنا من بلادنا تبعاً لهذا المعمم! فأقبل على الناس، وخطبهم خطبة بليغة استنهض فيها عزائمهم، واسترهف هممهم بين الصفين، فأبكى الناس وعظم في أعينهم.
ودار طغان أرسلان بن دملاج من ورائهم ونزل في خيامهم، وقتل من فيها ونهبها، وألقى الله النصر على المسلمين، وصار من انهزم من الفرنج وقصد الخيام قتل.
وحمل الترك بأسرهم حملة واحدة من جميع الجهات صدقوهم فيها، وكانت السهام كالجراد، ولكثرة ما وقع في الخيل والسواد من السهام عادت منهزمة وغلبت فرسانها، وطحنت الرجالة والأتباع والغلمان بالسهام، وأخذوهم بأسرهم أسرى. وقتل سرجال في الحرب، وفقد من المسلمين عشرون نفراً منهم سليمان بن مبارك بن شبل، وسلم من الفرنج مقدار عشرين نفراً لا غير، وانهزم جماعة من أعيانهم.
وقتل في المعركة ما يقارب خمسة عشر ألفاً من الفرنج، وكانت الوقعة يوم السبت وقت الظهر، فوصل البشير إلى حلب بالنصر، والمصاف قائم، والناس يصلون صلاة الظهر بجامع حلب، سمعوا صيحة عظيمة بذلك من نحو الغرب، ولم يصل أحد من العسكر إلى نحو صلاة العصر.
وأحرق أهل القرى القتلى من الفرنج، فوجد في رماد فارس واحد أربعون نصل نشاب، ونزل إيلغاوي في خيمة سرجال، وحمل إليه المسلمون ما غنموه، فلم يأخذ منهم إلا سلاحاً يهديه لملوك الإسلام، ورد عليهم ما حملوه بأسره.
ولما حضر الأسرى بين يدي إيلغازي، كان فيهم رجل عظيم الخلقة مشتهراً بالقوة، وأسره رجل ضعيف قصير قليل السلاح، فلما حضر بين يدي إيلغازي قال له التركمان: أما تستحي يأسرك مثل هذا الضعيف وعليك مثل هذا الحديد. فقال. والله ما أخذني هذا، ولا هو مولاي وإنما أخذني رجل عظيم أعظم مني وأقوى، وسلمني إلى هذا وكان عليه ثوب أخضر وتحته فرس أخضر.
وتفرقت عساكر المسلمين في بلد أنطاكية والسويدية وغيرهما يقتلون ويأسرون وينهبون، وكانت البلاد مطمئنة لم يبلغهم خبر هذه الوقعة، فأخذ المسلمون من السبي والغنائم والدواب ما يفوت الإحصاء. ولم يبق أحد من الترك إلا امتلأ صدره ويداه بالغنائم والسبي.
ولقي بعض السرايا بغدوين الرويس وابن صنجيل في خيلهما بالقرب من جبلة، وقد توجها لنصرة سرجال صاحب أنطاكية، فأوقع بهم الترك، وقتلوا جماعة وغنموا ما قدروا عليه، وانهزم بغدوين وابن صنجيل، وتعلقوا بالحبال.
ورحل إيلغازي إلى أرتاح، وبادر بغدوين فدخل أنطاكية، وسلمت إليه أخته زوجة سرجال خزائنه وأمواله، وقبض على أموال القتلى ودورهم، وأخذها وزوج نساء القتلى بمن بقي، وأثبت الخيل، وجمع وحشد واستولى على أنطاكية، ولو سبقه إيلغازي إلى أنطاكية لما امتنعت عليه.
فتح الأثارب وزردنا وانتصار دانيث
ووصل أتابك إلى نجم الدين بأرتاح، فعاد ونزل الأثارب وهجم الربض ونهبه، وقتل من قدر عليه، وخرج أحداث من حلب ونهبوا حصنها فطلبوا الأمان منهم بعد أن استأخذت، وسيرهم إلى مأمنهم.
ورحل منها إلى زردنا وكانوا قد حصنوها وأحكموا عمارتها، وقاتلها فطلبوا الأمان فأمنهم، وسيرهم إلى أنطاكية فلقيهم بعض التركمان، فنهبوهم وقتلوا بعضهم ومضوا إلى أهلهم.
وكان صاحب ززدنا لما بلغه منازلتها حمل بغدوين والفرنج على الخروج لاستنقاذها، وقد عرفوا تفرق التركمان وعودهم إلى أهليهم، وأن إيلغازي في عدة قليلة، فبلغه ذلك فجد في قتالها حتى أخذها كما ذكرناه ورتب أصحابه بها، وتوجه بمن بقي معه واستصحب معه عسكر أتابك وطغان أرسلان بن دملاج جرايد إلى دانيث بعد أن رد الأثقال والخيام إلى قنسرين.
ووصل إلى دانيث في يومه، فوجد الفرنج قد نزلوها يوم فتحه زردنا في مائتي خيمة وراجل كثير، وقيل إنهم كانوا يزيدون على أربعمائة فارس سوى الرجالة، وذلك في رابع جمادى الأولى، والتقوا فحمل صاحب زردنا وأكثر خيل الفرنج على عسكر دمشق وحمص وبعض التركمان، فكشفوهم وانهزموا بين أيديهم، وسار ليتدارك أمر زردنا، ويكبس الأثقال والخيام فعرف أخذها وتسيير الأثقال إلى قنسرين فعاد.

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 08-05-2011 - 11:26 ]
 رقم المشاركة : ( 96 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وحمل بقية المسلمين على بغدوين ومن كان معه، فقتلوهم وردوهم على أعقابهم، فحينئذ حمل إيلغازي وطغتكين وطغان أرسلان فيمن بقي من الخواص على الفرنج، فكسروهم وقتلوا أكثر الرجالة وبعض الخيالة، وتبعوهم إلى أن دخلوا إلى حصن هاب، وغنموا أكثر ما كان معهم.
وعاد نجم الدين وطغتكين وطغان أرسلان إلى دانيث، فوجدوا صاحب زردنا والفرنج قد عادوا بعد أن هزموا من كان بين أيديهم من المسلمين ومعرفة أخذ المسلمين زردنا فلقوهم وقتلوا منهم جماعة كثيرة، وانهزم الباقون إلى هاب، وعاد الترك بالظفر والغنيمة.
وحين بلغ من بقنسرين مع الأثقال هزيمة من كان في مقابلة صاحب زردنا رحلوا إلى حلب، وانزعج أهل حلب غاية الإنزعاج، فوصلهم البشير بعد ساعتين بما بدل غمهم سروراً وهمهم حبوراً.
وكان البشير من الفرنج قد مضى إلى بلادهم وأخبر بكسرة صاحب زردنا للمسلمين، فزينوا بلادهم، وأظهروا فيها الجذل والمسرة فوصل ابن صنجيل من الكسرة بعد ذلك، فانقلب سرورهم حزناً وراحتهم تعباً وعناء.
وكان صاحب زردنا، وهو القومصى الأبرص واسمه روبارد، قد سقط عن فرسه، فأدركه قوم من أهل جبل السماق من أهل مريمين، فقبضوه وحملوه إلى إيلغازي بظاهر حلب، فأنفذه إلى أتابك طغتكين، فقتله صبراً.
ثم دخل إيلغازي إلى حلب، وأحضر الأسرى فأفرد أصحاب القلاع والمقدمين وابن بيمند صاحب أنطاكية ورسول ملك الروم ونفراً يسيراً ممن كان معه مال فأخذه وأطلقهم، وبقي من الأسرى نيف وثلاثون رجلاً بذلوا من المال ما رغب عنه، فقتلهم بأسرهم.
وتوجه من حلب إلى ماردين في جمادى الأولى من سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، ليجمع من التركمان من يعود به إلى بلد حلب، وكانت حلب ضعيفة عن مقامه فيها، فخرج الفرنج إلى بلد المعرة، فسبوا جماعة، وأدركهم جماعة من الترك فرجعوا.
غارات بغدوين وجوسلين
ثم خرج بغدوين من أنطاكية في عسكره ونزل على زور، غربي البارة وهو حصن كان لابن منقذ وسلمه إليهم ولما جرت الوقعة الأولى على البلاط عاد وأخذه، فقاتله بغدوين، وأخذه في جمادى الأولى، وأطلق من كان فيه.
ورحل إلى كفر روما فأخذ حصنها بالسيف، وقتل جميع من كان فيه، ووصلوا إلى كفر طاب، وقد أحرق ابن منقذ حصنها، وأخذ رجاله منه خوفاً منهم، فرمموه، ورتبوا رحالهم فيه، وساروا إلى سرمين ومعرة مصرين فتسلموها بالأمان، ثم نزلوا زردنا، ورحلوا عنها إلى أنطاكية.
ومع هذا فغارات عسكر حلب متواصلة على ما يقرب منهم، وتعود بالظفر والغنيمة.
ووصل جوسلين إلى بغدوين خاله وقت أخذه سرمين، فأقطعه الرها وتل باشر، وسيره إليهما، فأسرى إلى وادي بطنان دفعتين، وإلى ما يلي الفرات من جهة الشام، وقتل وسبى ما يقارب ألف نفس. وأغار جوسلين على منبج والنقرة وأعمال حلب الشرقية، وأخذ كل ما وجده من دواب، وأسر رجالاً ونساء، وأسرى إلى الراوندان يتبع طائفة من التركمان كانت قطعت الفرات، فاقتتلوا فانهزم الفرنج وقتل منهم جماعة.
وفي صفر من سنة أربع عشرة وخمسمائة، وقعت مشاحنة بين والي الأثارب بلاق بن اسحاق صاحب نجم الدين إيلغازي وبين الفرنج فأسرى ومعه جماعة من عسكر حلب إلى أنطاكية، فلقيهم عسكر أنطاكية فكسرهم، وعاد فتبعه الفرنج والتقوا ما بين ترمانين وتل اغدي، من فرضة ليلون.
ووصل في هذه السنة إيلغازي بجمع كثير من التركمان، وقطع الفرات في الخامس والعشرين من صفر، وتوجه إلى تل باشر، وأقام أياماً ولم يقاتلها، ورحل إلى عزاز يريد أخذها، ولم يمكن أحداً من التركمان من تشعيث ضياعها، ورحل إلى أنطاكية وأقام عليها يوماً واحداً، وأقام في أعمال الروم أياماً يسيرة.
ثم خرج إلى قنسرين فتشوشت قلوب التركمان لأنهم أملوا من الغنائم مثل السنة الخالية، ولم يقاتل بهم حصناً، ولا غنموا شيئاً، وباع الأسرى الذين أسرهم في الوقعة الأولى، فعادوا إلى بلادهم، وبالغوا في التشقي من المسلمين والقتل والسبي.
وجرى من نجم الدين إساءة إلى بعض التركمان على شيء أنكره عليهم، فبالغ في هوانهم وحلق لحى بعضهم، وقطع أعصابهم، فتفرق عسكره وبقي نفر يسير متفرقين في أعمال حلب.

رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

العبارات الدلالية
, ,

زبدة الحلب في تاريخ حلب



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع


المواضيع المتشابهه للموضوع: زبدة الحلب في تاريخ حلب
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بلدة سبخة الجبول ريف حلب حلب الشهباء الريف الحلبي 0 13-10-2012 02:12
تاريخ حلب احمد الحلبي مدينة حلب الشهباء 0 06-05-2011 04:35
كاريكاتير ( ضرب الحبيب ... زبيب ) ابراهيم الاهلاوي صور منوعة 10 27-04-2009 08:24
إدمان صبية ابونجبو صور منوعة 4 17-01-2008 10:59

الساعة معتمدة بتوقيت مدينة حلب الأن 02:53