نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 06-05-2011 - 04:54 ]
 رقم المشاركة : ( 41 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

ثم إن عزيز الدولة تغير عليه الحاكم فعصى عليه، وضرب الدينار والدرهم باسمه بحلب، ودعا لنفسه على المنبر، فأرسل الحاكم إلى الجيوش، وأمرها أن تتجهز إليه في سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
فلما بلغ عزيز الدولة ذلك أرسل إلى باسيل ملك الروم يستدعيه ليسلم إليه حلب، فخرج باسيل الملك، فلما بلغ موضعاً يعرف بمرج الديباج، بلغ عزيز الدولة وفاة الحاكم، فأرسل إلى باسيل يعلمه إنه قد انتقض ما كان بينهما من الشرط، وأنه إن ظهر كان هو وبنو كلاب حرباً له.
فعدل باسيل إلى منازكرد فأخذها من الخزر، وكان الناس قد أجفلوا من ملك الروم إلى حلب، فكانت هذه الجفلة تسمى جفلة عزيز الدولة لأنها بسببه.
ولما اطمأن عزيز الدولة بموت الحاكم، ووصلته من الظاهر الخلع من مصر، ودخل غلام له يدعى تيزون، وكان هندياً، وكان يميل إليه، ودخل في أول الليل عليه، وهو نائم في المركز، وفي يده سيف مجرد مستور في كمه ليقتله، فوجد صبياً من رفقته يغمزه فلما رآه الصبي حرك مولاه ليوقظه، فبادر الهندي، وضرب عزيز الدولة فقتله، وثئى بالصبي، وقتل الهندي. وذلك كله لأربع ليال خلت من شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث عشرة وأربعمائة.
وعمل شاعره المفضل بن سعيد:
لحمامه المقضي ربي عبده ... ولنحره المفري حد حسامه
وكان الوالي بالقلعة، ومن قبل عزيز الدولة، أبا النجم بدراً التركي مملوكاً كان لبنجوتكين مولى عزيز الدولة فاتك، وكانت بينهما في أيام بنجوتكين صداقة ومودة بحكم المرافقة.
فلما تقدم عزيز الدولة قربه واصطفاه، وولاه القلعة بحلب من قبله. وقيل: إنه مملوك لعزيز الدولة، ويعرف ببدر الكبير. وقيل: إنه هو الذي حمل تيزون على قتل عزيز الدولة: فلما قتل استولى على البلد، يوم الأحد العاشر من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، ولقب وفّي الدولة وأمينها. وكان كاتب بدر رجلاً يقال له ابن مدبر إلى أن وردت العساكر المصرية من جهة الطاهرة وزعيمها سديد الدولة علي بن أحمد الضيف، فتسلم حلب من وفّي الدولة بدر.
محمد الكتامي صفي الدولة
ولما دخل الضيف على بحر بكتاب الطاهر، لطف به، واسترسل إليه، وطرح القيد في رجله، وقبض عليه، وأنزله من القلعة، وتسلمها منه، فسلمها إلى صفي الدولة أبي عبد الله محمد ابن وزير الوزراء أبي الحسن علي بن جعفر بن فلاح الكتامي، يوم الأربعاء الحادي عشر من شهر رجب سنة ثلاث عشرة وأربعمائة.
وكان صفي الدولة هذا شاعراً أديباً، وأبوه علي وزر للحاكم، وجده جعفر بن فلاح أحد قواد المصريين، ووليت القلعة يمن الدولة سعادة الخادم المعروف بالقلانسي، وكان تخادماً بلحية بيضاء، وكان من أفاضل المسلمين، فيه الدين والعلم، وجعل الطاهر في المدينة والياً، وفي القلعة والياً خوفاً أن يبدو من والي حلب ما بدا من عزيز الدولة فاتك.
وعزل صفي الدولة بن فلاح عن حلب، يوم الاثنين النصف من المحرم سنة أربع عشرة وأربعمائة.
ابن ثعبان سند الدولة
وولي حلب الأمير سند الدولة أبو محمد الحسن بن محمد بن ثعبان الكتامي الجيملي، وكان وأهله من وجوه كتامة، وكان والياً بحصن أفامية. وهو الذي كتب إليه أبو العلاء بن سليمان " الرسالة السندية " في مجلد واحد، وكان وزيره أبو سعيد مسبح.
وتوفي سند الدولة بمرض ناله بحلب، يوم الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وأربعمائة.
ثعبان سديد الملك
وكان خبر مرضه قد وصل إلى الظاهر، فكتب إلى أخيه سديد الملك أبي الحارث ثعبان بن محمد بن ثعبان إلى تنيس، وكان يليها، أن يسير والياً إلى حلب.
فخرج من تنيس في البحر إلى طرابلس، وسار من طرابلس جريدة فورد إلى حلب، وقد توفي أخوه. وكان وصوله إلى حلب، يوم الأحد السابع عشر من جمادى الأولى سنة خمس عشرة وأربعمائة.
(

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 06-05-2011 - 04:55 ]
 رقم المشاركة : ( 42 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وكان قاضي حلب، في سنة خمس عشرة وأربعمائة أبا أسامة عبد الله بن أحمد ابن علي أبي أسامة، نيابة عن ابن أبي العوام قاضي مصر عن الظاهر. وولي القلعة أبو الحارث موصوف الخادم الصقلابي الأبيض الحاكمي، من قبل الطاهرة وكان شجاعاً، عاقلاً، وأقاما فيها واليين أحدهما بالمدينة، والآخر بالقلعة، إلى أن حالف الأمير أبو علي صالح بن مرداس بن إدريس الكلابي سنان بن عليان الكلبي، وحسان ابن المفرج بن الجراح الطائي على الظاهرة وتحالفوا على احتواء الشام، وتقاسموا البلاد. فتكون فلسطين وما برسمها لحسان، ودمشق وما ينسب إليها لسنان، وحلب وما معها لصالح. فأنفذ الظاهر إلى فلسطين أنوشتكين الدزبري والياً، فاجتمع الأمراء الثلاثة على حربه، فهزموه إلى عسقلان.
وفتح حسان الرملة بالسيف، في رجب سنة خمس عشرة وأربعمائة. وأحرق أكثرها، ونهبها، وسبى خلقاً من النساء والصبيان.
القسم العاشر
حلب والمرداسيون
صالح بن مرداس
وسير صالح بن مرداس كاتبه أبا منصور سليمان بن طوق، فوصل إلى معرة مصرين، وغلب عليهاة وقبض واليها، وقيده، وسار إلى حلب في جماعة من العرب، لسبع بقين من رجب. فجرى بينه وبين سديد الملك ثعبان وموصوف الخادم، حرب في أيام متفرقة.
وسار صالح بن مرداس إلى حلب، في جمع كثير، ونزلها يوم الأحد لسبع وعشرة ليلة خلت من شهر رمضان من سنة خمس عشرة وأربعمائة، على باب الجنان. وجاب الحلل يوم الاثنين، وحاصرها ستة وخمسين يوماً، فوقع خلف بين موصوف و الخادم وبين أبي المرجا سالم بن مستفاد غلام سيف الدولة بن حمدان، وكان من كبار القواد بحلب، وداره بالزجاجين، وحمامه أيضاً، آثارها باقية إلى وقتنا هذا.
فعزم موصوف على قتل سالم هذا، فجمع سالم جمعاً، وفتح باب قنسرين، وخرج إلى صالح، فأخذ منه الأمان لنفسه، ولجميع أهل المدينة. وسلمت المدينة إليه، يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة.
واحتمى سديد الملك بن ثعبان في القصر الملاصق للقلعة، ونصبت المنجنيقات والعرادات عليه وعليها.
ثم إن صالحاً رتب أبا المرجا سالم بن المستفاد، وكاتبه سليمان بن طوق على قتال القصر والقلعة بحلب.
وسار إلى فلسطين منجداً حسان بن المفرج على الدزبري، فإنه جمع، وعاد إليه في جيش كثيف، فالتقى الجيشان فكسر الدزبري، وعاد مفلولاً.
وأما قلعة حلب فإن الحلبيين نقبوها، ووصل النقب إلى بئرها المعين، وقل الماء فيها، ودام الحصار عليها سبعة أشهر.
وراسل من في القلعة سالماً وسليمان في الصلح في عاشر ربيع الآخرة فلم يجيباهم. ونصبوا الصلبان ثلاثة أيام، ودعوا لملك الروم، ولعنوا الطاهر، ونقر الناقوس، وقاتلوا القلعة، ثم نفروا يوم الجمعة ثاني عشر الشهر، وحملوا المصاحف على أطراف الرماح في الأسواق، ونادوا النفير وزحفوا.
فاستأمن جماعة من المغاربة الذين في القلعة، فخلع عليهم، وطيف بهم في المدينة. وبسطت ثياب الديباج والسقلاطون، وبدر المال مقابل القلعة، وبذلت لمن ينزل إلى ابن مستفاد وسليمان مستأمناً.
فلما يئس أهل القلعة من النجدة نزل رجل أسود يعرف بأبي جمعه، وكان عريف المصامدة إلى المدينة، وبقي أياماً ينزل من القلعة ويصعد فأفسده سالم بن مستفاد وسليمان بن طوق.
فلما جاء ليطلع القلعة في بعض الأيام تقدم موصوف الخادم والي القلعة برد الباب في وجهه، فصاح إلى أصحابه، فالتفت المصامدة والعبيد في القلعة، ووقع الصوت إلى أهل حلب، فطلعوا إلى القلعة من كل مكان.
ودخلها ابن طوق وابن مستفاد، يوم الأربعاء مستهل جمادى الأولى سنة ست عشرة وأربعمائة وقبض على موصوف الصقلبي وسديد الملك ثعبان، وأبي الفضل بن أبي أسامة.
فأما ثعبان ففدى نفسه بمال دفعه إلى صالح، وأما موصوف فضرب رقبته صبراً بين يديه. وأما القاضي أبو الفضل بن أبي أسامة فدفنه حياً في القلعة.
ولما جدد الملك العزيز أبو المظفر محمد بن غازي رحمه الله الدار الكبرى التي ابتناها بقلعة حلب، وحفر أساسها، وجدوا مطمورة فيها رجل في ساقيه لبنة حديد، وهو جالس فيها قد دفن حياً ولم يبق إلا عظامه، وهو على هيئة القاعد فيها. ولا أشك في أنه ابن أبي أسامة المذكور والله أعلم.
وملك صالح في هذه السنة: حمص، وبعلبك، وصيدا، وحصن ابن عكار بناحية طرابلس. وكان في يده الرحبة، ومنبج، وبالس، ورفنية.
(

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 06-05-2011 - 04:55 ]
 رقم المشاركة : ( 43 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وكان، وهو محبوس بالقلعة عند مرتضى الدولة، قد رأى في المنام كأن إنساناً قد دخل عليه، فألبسه قلنسوة ذهب، ففزج الله عنه، وخرج من السجن، وكان منه ما ذكرنا.
ثم إن الظاهر سير عسكراً مع الدزبري وضم رافع بن أبي الليل إليه وقدمه على الكلبيين، وجهزه إلى محاربة حسان بن المفرج الطائي، لأنه كان قد أخرب الشام، وعاث، وأفسد.
فلما علم حسان بقربه استصرخ صالحاً، فتوجه نحوه، فرأى صالح ذلك الشخص في المنام بعينه، قد دخل عليه وانتزع من رأسه القلنسوة الذهب، فتطير من ذلك.
نهاية صالح بن مرداس
ولما وصل إلى حسان ونشبت الحرب بينهما وبين الدزبري، وذلك بالموضع المعروف بالأقحوانة على الأردن، طعن صالح فسقط عن فرسه، طعنه طريف الفزاري فرآه رافع بن أبي الليل فعرفه، فأجهز عليه، وقطع رأسه، وبادر به الدزبري .
وقيل: طعنه رجل يقال له ريحان. وكان أسد الدولة صالح على فرس، فما زال يرمح حتى رماه، وجاءه رافع فأخذ رأسه، وكان مقتله لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة عشرين وأربعمائة. وقيل: في يوم الأربعاء ثامن جمادى الأولى من السنة.
في الوزير تاذرس
وكان قاضي حلب في أيامه القاضي أبا يعلى عبد المنعم بن عبد الكريم بن سنان المعروف بالقاضي الأسود، بعد ابن أبي أسامة، ولي قضاءها سنة ست عشرة، واستمر على القضاء في أيام ابنه شبل الدولة.
وكان وزير صالح تاذرس بن الحسن النصراني، فأخذ في الوقعة وصلب وكان هذا النصراني متمكناً عند صالح، وكان صاحب السيف والقلم.
وقيل: إته كان يترجل له لعنه الله، الولاة والقضاة، فمن دونهم إلا القاضي أبا يعلى عبد المنعم بن عبد الكريم بن سنان قاضي حلب، والشيخ أبا الحسن المهذب بن علي بن المهذب فإنه أراد أن يترجل له فحلف أن لا يفعل.
وقيل: إن أهل حاس قرية بمعرة النعمان قتلوا حماه، كان يقال له الخوري، وكان من أهل تلمنس، لأذيته لهم، فحين سمع تاذرس بقتل حميه الخوري، خرج في عسكر حلب، وطلب أهل حاس في الجبال والضياع، وهرب القاتلون إلى أفامية، فلحقهم، فسلمهم إليه واليها.
فكتب إلى صالح يستأذنه في قتلهم، فأذن له فقتلهم، وصلبهم، فلما أنزلوا عن الخشب ليصلى عليهم ويدفنوا، صلى عليهم خلق عظيم.
وقال الناس حينئذ، يكايدون النصارى: قد رأينا عليهم طيوراً بيضاً، وما هي إلا الملائكة، فبلغت هذه الكلمة تاذرس لعنه الله فنقمها على أهل المعرة، واعتدها ذنباً لهم.
فاتفق أن صاحت امرأة في الجامع، يوم الجمعة، وذكرت أن صاحب الماخور أراد أن يغصبها نفسها، فنفر كل من في الجامع إلا القاضي والمشايخ، وهدموا الماخور، وأخذوا خشبه، وكان أسد الدولة صالح في صيدا، سنة سبع عشرة وأربعمائة.
فلما توجه إلى حلب، سنة ثمان عشرة، لم يزل به تاذرس حتى اعتقل مشايخ المعرة وأماثلها، فاعتقل منهم سبعين رجلاً، وقطع عليهم ألف دينار وقال له صالح حين لج عليه: أأقتل المهذب أو أبا المجد، بسبب ماخور! ما أفعل! " وقد بلغني أنه دعي لهم في آمد وميافارقين، فغلبه على رأيه، فبقوا في الاعتقال في الحصن، سبعين يوماً، إلى أن اجتاز صالح بالمعرة، واستدعى أبا العلاء ابن سليمان بظاهر المعرة.
فلما حصل عنده بالمجلس قال له الشيخ أبو العلاء، ساعياً فيهم: مولانا السيد الأجل أسد الدولة ومقدمها وناصحها، كالنهار الماتع، اشتد هجيره، وطاب أبرداه، وكالسيف القاطع، لأن صفحه، وخشن حداه، " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " فقال صالح: " قد وهبتهم لك أيها الشيخ " . ولم يعلم أبو العلاء بما قطع عليهم من المال فأخذ منهم. ثم قال أبو العلاء شعراً:
تغيبت في منزلي برهة ... ستيرالعيوب فقيد الحسد
فلما مضى العمر إلا الأقل ... وحم لروحي فراق الجسد
بعثت شفيعاً إلى صالح ... وذاك من القوم رأي فسد
فيسمع مني سجع الحمام ... وأسمع منه زئيرالأسد
فلا يعجبني هذا النفاق ... فكم نفقت محنة ما كسد
القسم الحادي عشر
ثانياً نصر بن صالح بن مرداس
حرب الأخوين
ولما قتل صالح بن مرداس، ملك حلب بعده ابناه معز الدولة أبو علوان ثمال في القلعة، وشبل الدولة نصر في المدينة.

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 06-05-2011 - 04:55 ]
 رقم المشاركة : ( 44 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وأوقعا في هذه السنة على قيبار بقطبان أنطاكية ميخائيل الخادم. وكان قصد بلد حلب بغير أمر الملك ولاطفه ثمال ونصر، فلم يرجع عن قصد بلد حلب، فكبساه في قيبار، وهو يقاتل حصنها وقتل جماعة من الفريقين، وانهزم عسكر الروم يوم الخميس لليلة بقيت من جمادى الآخرة.
ثم استعطفاه واستقامت الحال بينهم، وداما على ذلك إلى أن جرى بين معز الدولة ثمال وبين زوجته كلام، فغضبت عليه، وخرجت إلى الحلة بظاهر حلب، فأمر ثمال أن يصاغ لها لآلكة من ذهب مرصعة بالجواهر فلما استوت أخذها في كمه وخرج.
فحين علم نصر ركب واجتاز تحت القلعة، كأنه يريد الخروج من باب العراق، في جماعة من أصحابه، وجذب سيفه لما قارب باب القلعة، وهجمها فلم يمانعه أحد من الأجناد لهيبته، وتبعه أصحابه مجردين سيوفهم، فجلس في المركز وقال: إن من قدم أخي علي فقد أساء لأنني أولى بمداراة الرجال، وهو أولى بمداراة النساء.
ومن ذلك اليوم جعل لأبواب قلعة حلب سلسلة تمنع الراكب الصعود فجاء، ورسم أن لا يدخلها أحد متقلداً سيفاً، ولو أنه أقرب الناس مودة إلى مالكها.
فتفرد نصر بالأمر في القلعة والبلد، وذلك في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. وكان وزيره أبا الفرج المؤمل بن يوسف الشماس، الذي ينسب إليه حمام الشماس بحلب، في الجلوم، وكان نصرانياً وكان حسن التدبير، محباً لفعل الخير وكان أخوه ناظراً في البلد البراني، فعمره، وعمر المساجد البرانية.
فجمع أبو علوان ثمال بن صالح الأعراب، وعزم على منازلة أخيه نصر، فسير نصر إلى ملك الروم أرمانوس وكان قد هلك باسيل في سنة خمس عشرة، وولي أرمانوس يستدعيه إلى حلب فخرج على ما قيل في ستمائة ألف حتى وصل إلى أنطاكية.
فتوسط مقدمو العرب بين نصر وثمال، ووقفوا بينهما على أن يكون لنصر حلب، ولثمال بالس والرحبة، فرجع نصر عما كان راسل به ملك الروم.
نصر والروم
وأرسل ابن عمه مقلد بن كامل بن مرداس إلى ملك الروم، يسأله أن لا يقصده، ويحمل إليه من القطيعة ما كان يحمله أولاد سيف الدولة إلى باسيل، فأبى واعتقل مقلد بن كامل عنده، فحين تحقق رجوع نصر عن رأيه الأول جبن وضعف عن منازلة حلب.
وسار من أنطاكية إلى قيبار في بضعة عشر يوماً، وكسرت سرية له عرب حلب، وكانوا قد طاردوا عسكر الروم، فاستظهر الروم عليهم، وكان معه ملك البلغر، وملك الروس، والأبخاز، والخزر، والأرمن والبجناك، والأفرنج.
ونزل الملك بجيوشه على تبل قريباً من الجبل، في موضع بعيد عن الماء، وضرب على عسكره خندقاً، وكانت أمواله على سبعين جمازة، وكان قدر موضع عسكره لمن يدور حوله مقدار يوم في يوم للمجد الراكب على فرس.
ولقيه في طريقه أبو علوان دفاع بن نبهان الكلابي في خيل قليلة، فنال من سرياه كل ما طلب، وأرسل الملك سرية فيها صناديد عسكره إلى عزاز، فلقيتها بنو كلاب، فظفروا بها، وقتلوا بطارقها، وأسروا جماعة من أولاد الملوك الذين معهم، وجسرت عليهم بنو كلاب، فحاصروهم في الموضع الذي نزلوا فيه.
ولقد أخبر بعض من شاهدهم أن مقثاوة كانت قريبة من العسكر بمقدار رمية سهم، وأن الروم لم يقطعوا منها قثاءة واحدة، خوفاً من العرب أن تتخطفهم.
ولما كسرت السرية التي أرسلها الملك أجمع رأيه على العود إلى بلاده، واعتذر قائلاً: لولا عطش عسكري لبلغت مرادي.
وهجم نصر والعرب على سوق الملك فنهبوه، وتأخر رحيل ملك الروم من منزلته ثلاثة أيام.
وأقبل شبل الدولة نصر في تسعمائة وثلاثة وعشرين فارساً، وقيل في سبعمائة فارس، فحين أشرف على الروم ظنوا أنها كبسة فانهزموا، ومنح الله أكتافهم يوم الاثنين لسبع ليال خلت من شعبان سنة إحدى وعشرين.
ونزع ارمانوس الملك خفه الأحمر لئلا يعرف، ولبس خفا أسود ولا يلبس الخف الأحمر عندهم إلا الملك وهرب. وأخذ شبل الدولة تاجه وبلاطه ولباده، وهرب في أرمن كانوا معه حموه بالسهام.
وأخذ الروم الطريق إلى الجبل منهزمين وطلعوا فيه، وحصلوا في بلد قورس، وكان للروم. ولحق بعضهم ولم يبق مع الملك إلا القليل. وقتل المسلمون من بطارقته وغيرهم ما لا يحصى، وأسروا من أولاد الملوك وغيرهم كذلك، واشتغل الناس بالنهب، وأخذوا من الدواب والثياب والديباج والأمتعة وآلات العسكر ما لا يوصف.

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 06-05-2011 - 04:55 ]
 رقم المشاركة : ( 45 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وذكر أن طائفة من بني قطن من نمير وردت عند الهزيمة، فأخذت ثقل الملك نحواً من ثلاثمائة بغل محملة، حتى أنهم تقاسموا الدنانير الأرمانوسية بالقصعه، فحصل لكل واحد منهم ثماني عشرة جفنة.
وكان ملك الروم لما رحل طرح النار في المنجنيقات والعرادات والتراس، ونهب الناس منها ما أبقته النار، حتى أن أكثر سقوف بلد حلب جعلت التراس عليها عوض الدفوف.
وقيل: إن الناس بحلب باتوا على السور قبل الوقعة بيوم، وفيهم ابن نمير العابد، فبات يصفي على السور، وسجد في آخر الليل، فنام وهو ساجد، فرأى في منامه علياً عليه السلام راكباً، ولباسه أخضر، وبيده رمح، وهو يقول له: " ارفع رأسك يا شيخ، فقد قضيت حاجتك. فانتبه بقوله فحكى للناس ذلك، فتباشروا به. وحكي عن مرتضى الدولة إنه قال، " استدعاني أرمانوس في آخر تلك الليلة التي رأى ابن نمير تلك الرؤيا فيها، فقال لي: لكم بحلب راهب. فعلمت أنه يعني أبن نمير، فقلت: نعم، فقال: صفه لي، فوضفته، وحليته، فقال لي: رأيت هذا الرجل بعينه في هذه الساعة، وكأني قد أشرفت على سور هذه المدينة، وهو قائم عليه يومىء إلي بيده ويقول: ارجع، فما تصل إلى هذا البلد. وتكرر ذلك، ولا أرى أنه يتم فيه شيء. فلما كان من غد كسرت السرية التي أرسلها الملك إلى عزاز، ثم كانت الوقعة والهزيمة بعد ذلك.
وقد ذكرنا عن ابن نمير نحواً من هذه الحكاية، عند منازلة ملك الروم حلب.
وحكى بعض الكتاب بحلب: إنه كان في خدمة وثاب بن محمد بن نصر، عند تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان، وهو في نوبتيه على ظاهر حماة، فخلع على وثاب فرجية وشق، وقال: " هذه مباركة أخذها أبي السلطان ألب أرسلان من ديوخانس ملك الروم لما كسره.
قال: فاستدعى وثاب قحف مينا ظاهراً وباطناً، وقال: " هذا يا مولانا مبارك نشرب به لأن جدي نصراً أخذه من الملك أرمانوس بناحية عزاز " . فقال تاج الدولة: " يا وثاب لم يكن بد من مساواتي في الافتخار. فقال، " لا بل عزفت مولانا كبر بيتي، وإنني له كبعض العبيد الصغار. فقال له بالتركي: بل أنت أخي الكبير. فقام وثاب، وقبل الأرض قدام السرير، فزاد في إقطاعه، وخلع وحمله على مركوبه.
وقيل: إن ثمالاً ونصراً حقد عليهما ملك الروم ما جرى منهما على ميخائيل بناحية قيبار، فخرج بنفسه، فسيرا ابن عمهما مقلد بن كامل يبذلان له الطاعة والخدمة، وكان قد سير إليهما يسومهما تسليم حلب، ويقول إنه يخاف أن تتم عليهما حيلة فتخرج حلب من أيديهما وعرض عليهما عوضاً عنها ما اختاراه، فاعتقلا رسوله انتظاراً لما يرد من جواب رسالتهما.
فبلغه ذلك فاعتقل مقلد بن كامل، وخرج بنفسه، فأخرجا حرمهما من حلب إلى البرية خوفاً منه، حتى كان من أمره ما ذكرناه، وكان ثمال في القلعة يحفظها، ونصر باشر القتال.
فلما عاد ملك الروم سار نصر وثمال لاحضار حرمهما، فسبق نصر إليها، واستولى عليها، وعوض ثمالاً بوساطة من توسط بينهما الرحبة وبالس ومنبج وأعمالها.
وخرج بعد هذه الكسرة قطبان أنطاكية الخادم المعروف بنقيطا وتفسيره بالعربية الدويك في خلق عظيم، فعاث في البلد العربي، وأفسد، وفتح حصن المنيفة، وهجم رفنية، وسبى عشرة آلاف من أهلها، ونقض أبرجة سورها في سنة إحدى وعشرين، وفتح في سنة اثنتين حصن بني الأحمر، وحصن بني غناج، وغير ذلك من الحصون وخربها.
فراسله شبل الدولة ولاطفه إلى أن صالحه، وجعله سفيراً بينه وبين ملك الروم في طلب الهدنة، فاستقر أن يحمل نصر في كل سنة إلى ملك الروم دراهم خمسمائة ألف درهم، في نجمين من السنة، قيمتها ثمانية ألاف مثقال ذهب.
وأطلق الملك مقلد بن كامل بن مرداس رسول نصر، وأعطاه صليباً من ذهب مرصعاً أماناً لنصر، ووفاء بالشرط.
وسير شبل الدولة نصر شيخ الدولة أبا الحسن بن الأيسر إلى الظاهر بمصر، وحمل إليه هدية من جملة ما غنمه من الروم، من الثياب، والصياغات، والأواني، والألطاف الكثيرة. وقاد في صحبته نحو مائة وخمسين رأساً من الدواب، خيلاً وبغالاً ووقع فعله عندهم أحسن موقع. وقام أبو الحسن الجرجرائي بتمهيد أمره. وأقام ابن الأيسر إلى أن توفي الظاهر، فخلع المستنصر على ابن الأيسر، وسير معه خلعاً لنصر بن صالح، ولفبه مختص الأمراء، خاصة الأمامة، شمس الدولة ومجدها، ذو العزيمتين.
(

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 06-05-2011 - 04:56 ]
 رقم المشاركة : ( 46 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وفي أيام نصر اجتمع بجبل السماق قوم يعرفون بالدرزية منسوبون إلى رجل خياط أعجمي، وجاهروا بمذهبهم، وخربوا ما عندهم من المساجد، ودفعوا نبوة الأنبياء، وجحدوهم إلا الإمام الحاضر الذي يدعو إليه الدرزي، وأحلوا نكاح المحارم، وتفاقم أمرهم، وتحصنوا في مغاير شاهقة على العاصي، وانضوى إليهم خلق من فلاحي حلب، وطمعوا بالاستيلاء على البلاد.
فخرج إليهم نقيطاً قطبان أنطاكية، وحاصرهم في المغاير، ودخن عليهم، وساعده على ذلك نصر بن صالح صاحب حلب، ثم التمسوا الأمان بعد اثنين وعشرين يوماً، فأخرجوهم بالأمان، وقبضوا على دعاتهم وقتلوهم، وذلك في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة.
وفي هذه السنة استوحش سالم بن مستفاد الحمداني من شبل الدولة نصر، وكان صالح بن مرداس قد ولاه رئاسة حلب بعد ما سلمها إليه، وقدمه على الأحداث، وأبقاه نصر بعده على حاله إلى هذا التاريخ واستقر عليه أحداث حلب ورعاعها ولبسوا السلاح، وعولوا على محاربة القلعة.
وكان يتردد بين سالم وبين شبل الدولة كاتب نصراني يعرف بتوما وكان يحرف ما ينقله عن ابن مستفاد إلى نصر، ويزيد في التجني، ويسوم شططاً لا يمكن إجابته إليه، وذلك من غير علم ابن مستفاد.
فلما رأى شبل الدولة نصر كثرة تعديه حمل نفسه على محاربته، وركب إليه، فلما رآه الحلبيون دعوا له وانقلبوا إليه، وقاتلوا دار ابن مستفاب، فطلب الأمان فحلف له أنه لا يجري له دماً وحبسه بالقلعة، ونهبت داره، ثم خاف استبقاءه فقتله خنقاً، ليخرج عن يمينه بأنه لم يجر له دماً.
وتبين لنصر بعد قليل كذب ذلك النصراني الكاتب، وما كان يحرفه في رسالته فقبض عليه، وطالبه بمال، فلما استصفى ماله دخل عليه بعض أجناد القلعة فخنقه في ذي القعدة. وقيل ذي الحجة من سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
نهاية نصر بن صالح بن مرداس
ودام نصر بن صالح في مملكة حلب إلى سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
وقتل في المصاف بينه وبين أمير الجيوش الدزبري.
وذلك أن أمير الجيوش استقر بدمشق، بعد قتله صالح بن مرداس بالأقحوانة، فسعى جعفر بن كليد الكتامي والي حمص في إفساد ما بين نصر بن صالح وأنوشتكين الدزبري. وكان عند أنوشتكين استعداد لذلك لقتله صالحاً أباه، فشرع جعفر بن كليد يغري أنوشتكين بنصر، ويحمله على أذاه حتى خرجا إلى الوحشة والمنافرة.
فكاتب الدزبري ملك الروم، واستأذنه في محاربة نصر، واستنقاذ حلب منه، وأن يؤدي ما عليه من الحمل المقرر إليه، فأذن له في ذلك، فاستمال الدزبري جميع العرب من الطائيين والكلبيين وبعض الكلابيين، وسيرهم إلى نصر بن صالح ومعهم رافع بن أبي الليل. ومن قبله من المقاربة، واجتمع إليه علان بن حسان بن الجراح الطائي.
ورحل الدزبري قاصداً حماة، وكان عسكره قد تقدم إلى وادي الملوك، شرقي الرستن، فحين عرف نصر بخروجهم جمع بني عمه وعسكره، ونزل تلا غربي سلمية، والتقوا فكسر نصر وأصحابه، وشرع في جمع من قدر عليه، واستنجد بشبيب بن وثاب أخي زوجته.
ورحل الدزبري عقيب الوقعة الأولى إلى حماة، فدخلها، ونهبها. ثم رحل منها فالتقوا عند تل فاس، غربي لطمين، فانهزم ثمال بن صالح.
وثبت نصر في خواص أصحابه، وقاتل قتالاً شديداً، فطعن ووقع، واحتز رأسه في نصف شعبان. وقيل: لسبع عشرة ليلة بقيت منه، من سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
وحمل رأسه إلى الدزبري فحمله، وتأسف عليه، وأظهر عليه حزناً، وأنفذ من تسلم جثته فصلبت في حماة على الحصن، ثم أمر بإنفاذ ثياب، وطيب، وتكفين الجثة في تابوت، ودفنها في المسجد فنقلها مقلد بن كامل لما ملك حماة إلى قلعة حلب. وقيل: إن الذي قتله ريحان الجويني، وأجهز عليه هفكين التركي المعروف بالسروري. وتأمل المنجمون الوقت والزمان الذي قتل فيه أبوه فكان بين قتله وقتل أبيه أربعة أيام، يريد من السنين الشمسية.
القسم الثاني عشر
ثمال بن صالح بن مرداس
ولما هرب ثمال بن صالح وصل إلى حلب، ومعه شبيب بن وثاب، في يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان، فملكها ثمال، ووعده مشايخها بالمعونة والنصر، فخوفه خليفة بن جابر الكعبي، وقال له: ربما خذلتك عشيرتك وقعد بك أهل البلد، ولم يمكنك الثبات والمقاومة، ولا الانصراف على حال السلامة. وأراد بذلك غشه لا نصحه.

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 06-05-2011 - 04:56 ]
 رقم المشاركة : ( 47 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وكان أمير الجيوش قد سير في أثرهم إلى حلب عسكراً يقدمه طغان المظفري، فخاف ثمال من المقام بحلب، وولى بقلعة حلب مقلد بن كامل بن مرداس، وبالمدينة خليفة بن جابر الكعبي.
وأطلق للتجار ديوناً كانت لهم على أخيه مقدارها ثلاثون ألفاً ذهباً، ليستميل الناس بذلك إلى طاعته، وأخذ أولاد أخيه، وأخذ شبيب زوجة أخيه أخته علوية المعروفة بالسيدة وأخذا من المال والآنية الذهب والفضة والثياب ما قدرا على حمله، وساروا إلى الجزيرة.
وقيل: أن السيدة أخذت من القلعة عند قتل نصر خمسين ألف دينار، وأخذ ثمال ثلاثين ألفاً، وسار ثمال يستنجد بأخواله بني خفاجة.
ووقعت الفتنة بحلب، ونهبت دار السلطان، وأموال التجار. وكان رسول ملك الروم قد وصل إلى حلب فنهب العامة متاعه ودوابه.
وأما طغان فإئه لما وصل بالعسكر إلى حلب نزل على المدينة، فراسله خليفة ابن جابر الكعبي ومن وافقه من الحلبيين في تسليم البلد، فتسلمه في يوم السبت الرابع من شهر رمضان.
وأنفذ رسولاً إلى الدزبري يعلمه بذلك، فأغذ السير إلى حلب، ووصل إليها في عدة قليلة، واجتاز في طريق بمعرة النعمان، فالتقاه أهلها، فأكرمهم وسألهم عن أبي العلاء بن سليمان. وقال لهم: لأسيرن فيكم بسيرة العمرين. وإجتمع عنده بالمعرة كثير من العرب، فخشي منهم، فأركب رجلاً من أصحابه جملاً، ونادى بمعرة النعمان وبظاهرها: من لم يأخذ معه قوت ثلاثة أيام فلا يلومن إلا نفسه. فلم يبق من العرب أحد حوله، وظن كل منهم أنه يطلب حلته وتم أمير الجيوش إلى حلب، فدخلها يوم الثلاثاء السابع من شهر رمضان، والقلعة مستعصية على أصحابه في يد سيف الدولة مقلد بن كامل بن مرداس، وقد احتوى على الأموال التي بها، واستولى على جمهورها.
فترددت الرسل بينه وبين مقلد حتى قرر له عما في القلعة ثمانين ألف دينار، وثياباً، وفرشاً، وآلات فضة، مكراً وخديعة، وأن يأخذ المقلد الباقي. وقنع الدزبري بذاك، وأفرج له عن نزوله وخروجه فسلم مقلد القلعة وصعد إليها أمير الجيوش، يوم الثلاثاء لثمان بقين وقيل لسبع بقين من شهر رمضان.
وأقام مقلد يوماً واحداً بعد نزوله من القلعة، وهرب بما معه من الأموال خوفاً من غدر الدزبري به، ولحق بحلته وبثمال بن صالح بالجزيرة، ونادى الدزبري في مدينة حلب بأن يخرج منها جميع الجند والحواشي الذين كانوا يخدمون ابن صالح. واجتمع الناس من سائر البلدان ليهنئوه بالفتح، وجلس للهناء في القصر بباب الجنان وعيد عيد الفطر بحلب، فذكر أنه لم ير بحلب عيد أحسن منه، لكثرة ما أظهر فيه من العدة والآلة، وأحسن إلى أهل حلب، وأمر برد ما كان صالح اغتصبه من أملاك الحلبيين، وتزوج بنت منصور بن زغيب. وولى بقلعة حلب مملوكين له. أحدهما يقال له فاتك، والآخر سبكتكين، وولى بالمدينة غلامه رضي الدولة بنجوتكين.
ثم قصد بالس ومنبج، فأخذهما. ورام أخذ الرحبة فلم يقدر عليها. وأقام بحلب إلى أن عيد عيد الأضحى، وسار إلى دمشق. ومدحه ابن حيوس بقصيدة يذكر فيها قتل نصر، ويقول فيها:
ولما طغى نصر أتحت له الردى ... ولم ينجه الجمع الكثير ولا الحشد
وبأخرى يذكر فيها حلب، أولها:
هل بعد فتحك ذا لباغ مطمع ... لله هذا العزم ماذا يصنع
وولى قضاء حلب أبا الوليد سليمان بن خلف الباجي سنة واحدة، ثم وليه بعده القاضي أبو الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة جد جد أبي.
ومات شبيب بن وثاب النميري في سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. واستولى أخوه مطاعن وقوام على ما كان في يده من الجزيرة، وكانت أخته السيدة علوية امرأة نصر مقيمة بالرافقة، فتحيلت على غلام أخويها الوالي بالرافقة إلى أن أخرجته، واستولت على البلد، وتزوجت بثمال لتقيم هيبتها به، ويحفظ أمرها. ووقع في هذه السنة وقعة بين عسكر الروم وعسكر حلب، فكسر عسكر أنطاكية الحلبيين، وعاد الدمستق إلى أنطاكية.
ودخل طغان حلب، وحصل ثمال بن صالح في الرقة، وخشي الدزبري من قربه إلى حلب، فاشترى قلعة دوسر ليكون مطلاً عليه. وراسل نصر بن مروان صاحب ميافارقين في أن يزوج ابنته لابنه، فأجابه إلى ذلك، فاستوحش المصريون منه لذلك، وأنفذ إلى مصر ليحضر زوجته وابنته، فلم يطلقهما الوزير.
(

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 06-05-2011 - 04:56 ]
 رقم المشاركة : ( 48 )
احمد الحلبي
أهلاوي مميز
الصورة الرمزية احمد الحلبي
رقم العضوية : 14088
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 141
قوة التقييم : احمد الحلبي is on a distinguished road

احمد الحلبي غير متواجد حالياً

   

وثقل على الوزير الجرجرائي فتح الدزبري حلب، لأنه لم يكن برأيه، وأنكر ذلك فقال الدزبري: قد خرف الوزير، وبسط لسانه فيه بالكلام القبيح، فكاتب ولاة الشام بترك الانقياد له، وكتب توقيعاً عن المستنصر لثمال بن صالح بحلب، وشرط عليه أن يحمل جميع ما بقلعتها من المال إلى المستنصر.
وكاتب أجناد دمشق، وأغراهم به، فثاروا عليه، وأحدقوا به بقصر كان له في ظاهر دمشق، فهرب من دمشق ليلاً ومعه ثلاثمائة صبي من غلمانه الأتراك ليس لواحد منهم لحية، وعلى وسط كل واحد منه ألف دينار، وأحدقت به بنو كلاب فلم يقروا عليه.
ونزل بحصن المعرة، ثم سار منها إلى حلب، ولقيه عسكره بها في أراضي سرمين، فدخل حلب في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة.
نهاية الدزبري
وشرع ثمال بن صالح في جمع عشيرته، وحشد من أجابه من العرب وغيرهم لمنازلة حلب، وطمع في الدزبري. فرأى بنفسه الذل لما لم يكن له طاقة بدفعهم، وزاد هذه وغمه، حتى مرض مرضاً حاداً، ومات بعد ثلاثة أيام، يوم الأحد النصف من جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. ودفن بحلب، ثم نقل منها إلى البيت المقدس، في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة.
ثمال حاكماً في حلب
فدبر البلد بعده مملوكه رضي الدولة بنجوتكين التركي أبو منصور، بقية جمادى الأولى وثمانية وعشرين يوماً من جمادى الآخرة، فوصل معز الدولة أبو علوان ثمال بن صالح بالتوقيع الذي سيره إليه المستنصر، فسلم بنجوتكين وأهل المدينة إليه، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة من سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، بعد أن نزل إليها ومعه مقلد ابن عمه في جماعة، وقاتلوها أياماً، واستظهر الحلبيون عليهم، فرحلوا إلى ناحية قنسرين.
وجرى بين الحلبيين والمغاربة عربدة، وقتل بينهم جماعة، ونهبت أهراء السلطان، وطلع أصحاب الدزبري إلى القلعة خوفاً على أنفسهم، فلم يمكنهم سبكتكين من دخولها، فنزلوا في القصر تحت القلعة.
واستدعى الحلبيون ثمالاً ومقلداً. فورد مقلد في مقدمته من قنسرين، فتسلمها يوم الإثنين لليلتين بقيتا من جمادى. ووصل ثمال يوم الثلاثاء، فدخلها واجتمع إليه أحداثها. واعتصم سبكتكين بالقلعة شهراً وسلمها إليه.
وقيل: إنه بقي بها إلى النصف من صفر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وإذ القلعيين رموا على الحلبيين، وأتوا على عدد كثير منهم، وأصلح الحلبيون المنجنيقات، وقاتلوا بها القصر الذي تحت القلعة، ونقبوه، وخربوا حيطانه مما يلي المدينة مع قطعة من سور المدينة من ناحية باب العراق.
وثبت سبكتكين على الحصار مدة سبعة أشهر، واستنصر الفريقان، ونفد ما مع آل مرداس من المال، ووقع المرض في القلعيين فأفناهم، وأيس الباقون من نفوسهم فجنحوا إلى التسليم واصطلحوا على شروط منها أن لا يعرض لأحد من القلعيين بمساءة، وانتظم الأمر وسلمها سبكتكين بجميع ما فيها بعد أن أخذ لنفسه ثلاثين ألف دينار، ولورثة الدزبري اثنين وثلاثين ألف دينار.
واستقر ملك حلب لمعز الدولة أبي العلوان ثمال بن صالح بن مرداس، ووصله تشريف من المستنصر في سنة ست وثلاثين. ودرت الأرزاق في أيامه على الناس، وأحسن السيرة معهم، وجاد بالعطاء.
وظهر في أيامه ببعلبك رأس يحيى بن زكريا في حجر منقور فنقل إلى حمص ثم إلى حلب، فوضع بمقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم بقلعة حلب في سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
وكان ثمال لما طاول حصار قلعة حلب قد رغب إلى تدورا ملكة الروم، وسير رسولاً يلتمس نصرتها وإعانتها وانتماءه إليها، فرتبت ثمالاً ماخسطرس على حلب، ومقلد ابن عمه بسطرخس، وجعلت له واجب الماخسطرية عن حلب، ورتبت صالح ابن ثمال، ومنيع بن مقلد، ومحمود بن نصر، وعطية وحسناً أخوي ثمال، بطارقة. ورتبت السيدة علوية أم محمود بطريقة، وأطلقت لجماعتهم واجبات هذه المراتب، وسيرت إليهم هدايا كثيرة، وشرطت على ثمال أن يحمل في كل سنة ما كان يحمله أخوه نصر، على الشروط المشروطة عليه.
(

رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

العبارات الدلالية
, ,

زبدة الحلب في تاريخ حلب



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع


المواضيع المتشابهه للموضوع: زبدة الحلب في تاريخ حلب
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بلدة سبخة الجبول ريف حلب حلب الشهباء الريف الحلبي 0 13-10-2012 02:12
تاريخ حلب احمد الحلبي مدينة حلب الشهباء 0 06-05-2011 04:35
كاريكاتير ( ضرب الحبيب ... زبيب ) ابراهيم الاهلاوي صور منوعة 10 27-04-2009 08:24
إدمان صبية ابونجبو صور منوعة 4 17-01-2008 10:59

الساعة معتمدة بتوقيت مدينة حلب الأن 12:35