نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 31-05-2011 - 04:16 ]
 رقم المشاركة : ( 113 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

ثم انهزم الروم، وخرجوا، ونزل صاحب أنطاكية في مسجد سمون، وجوسلين في المصلى، وركب الملك يوم السبت، وطلع إلى الجبل المقابل لقلعة شيزر المعروف بجريجس، ونصب على القلعة ثمانية عشر منجنيقاً وأربع لعب تمنع الناس من الماء.
ودام القتال عشرة أيام، ولقي أهل قلعة شيزر بلاء عظيماً، ثم اقتصروا في القتال على المجانيق، وأقاموا إلى يوم السبت تاسع شهر رمضان.
وبلغهم أن قرا أرسلان بن داود بن سكمان بن أرتق عبر الفرات في جموع عظيمة تزيد عن خمسين ألفاً من التركمان وغيرهم، فأحرقوا آلات الحصار، ورحلوا عن شيزر، وتركوا مجانيق عظاماً رفعها أتابك إلى قلعة حلب بعد رحيلهم، وساروا بعد أن هجموا ربض شيزر دفعات عدة، ويخرجهم المسلمون منها.
فوصل صلاح الدين من حماة يوم السبت تاسع الشهر، وبلغه أن الفرنج هربوا من كفر طاب فسار إليها، وملكها، ووصل أتابك يوم الأحد عاشر الشهر، وسار إلى الجسر يوم الإثنين، فوجد الفرنج قد هربوا منه نصف الليل ونزل أهله من أبي قبيس، فمنعوهم ودخل الروم مضيق أفامية إلى أنطاكية، وطلبها من الفرنج فلم يعطوه إياها، فرحل عنها إلى بلاده، وسير أتابك خلفهم سرية من العسكر تتخطفهم. هذا كله وأتابك لم يستحضر قرا أرسلان بن داود، ولم يجتمع به، بل بعث إليه يأمره بالعود إلى أبيه، وأنه مستغن عنه وانحاز عنهم فنزل أرض حمص، وكتب إلى شهاب الدين محمود بن بوري يطلبها.
وترددت الرسل بينهم على أن يسلم إلى أتابك حمص، ويعوض أنر واليها ببارين، واللكمة، والحصن الشرقي، وأن يتزوج أتابك أمه زمرد خاتون بنت جاولي، ويتزوج محمود ابنة أتابك، وتسلم أتابك حمص، ويسلم الدمشقيون المواضع المذكورة.
وسارت زمرد خاتون من دارها إلى عسكر زنكي مع أصحابه المندوبين لإيصالها إليه في أواخر شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وقد اجتمع عنده رسول الخليفة المقتفي، وألبسه التشريف الواصل إليه، ورسول السلطان، ورسول مصر، والروم، ودمشق.
ورحل أتابك عن حمص، وسار إلى حلب، ثم خرج منها إلى بزاعا وفتحها بالسيف، يوم الثلاثاء تاسع عشر محرم من سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وقتل كل من كان بها على قبر شرف الدولة مسلم بن قريش، وكان ضرب عليها بسلم في عينه فمات.
زلازل عام 533 هجرية
وعاد منها إلى حلب، وسار إلى الأثارب، ففتحها، في ثالث صفر. وفي يوم الخميس ثالث عشر صفر، حدثت زلزلة شديدة ثم اتبعتها أخرى، وتواصلت الزلازل، فهرب الناس من حلب إلى ظاهر البلد وخرجت الأحجار من الحيطان إلى الطريق، وسمع الناس دوياً عظيماً، وانقلبت الأثارب فهلك فيها ستمائة من المسلمين، وسلم الوالي ومعه نفر يسير. وهلك أكثر البلاد من شيح، وتل عمار، وتل خالد، وزردنا، وشوهدت الأرض تموج، والأحجار عليها تضطرب كالحنطة في الغربال.
وانهدم في حلب دور كثيرة، وتشعث السور، واضطربت جدران القلعة، وسار أتابك مشرقاً فنزل القلعة فأخذها، وسار منها إلى القلعة، ثم إلى الموصل. وتواترت الزلازل إلى شوال، وقيل: إن عدتها كانت ثمانين زلزلة.
وكان في سنة اثنتين وثلاثين قد عول أتابك على قبض أملاك الحلبيين التي استحدثوها من أيام رضوان إلى آخر أيام إيلغازي، ثم قرر عليهم عشرة آلاف دينار، فأدوا من ذلك ألف دينار، وجاءت هذه الزلازل، فهرب أتابك من القلعة إلى ميدانها حافياً، وأطلق القطيعة.
وفي هذه السنة، نهض سوار الفرنج فغنم من بلادهم، ولحقوه فاستخلصوا ما غنم، وانهزم المسلمون فغنم الفرنج، وأخذوا منهم ألفاً ومائتي فارس، وأسروا صاحب الكهف ابن عمرون، وكان قد سلمها إلى الباطنية.
وفي شهر رمضان منها، استحكم الفساد بين أتابك وتمرتاش، فنزل أتابك زنكي دارا، وحصرها وافتتحها في شوال، وأخذ رأس عين وجبل جور وذا القرنبن. ومات سوتكين الكرجي بحران، فأنفذ أتابك زنكي وأخذها.
زنكي يفتح بعلبك ويحاصر دمشق
وقتل شهاب الدين محمود ابن تاج الملوك على فراشه، ليلة الجمعة الثالثة والعشرين من شوال من السنة، قتله البغش ويوسف الخادم، وفراش، وكان قد قربهم واصطفاهم.
وسير أنر إلى محمد أخيه صاحب بعلبك، فأجلسه في منصب أخيه وأخرج أخاه بهرام شاه فمضى إلى حلب وشرق إلى أتابك زنكي.
(

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 31-05-2011 - 04:17 ]
 رقم المشاركة : ( 114 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وعلمت والدته زمرد خاتون، فأرسلت إلى زوجها زنكي، وهو بالموصل تستدعيه لطلب الثأر بولدها، وتحثه على الوصول، فأقبل وفي مقدمته الأمير الحاجب صلاح الدين، فسار إلى حماة.
ووصل زنكي حتى عبر الفرات، ونزل بالناعورة، ودخل حلب، ورحل إلى حماة في سابع ذي الحجة، ورحل إلى حمص، ثم إلى بعلبك، فحصرها أول محرم من سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وضربها بالمجانيق إلى أن فتحها يوم الإثنين رابع عشر صفر.
وفتح القلعة يوم الخميس خامس وعشرين منه، وأقام بها إلى منتصف شهر ربيع الآخر، وكان قد حلف لأهل القلعة بالأيمان المغلظة والمصحف والطلاق، فلما نزلوا غدر بهم، وسلخ واليها، وشنق الباقين. وكانوا سبعة وثلاثين رجلاً، وغدر بالنساء، وأخذهم.
وسار في نصف ربيع الآخر إلى دمشق لمضايقتها، فنزل! على داريا، وزحف إلى البلد، وراسل محمد بن بوري في تسليمها، وأخذ بعلبك وحمص، وما يقترح معهما عوضاً عنها، وأراد إجابته إلى ذلك فمنعه أصحابه، وخوفوه الغدر به، فمات محمد بن بوري، في ثامن شعبان، ونصب ولده عضب الدولة أبق مكانه.
وكاتب أنر الفرنج في نجدته، وتسليم بانياس من إبراهيم بن طرغت إليهم، فتجمعوا لذلك، فرحل أتابك عن دمشق، في خامس شهر رمضان، للقاء الفرنج إن قربوا منه إلى ناحية بصرى وصرخد من حوران، وأقام مدة، ثم عاد إلى الغوطة فنزل عذراء وأحرق عدة ضياع من الغوطة.
ووصل الفرنج فنزلوا بالميدان، فرحل أتابك إلى ناحية حمص. وأسر ريمند صاحب أنطاكية إبراهيم بن طرغت صاحب بانياس، وقتله. ونزل معين الدين أنر عليها فحصرها وتسلمها، وسلمها إلى الفرنج، وعادت خاتون إلى حلب في العشرين من ربيع الأول. وعاد أتابك إلى حلب في الرابع والعشرين من جمادى الأولى، واستقر الحال بين زنكي وأبق على أن خطب لزنكي بدمشق.
ومات قاضي حلب أبو غانم محمد بن أبي جرادة في شهر ربيع الآخر من سنة أربع ثلاثين وخمسمائة، فولى أتابك قضاء حلب ولده أبا الفضل هبة الله بن محمد بن أبي جرادة، ولما استحضره وولاه القضاء قال له: هذا الأمر قد نزعته من عنقي، وقلدتك إياه، فينبغي أن تتقي الله وأن تساوي بين الخصمين، هكذا، وجمع بين أصابعه.
وكثر عيث التركمان وفسادهم، وامتدت أيديهم إلى بلاد الفرنج، فأرسلوا رسولاً إلى أتابك يشكونهم، فعاد الرسول متنصلاً، فلقيه قوم من التركمان فقتلوه، فأغار الفرنج على حلب، فأخذوا من العرب والتركمان ما لا يحصى.
وعاد أتابك في سنة ست وثلاثين على الحلبيين بالقطيعة التي كان قررها على الأملاك، وأرسل إليهم علي الفوتي العجمي، فعسف الناس في استخراج القطيعة، وأخرف بهم، ومات ابن شقارة بحلب، وصارت أملاكه إلى بيت المال فرد على الناس ما كان وظف على أملاكه من القطيعة وأخذه منهم.
غارات الفرنج والمسلمين
وأغار الفرنج في سنة ست وثلاثين وخمسمائة على بلد سرمين، وأخربوا ونهبوا، ثم إلى جبل السماق، وكذلك فعلوا بكفر طاب، وتفرقوا فأغار علم الدين ابن سيف الدين سوار مع التركمان إلى باب أنطاكية، وعادوا بالغنائم والوسيق العظيم.
وأغار لجة التركي وكان قد نزح عن دمشق إلى خدمة زنكي على بلد الفرنج، في جمادى، فساق وسبى وقتل. وذكر أن عدة المقتولين سبعمائة رجل. واتفق في هذه السنة خلف شديد بين أتابك زنكي وقرا أرسلان بن داود بن سكمان بناحية بهمرد، فالتقيا فكسره أتابك، وفتح بهمرد، وعاد إلى الجزيرة، ثم إلى الموصل فشتى بها.
وفي هذه السنة تقرر الصلح بين أتابك والأرتقية ووصل أولادهم إلى الخدمة ثم عادوا.
وفي خامس شعبان مات وزير أتابك ضياء الدين بن الكفرتوثي ووزر موضعه أبا الرضا بن صدقة، ثم عزله في سنة ثمان وثلاثين.
ونهض سوار في شهر رمضان إلى بلد أنطاكية، وعند الجسر جمع عظيم وخيم مضروبة من الفرنج، فخاض التركمان إليهم العاصي، وكسروا الجميع هناك، وقتلوا كل من كان بالخيم، ونهبوا وسبوا، وعادوا إلى حلب بالوسيق العظيم، والأسرى والرؤوس.
وفتح أتابك قلعة أشب المشهورة بالحصانة، في ثالث وعشرين من شهر رمضان من سنة سبع وثلاثين.
وخرج ملك أنطاكية إلى وادي بزاعا، فخرج سوار فردهم إلى بلد الشمال واجتمع سوار وجوسلين بين العسكرين فاتفق الصلح بينهما.

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 31-05-2011 - 04:17 ]
 رقم المشاركة : ( 115 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وفي سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، فتح أتابك قلعة انيرون، وبعدها قلعة حيران ومما كان أيضاً بيد الفرنج جملين، والموزو وتل موزن، وغيرهما.
وخرج عسكر حلب فظفروا بفرقة كبيرة من التجار والأجناد وغيرهم خرجت من أنطاكية تريد بلاد الفرنج، ومعها مال كثير ودواب ومتاع، فأوقعوا بهم، وقتلوا جميع الخيالة من الفرنج الخارجين لحمايتهم، وأخذوا ما كان معهم، وعادوا إلى حلب، وذلك قي جمادى الأولى من السنة.
وفي يوم الأربعاء خامس وعشرين من ذي القعدة، وقعت خيل تركمان نهضت من بلد حلب، فأوقعت بخيل خارجة من باسوطا فقتلوهم، وأسروا صاحب باسوطا وجاؤوا به إلى حلب، فسلموه إلى سوار فقيده.
وعزل أتابك وزيره جلال الدين أبا الرضا بالموصل، واستوزر أبا الغنائم حبشي ابن محمد الحلي.
فتح الرها وسروج
وكان أتابك زنكي لا يزال يفكر في فتح الرها، ونفسه في كل حين تطالبه بذلك، إلى أن عرف أن جوسلين صاحبها قد خرج منها في معظم عسكره، في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، لأمر اقتضاه، فسارع أتابك إلى النزول عليها في عسكر عظيم وكاتب التركمان بالوصول إليه، فوصل خلق عظيم.
وأحاط المسلمون بها من كل الجهات، وحالوا بينها وبين من يدخل إليها بميرة أو غيرها، ونصب عليها المجانيق، وشرع الحلبيون فنقبوا عدة مواضع عرفوا أمرها إلى أن وصلوا تحت أساس أبراج السور، فعلقوه بالأخشاب، واستأذنوا أتابك في إطلاق النار فيه، فدخل إلى النقب نفسه وشاهده ثم أذن لهم، فألقوا النار فيه، فوقع السور في الحال.
وهجم المسلمون البلد، وملكوه بالسيف يوم السبت سادس عشر جمادى الآخرة، وشرعوا في النهب والقتل والأسر والسبي، حتى امتلأت أيديدهم من الغنائم. ثم أمر أتابك برفع السيف عن أهلها، ومنع السبي، ورده من أيدي المسلمين، وأوصى بأهلها خيراً، وشرع في عمارة ما انهدم منها وترميمه.
وكان جمال الدين أبو المعالي فضل الله بن ماهان رئيس حران هو الذي يحث أتابك في جميع الأوقات على أخذها، ويسهل عليه أمرها، فوجد على عضادة محرابها مكتوب:
أصبحت صفراً من بني الأصفر ... أختال بالأعلام والمنبر
دان من المعروف حال به ... ناء عن الفحشاء والمنكر
مطهر الرحب على أنني ... لولا جمال الدين لم أطهر
فبلغ ذلك رئيس حران، فقال: انحوا جمال الدين، واكتبوا عماد الدين.
فبلغ ذلك زنكي، فقال: صدق الشاعر لولاك ما طمعنا فيها. وأمر عماله بتخفيف الوطأة عليهم في الخراج، وأن يأخذوه على قدر مغلاتها.
ثم رحل إلى سروج ففتحها، وهرب الفرنج منها، ثم رحل فنزل على البيرة، في هذه السنة فحاصرها في هذه السنة.
وجاءه الخبر من الموصل أن نصير الدين جقر نائبه بالموصل قتل، فخاف عليها، وترك البيرة بعد أن قارب أخذها، وسار حتى دخل الموصل، وأخذ فرخانشاه ابن السلطال الذي قتل جقر، عزم على تملك الموصل، فقتله بدم جقر، وولى الموصل مكانه الأمير زين الدين علي كوجك.
ثتم شرع زنكي في الجمع والاحتشاد، والاستكثار من عمل المجانيق، وآلة الحرب، في أوائل سنة أربعين وخمسمائة، ويظهر للناس أن ذلك لقصد الجهاد. وبعض الناس يقول: أنه لقصد دمشق ومنازلتها. وكان ببعلبك مجانيق فحملت إلى حمص، في شعبان من هذه السنة.
وقيل: إن عزمه انثنى عن الجهاد في هذه السنة، وأن جماعة من الأرمن بالرها عاملوا عليها، وأرادوا الإيقاع بمن كان فيها من المسلمين واطلع على حالهم، وتوجه أتابك من الموصل نحوها، وقوبل من عزم على الفساد بالقتل والصلب.
نهاية عماد الدين
وسار ونزل على قلعة جعبر بالمرج الشرقي تحت القلعة، يوم الثلاثاء ثالث ذي الحجة، فأقام عليها إلى ليلة الأحد. سادس شهر ربيع الآخر نصف الليل من سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فقتله يرنقش الخادم، كان يهدده في النهار، فخاف منه فقتله في الليل في فراشه.
وقيل: إنه شرب ونام، فانتبه فوجد يرنقش الخادم وجماعة من غلمانه يشربون فضل شرابه، فتوعدهم. ونام فأجمعوا على قتله، وجاء يرثقش إلى تحت القلعه، فنادى أهل القلعه: شيلوني فقد قتلت أتابك. فقالوا له: اذهب إلى لعنة الله، فقد قتلت المسلمين كلهم بقتله.

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 31-05-2011 - 04:18 ]
 رقم المشاركة : ( 116 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وقد كان أتابك ضايق القلعة، فقل الماء فيها جداً، والرسل من صاحبها علي ابن مالك تتردد بينه وبين أتابك، فبذل علي بن مالك له ثلاثين ألف دينار ليرحل عنها، فأجابه إلى ذلك.
ونزل الرسول، وقد جمع الذهب حتى قلع الحلق من آذان أخواته، وأحضر الرسول، وقال لبعض خواصه: امض بفرسه وقربه إلى قدر اليخني فإن شرب منه فأعلمني. ففعل ذلك، فشرب الفرس مرقة اليخني، فعلم أن الماء قد قل عندهم، فغالط الرسول ودافعه، ولم يجبه إلى ملتمسه، فأسقط في يد علي بن مالك.
وكان في القلعة عنده بقرة وحش، وقد أجهدها العطش، فصعدت في درجة المئذنة حتى علت عليها، ورفعت رأسها إلى السماء، وصاحت صيحة عظيمة، فأرسل الله سحابة ظللت القلعة، وأمطروا حتى رووا، فتقدم حسان البعلبكي صاحب منبج إلى تحت القلعة، ونادى علي بن مالك، وقال له: يا أمير علي، ايش بقى يخلصك من أتابك فقال له، يا عاقل، يخلصني الذي خلصك من حبس بلك له. يعني حين قتل بلك على منبج وخلص حسان، فصدق فأله وكان ما ذكرناه. وأخبرني والدي رحمه الله أن حارس أتابك كان يحرسه في الليلة التي قتل فيها بهذين البيتين:
يا راقد الليل مسروراً بأوله، ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا!
لا تأمنن بليل طاب أوله ... فرب آخر ليل أجج النارا!
وكان أتابك جباراً عظيماً ذا هيبة وسطوة. وقيل: إن الشاووش كان يصيح خارج باب العراق، وهو نازل من القلعة. وكان إذا ركب مشى العسكر خلفه كأنهم بين خيطين مخافة أن يدوس العسكر شيئاً من الزرع، ولا يجسر أحد من هيبته أن يدوس عرقاً منه، ولا يمشي فرسه فيه، ولا يجسر أحد من أجناده أن يأخذ لفلاح علاقة تبن إلا بثمنها أو بخط من الديوان إلى رئيس القرية، وإن تعدى أحد صلبه.
وكان يقول: ما يتفق أن يكون أكثز من ظالم واحد يعني نفسه فعمرت البلاد في أيامه بعد خرابها وأمنت بعد خوفها. وكان لا يبقي على مفسد، وأوصى ولاته وعماله بأهل حران، ونهى عن الكلف والسخر والتثقيل على الرعية. هذا ما حكاه أهل حران عنه.
وأما فلاحو حلب فإنهم يذكرون عنه ضد ذلك.
وكانت الأسعار في السنة التي توفي فيها رخية جدا. الحنطة ست مكايك بدينار، والشعير اثنا عشر مكوكاً بدينار والعدس أربع مكايك بدينار، والجلبان خمسة مكايك بدينار، والقطن ستون رطلاً بدينار، والدينار هو الذي جعله أتابك دينار الغلة، وقدره خمسون قرطيساً برساً وذلك لقلة العالم.
ولما قتل افترقت عساكره فأخذ عسكر حلب ولده نور الدين أبا القاسم محمود بن زنكي، وطلبوا حلب فملكوه إياها، وأخذ نور الدين خاتمه من إصبعه قبل إلى حلب. وسار أجناد الموصل بسيف الدين غازي إلى الموصل وملكها.
وبقي أتابك وحده، فخرج أهل الرافقة فغسلوه بقحف جرة، ودفنوه على باب مشهد علي رضي الله عنه في جوار الشهداء من الصحابة رضوان الله عليهم وبنى بنوه عليه قبة، فهي باقية إلى الآن.
القسم الثالث والعشرون
حلب ونور الدين زنكي
نور الدين زنكي في حلب والرها
وملك الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكي بن أق سنقر حلب، عند ذلك في شهر ربيع الآخر يوم الثلاثاء عاشر الشهر، سنة إحدى وأربعين وخمسمائة.
ووصل إليه صلاح الدين الياغيسياني يدبر أموره ويقوم بحفظ دولته، فحينئذ راسل جوسلين الفرنجي أهل الرها وعامتهم من الأرمن، وحملهم على العصيان وتسليم البلد، فأجابوه إلى ذلك، وواعدوهم يوماً يصل إليهم فيه.
وسار إليها فملك البلد، وامتنعت القلعة فقاتلها، فبلغ الخبر إلى نور الدين محمود بن زنكي، وهو بحلب، فسار إليها في عسكره، فخرج جوسلين هارباً إلى بلده.
ودخلها نور الدين فنهبها وسبى أهلها، وخلت منهم، فلم يبق بها منهم إلا القليل.

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 31-05-2011 - 04:18 ]
 رقم المشاركة : ( 117 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وأرسل نور الدين من سبيها جارية في جملة ما أهداه إلى زين الدين علي كوجك، نائب أبيه بالموصل، فلما رآها دخل إليها، وخرج من عندها وقد اغتسل، وقال لمن عنده: تعلمون ما جرى لي يومنا هذا؟ لا، قال: لما فتحنا الرها مع الشهيد وقع بيدي من النهب جارية رائقة أعجبني حسنها ومال قلبي إليها، فلم يكن بأسرع من أن أمر الشهيد فنودي برد السبي والمال المنهوب، وكان مهيباً مخوفاً، فرددتها وقلبي متعلق بها، فلما كان الآن جاءتني هدية نور الدين وفيها عدة جوار منهن تلك الجارية، فوطئتها خوفاً أن يقع مثل تلك الدفعة.
نصر المسلمين في العريمة ويغري
وشرع نور الدين رحمه الله في صرف همته إلى الجهاد، فدخل في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، إلى بلد الفرنج، ففتح أرتاح بالسيف، ونهبها. وفتح حصن ما بولة، وبسرفوث، وكفرلاثا وهاب.
وكان الفرنج بعد قتل والده قذ طمعوا وظنوا أنهم يستردون ما أخذه، فلما رأوا من نور الدين الجد في أول أمره، علموا بعدما أملوه.
وخرج ملك الألمان ونزل على دمشق، في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وسار لنجدتها سيف الدين غازي من الموصل، ونور الدين محمود، فوصلا إلى حمص.
وتوجه نور الدين إلى بعلبك، واجتمع بمعين الدين أنر بها، ورحل ملك الألمان عن دمشق، وكان صحبته ولد الفنش، وكان جده قد أخذ طرابلس من المسلمين. فأخذ ولد الفنش هذا حصن العريمة من الفرنج، وعزم على أخذ طرابلس من القمص، فأرسل القمص إلى نور الدين إلى بعلبك يقول له في قصد حصن العريمة وأخذه من ولد الفنش.
فسار نور الدين ومعين الدين آنر معه، وسيرا إلى سيف الدين غازي إلى حمص، يستنجدانه فأمدهما بعسكر كثير مع الدبيسي صاحب الجزيرة، فنازلوا الحصن، وحصروه وبه ولد الفنش.
فزحف المسلمون إليه مراراً، ونقب النقابون السور فطلب من به من الفرنج الأمان، فملكه المسلمون، وأخذوا كل من به من فارس وراجل، وصبي، وامرأة، وفيهم ابن الفنش، وأخربوا الحصن، وعادوا إلى حمص.
ثم عاد سيف الدين غازي إلى الموصل.
وتجمع الفرنج ليقصدوا أعمال حلب، فخرج إليهم نور الدين بعسكره والتقاهم بيغري، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم الفرنج، وأسر منهم جماعة وقتل خلق، ولم ينج إلا القليل.
وفي هذه الوقعة يقول الشيخ أبو عبد الله القيسراني من قصيدة:
وكيف لا نثني على عيشنا ال ... محمود والسلطان محمود
وصارم الإسلام لا ينثني ... إلا وشلو الكفر مقدود
مكارم لم تك موجودة ... إلا ونور الدين موجود
بناء المدارس
وشرع نور الدين في تجديد المدارس والرباطات بحلب، وجلب أهل العلم والفقهاء إليها، فجدد المدرسة المعروفة بالحلاويين، في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، واستدعى برهان الدين أبا الحسن علي بن الحسن البلخي الخفي وولاه تدريسها، فغير الأذان بحلب، ومنع المؤذنين من قولهم: حي على خير العمل وجلس تحت المنارة ومعه الفقهاء، وقال لهم: من لم يؤذن الأذان المشروع فألقوه من المنارة على رأسه. فأذنوا الأذان المشروع، واستمر الأمر من ذلك اليوم.
وجدد المدرسة العصرونية على مذهب الشافعي، وولاها شرف الدين بن أبي عصرون، ومدرسة النفري، وولاها القطب النيسابوري، ومسجد الغضائري وقف عليه وقفاً، وولاه الشيخ شعيب، وصار يعرف به. وبقي برهان الدين البلخي بحلب مدرساً بالحلاوية إلى أن أخرجه مجد الدين بن الداية، لوحشة وقعت بينهما، ووليها علاء الدين عبد الرحمن بن محمود الغزنوي ومات ووليها ابنه محمود، ثم وليها الزضي صاحب المحيط، ثم وليها علاء الدين الكاشاني.
وتوفي سيف الدين غازي بن زنكي بالموصل في سنة أربع وأربعين وترك ولداً صغيراً، فرباه عمه نور الدين، وعطف عليه.
اقتسام مناطق النفوذ
واتفق الوزير جمال الدين وزين الدين علي على أن ملكوا قطب الدين مودود ابن زنكي الموصل، وكان نور الدين أكبر منه، وكاتبه جماعة من الأمراء وطلبوه. وفيمن كاتبه المقدم عبد الملك والد شمس الدين محمد، وكان بسنجار، فكتب إليه يستدعيه ليتسلم سنجار.

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 31-05-2011 - 04:19 ]
 رقم المشاركة : ( 118 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

فسار جريدة في سبعين فارساً من أمراء دولته فوصل سنجار مجدا، ونزل بظاهر البلد، وأرسل إلى المقدم يعلمه بوصوله، فرآه الرسول وقد سار إلى الموصل، وترك ولده شمس الدين محمداً بالقلعة، فسير من لحق أباه في الطريق، وأعلمه بوصول نور الدين، فعاد إلى سنجار، وسلمها إليه، وأرسل إلى قرا أرسلان صاحب الحصن يستدعيه لمودة كانت بينهما، فوصل إليه.
ولما سمع قطب الدين والوزير جمال الدين، وزين الدين بالموصول، جمعوا العساكر، وعزموا على قصد سنجار وساروا إلى تل أعفر، فأشار الوزير جمال الدين بمداراته، وقال: إننا نحن قد عظمنا محله عند السلطان، وجعلنا محلنا دونه، وهو فيعظمنا عند الفرنج، ويظهر أنه تبع لنا، ويقول: إن كنتم كما نحب وإلا سلمت البلاد إلى صاحب الموصل، وحينئذ يفعل بكم ويصنع، فإن هزمناه طمع فينا السلطان ويقول: إن الذي كانوا يعظمونه، ويخوفوننا به أضعف منهم، وقد هزموه، وإن هو هزمنا طمع فيه الفرنج، ويقولون: إن الذي كان يحتمي بهم أضعف منه، وبالجملة فهو إبن أتابك الكبير، وأشار بالصلح.
وسار إلى نور الدين بنفسه، فوفق بينهما على أن يسلم سنجار إلى قطب الدين، ويتسلم الرحبة، ويتسلم نور الدين بالشام جميعه، وقطب الدين بالجزيرة ما خلا الرها، فإنها لنور الدين.
انتصارات نور الدين وضم دمشق
وعاد نور الدين إلى الشام، وأخذ ما كان قد ادخره أبوه أتابك من الخزائن، وكانت كثيرة جداً.
فغزا نور الدين محمود بن زنكي بلد الفرنج من ناحية أنطاكية، وقصد حصن حارم وهو للفرنج، فحصره، وخرب ربضه، ونهب سواده، ثم رحل إلى حصن إنب فحصره أيضاً.
فاجتمع الفرنج مع البرنس صاحب أنطاكية وحارم، وتلك الأعمال، وساروا إلى نور الدين ليرحلوه عن إنب، فلقيهم يوم الأربعاء حادي وعشرين من صفر، سنة أربع وأربعين وخمسمائة، واقتتلوا قتالاً عظيماً، وباشر نور الدين القتال ذلك اليوم، فانهزم الفرنج أقبح هزيمة، وقتل منهم جمع كثير، وأسر مثله.
وكان ممن قتل ذلك اليوم البرنس صاحب أنطاكية، وكان من عظماء الفرنج وأقويائهم. ويحكى عنه أنه كان يأخذ الركاب الحديد بيده، فيطبقه بيده الواحدة، وأنه مر يوماً وهو راكب حصاناً قويا تحت قنطرة فيها حلقة أو شيء مما يتعلق به، فتعلق بيديه وضم فخذيه على الحصان فمنعه الحركة.
فلما قتل البرنس ملك بعده ابنه بيمند، وتزوجت أمه بابرنس آخر، ليدبر البلد إلى أن يكبر ابنها، وأقام معها بأنطاكية، فغزاهم نور الدين غزوة ثانية، فاجتمعوا ولقوه فهزمهم، وقتل منهم خلقاً وأسر كذلك، وأسر البرنس الثاني زوج أم بيمند، واستقل بيمند بأنطاكية.
وفي ذلك يقول الشيخ أبو عبد الله القيسراني من قصيدة أولها:
هذي العزائم لا ما تدعي القضب ... وذي المكارم لا ما قالت الكتب
صافحت يا ابن عماد الدين ذروتها ... براحة للمساعي دونها تعب
أغرت سيوفك بالأفرنج راجفة ... فؤاد رومية الكبرى لها يحب
ضربت كبشهم منها بقاصمة ... أودى بها الصلب وانحطت بها الصلب
طهرت أرض الأعادي من دمائهم ... طهارة كل سيف عندها جنب
وقال ابن منير في ذلك:
صدم الصليب على صلابة عوده ... فتفرقت أيدي سبا خشباته
وسقى البرنس وقد تبرنس ذلة ... بالروج مما قد جنت غدراته
تمشي القناة برأسه وهو الذي ... نظمت مدار النيرين قناته
وسار نور الدين محمود إلى أفامية، في سنة خمس وأربعين، فالتجأ الفرنج إلى حصنها فقاتله، واجتمع الفرنج وساروا إليه ليرحلوه عنه، فوجدوه قد ملكه وملأه من الرجال والذخائر، فسار في طلبهم، فعدلوا عن طريقه، ودخلوا بلادهم.
وجمع نور الدين العساكر وسار إلى بلاد جوسلين الفرنجي ليملكها وكان جوسلين من أشجع الفرنج وأسدهم رأياً، فجمع الفرنج وأكثر، وسار إلى نور الدين والتقيا، وفانهرم المسلمون وقتل منهم وأسر.
وكان سلاحدار نور الدين ممن أسر، فأخذ جوسلين سلاحه، فسيره إلى الملك مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية، وقال: هذا سلاح زوج ابنتك. فعظم ذلك على نور الدين، وهجر الراحة إلى أن يأخذ بثأره، وجعل يفكر في حيلة يحتال بها على جوسلين، وعلم أنه إن قصده احتمى في حصونه.

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 31-05-2011 - 04:19 ]
 رقم المشاركة : ( 119 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

فأحضر أمراء التركمان، وبذل لهم الرغائب إن ظفروا بجوسلين، فجعلوا عليه العيون، فخرج إلى الصيد فظفر به طائفة من التركمان، فصانعهم على مال يؤديه إليهم، فأجابوه إلى إطلاقه إذا أحضر المال، وأرسل في إحضاره.
فمضى بعض التركمان إلى مجد الدين أبي بكر ابن الداية، وكان ابن داية نور الدين، واستنابه في حلب، وسلم أمورها إليه، فأحسن الولاية فيها والتدبير، فأعلم ذلك التركماني ابن الداية بصورة الحال، فسير مجد الدين معه عسكراً، فكبسوا أولئك التركمان، وأخذوا جوسلين أسيراً، وأحضروه إلى ابن الداية، في محرم هذه السنة.
فسار نور الدين عند ذلك إلى قلاع جوسلين، ففتح عزاز بعد الحصار، في ثامن عشر ربيع الأول، سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وفتح تل باشر، وتل خالد وفتح عين تاب سنة خمسين، وفتح قورس والراوندان وبرج الرصاص، وحصن البيرة وكفرسود ومرعش ونهر الجوز.
وتجمع الفرنج وساروا إليه وهو ببلاد جوسلين ليمنعوه عن فتحها، في سنة سبع وأربعين وخمسمائة، فلما قربوا منه رجع إليهم، ولقيهم عند دلوك، فاقتتلوا فانهرم الفرنج، وقتل منهم وأسر كثير، وعاد إلى دلوك ففتحها.
وأما تل باشر فإنه تسلمها منهم بعد فتحه دمشق، لأنهم لما علموا أنه فتح دمشق، وأنه يقصدهم ولا طاقة لهم به راسلوه، وبذلوا له تسليمها إليه، فسير إليهم الأمير حسان صاحب منبج لقربها من منبج فتسلمها منهم، وحصنها.
وكان فتحه دمشق في صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة لأن الفرنج أخذوا عسقلان من المصريين في سنة ثمان وأربعين، ولم يكن له طريق إلى إزعاجهم عنها لاعتراض دمشق بينه وبين عسقلان.
وطمع الفرنج في دمشق، وجعلوا عليها قطيعة يأخذونها منهم في كل سنة، فخاف نور الدين أن يملكها الفرنج، فاحتال في أخذها لعلمه أن أخذها بالقهر يصعب لأنه متى نارلها راسل صاحبها الفرنج مستنجداً بهم، وأعانوه خوفاً من نور الدين أن يملكها فيقوى بها عليهم.
فراسل مجير الدين أبق بن محمد بن محمد بن بوري صاحبها، واستماله وهاداه، وأظهر له المودة حتى وثق به، فكان يقول له في بعض الأوقات: " إن فلانا قد كاتبني في تسليم دمشق يعني بعض أمراء مجير الدين فكان يبعد ذلك عنه، ويأخذ أقطاعه، فلما لم يبق عنده أحد من الأمراء قدم أميراً يقال له عطاء بن حفاظ الخادم، وكان شجاعاً وفوض إليه أمور دولته، فكان نور الدين لا يتمكن من أخذ دمشق منه، فقبض عليه مجير الدين وقتله.
فسار نور الدين حينئذ إلى دمشق، وكان قد كاتب أهلها واستمالهم، وكان الناس يميلون إليه، لما هو عليه من العدل والديانة والإحسان، فوعدوه بالتسليم إليه. فلما حصر دمشق أرسل مجير الدين إلى الفرنج يبذل لهم الأموال وتسليم قلعة بعلبك إليهم، لينجدوه ويرحلوا نور الدين عنه، فشرعوا في جمع فارسهم وراجلهم لذلك.
فتسلم نور الدين دمشق، وخرج الفرنج وقد قضي الأمر فعادوا خائبين، وسلمها إليه أهلها من باب شرقي، والتجأ مجير الدين إلى القلعة، فراسله وبذل له عوضاً عنها حمص، وغيرها، فسلمها إليه وسار إلى حمص، ثم أنه راسل أهل دمشق، فعلم نور الدين، فخاف منه، فأخذ منه حمص، وعوضه ببالس، فلم يرض بذلك، وسار إلى بغداد فمات بها.
وسار نور الدين إلى حارم، وهي لبيمند صاحب أنطاكية، وحصرها في سنة إحدى وخمسين، وضيق على أهلها، فتجمع الفرنج وعزموا على قصده فأرسل والي حارم إلى الفرنج، وقال: لا تلتقوه فإنه إن هزمكم أخذ حارم وغيرها، ونحن في قوة والرأي مطاولته فأرسلوا إلى نور الدين، وصالحوه على أن يعطوه نصف أعمال حارم، ورجع نور الدين إلى حلب.
الزلازل في بلاد الشام
ووقعت الزلازل في شهر رجب في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، بالشام، فخربت حماة، وشيزر، وكفر طاب، وأفامية، ومعرة النعمان، وحمص، وحصن الشميمس عند سلمية، وغير ذلك من بلاد الفرنج وتهدمت أسوار هذه البلاد فجمع نور الدين العساكر، وخاف على البلاد من الفرنج، وشرع في عمارتها حتى أمن عليها.
(

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 21-11-2012 - 04:19 ]
 رقم المشاركة : ( 120 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,905
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء متواجد حالياً

   

بعد إذن الأخ أحمد بدي اكمل الموضوع

..............................................

وأما شيزر، فانقلبت القلعة على صاحبها وأهله، فهلكوا كلهم، وكان قد ختن ولداً له وعمل وليمة، وأحضر أهله في داره، وكان له فرس يحبه ولا يكاد يفارقه، وإذا كان في مجلس أقيم ذلك الفرس على بابه، فكان ذلك اليوم على الباب، فجاءت الزلزلة فقام الناس ليخرجوا من الدار فخرج واحد من الباب فرمحه ذلك الفرس فقتله، فامتنع الناس من الخروج، فسقطت الدار عليهم فهلكوا.
وبادر نور الدين، ووصل إلى شيزر، وقد هلك تاج الدولة بن متقذ وأولاده، ولم يسلم منهم إلا الخاتون أخت شمس الملوك زوجة تاج الدولة، ونبشت من تحت الردم سالمة، فتسلم القلعة وعمر أسوارها ودورها، وكان نور الدين قد سأل أخت شمس الملوك عن المال وهددها، فذكرت له أن الدار سقطت عليها وعليهم، ونبشت هي دونهم، ولا تعلم بشيء، وإن كان لهم شيء فهو تحت الردم.
وكان شرف الدولة إسماعيل غائباً، فلما حضر وعاين قلعة شيزر، ورأى زوجة أخيه في ذلك الذل بعد العز، عمل قصيدة أولها:
ليس الصباح من المساء بأمثل ... فأقول لليل الطويل ألا انجلى
قال فيها:
يا تاج دولة هاشم بل يا أبا الت ... يجان بل يا قصد كل مؤمل
لو عاينت عيناك قلعة شيزر ... والستر دون نسائها لم يسبل
لرأيت حصناً هائل المرأى غدا ... متهلهلاً مثل النقا المتهيل
لايهتدي فيه السعاة لمساك ... فكأنما تسري بقاع مهول
ذكر فيها زوجة أخيه، فقال:
نزلت على رغم الزمان ولو حوت ... يمناك قائم سيفها لم تنزل
فتبدلت عن كبرها بتواضع ... وتعوضت عن عزها بتذلل
وأقامت الزلازل تتردد في البلاد سبع سنين، وهلك فيها خلق كثير.
وفي هذه السنة أبطل الملك العادل نور الدين، وهو بشيزر، مظالم ومكوساً ببلاده كلها مقدارها مائة وخمسون ألف دينار.
ثم إن نور الدين تلطف الحال مع ضحاك البقاعي، وراسله، وهو ببعلبك، وكان قد عصى فيها بعد فتح دمشق، ولم ير أن يحصره بها لقربه من الفرنج، فسلمها إلى نور الدين في هذه السنة.
وجرت وقعة بين نور الدين وبين الفرنج بين طبرية وبانياس، فكسرهم نور الدين كسرة عظيمة في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
مرض وعافية
ثم عاد نور الدين إلى حلب، فمرض بها في سنة أربع وخمسين مرضاً شديداً، بقلعتها، وأشفى على الموت، وكان بحلب أخوه الأصغر نصر الدين أمير أميران محمد بن زنكي، وأرجف بموت نور الدين، فجمع أمير أميران الناس، واستمال الحلبيين، وملك المدينة دون القلعة، وأذن للشيعة أن يزيدوا في الأذان: حي على خير العمل محمذ وعلي خير البشر، على عادتهم من قبل، فمالوا إليه لذلك.
وثارت فتنة بين السنة والشيعة، ونهب الشيعة مدرسة ابن عصرون وغيرها من أدر السنة، وكان أسد الدين شيركوه بحمص، فبلغه ذلك فسار إلى دمشق ليغلب عليها، وكان بها أخوه نجم الدين أيوب فأنكر عليه ذلك، وقال: أهلكتنا والمصلحة أن تعود إلى حلب، فإن كان نور الدين حياً خدمته في هذا الوقت، وإن كان مات فأنا في دمشق، وتفعل ما تريد.
فعاد مجدا إلى حلب، فوجد نور الدين وقد ترجح إلى الصلاح، فأجلسه في طيارة مشرفة إلى المدينة، بحيث يراه الناس كلهم، وهو مصفر الوجه من المرض، ونادوا إلى الناس: هذا سلطانكم. فقال بعضهم: ما هذا نور الدين، بل هو فلان يعنون رجلاً كان يشبهه وقد طلى وجهه بصفرة، ليخدعوا الناس بذلك ولما تحقق أمير أميران عافية أخيه خرج من الدار التي كان بها تحت القلعة، وبيده ترس يحميه من النشاب، وكان الناس قد تفرقوا عنه، فسار إلى حران، فملكها.
وسير نور الدين إلى قاضي حلب، جدي أبي الفضل هبة الله بن أبي جرادة، وكان يلي بها القضاء والخطابة والإمامة، وقال له: تمضي إلى الجامع، وتصلي بالناس، ويعاد الأذان إلى ما كان عليه.
فنرل جدي، وجلس بشمالية الجامع تحت المنارة، واستدعى المؤذنين، وأمرهم بالأذان المشروع على رأي أبي حنيفة، فخافوا فقال لهم: ها أنا أسفل منكم ولي أسوة بكم.

رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

العبارات الدلالية
, ,

زبدة الحلب في تاريخ حلب



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع


المواضيع المتشابهه للموضوع: زبدة الحلب في تاريخ حلب
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بلدة سبخة الجبول ريف حلب حلب الشهباء الريف الحلبي 0 13-10-2012 02:12
تاريخ حلب احمد الحلبي مدينة حلب الشهباء 0 06-05-2011 04:35
كاريكاتير ( ضرب الحبيب ... زبيب ) ابراهيم الاهلاوي صور منوعة 10 27-04-2009 08:24
إدمان صبية ابونجبو صور منوعة 4 17-01-2008 10:59

الساعة معتمدة بتوقيت مدينة حلب الأن 06:00