نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 15-11-2011 - 12:45 ]
 رقم المشاركة : ( 9 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

مصطفى بن حسني السباعي


من مواليد مدينة حمص عام 1915م.
نشأ في أسرة علمية عريقة معروفة بالعلم والعلماء منذ مئات السنين، وكان والده وأجداده يتولون الخطابة في الجامع الكبير بحمص جيلاً بعد جيل، وقد تأثر بأبيه العالم المجاهد والخطيب البليغ الشيخ حسني السباعي الذي كانت له مواقف مشرّفة ضد الأعداء المستعمرين، حيث قاومهم بشخصه وجهده وماله.
كما كان أحد محبي الخير ومؤسسي الجمعيات الخيرية الإسلامية والمشاريع الاجتماعية، مما كان له الأثر الكبير في نشأة ابنه مصطفى السباعي
وبدأ الشيخ مصطفى السباعي تعليمه بحفظ القرآن الكريم، ومبادئ العلوم الشرعية ثم التحق بالمدارس النظامية حتى أنهى دراسته الثانوية سنة 1930م.. ولم يكن التعليم النظامي المصدر الوحيد للتعليم لدى السباعي، فقد كان يحضر مجالس أبيه التي كانت تضم كبار علماء حمص آنذاك، محبًا للمطالعة وقراءة الكتب الأدبية والثـقافية عمومًا.



في سنة 1933 التحق بقسم الفقه في الجامع الأزهر بالقاهرة، ثم انتقل إلى كلية أصول الدين، ونال الماجستير منها، أما بحثه للدكتواره فقد كان بعنوان ( السنة ومكانتها في التشريع ) التي رد فيها على شبهات المستشرقين حول السنة، وبخاصة شيخهم المستشرق المجري اليهودي (اجناس جولد زيهير) بأسلوب علمي رصين.
مقاومة المحتل الفرنسي في سوريا
لقد شارك السباعي في مقاومة الاحتلال الفرنسي لسورية، وكان يوزع المنشورات ويلقي الخطب ويقود المظاهرات في حمص وهو في السادسة عشرة من عمره، وقد قبض عليه الفرنسيون واعتقلوه أول مرة عام 1931م بتهمة توزيع منشورات في حمص ضد السياسة الفرنسية، كما اعتقل مرة ثانية من قبل الفرنسيين أيضًا، بسبب الخطب الحماسية التي كان يلقيها ضد السياسة الفرنسية والاحتلال الفرنسي، وآخرها خطبة الجمعة في الجامع الكبير بحمص حيث ألهب حماس الجماهير وهيج مشاعرهم ضد الفرنسيين، بل قاوم الفرنسيين بالسلاح حيث قاد مجموعة من إخوانه في حمص وأطلقوا الرصاص على الفرنسيين ردًا على اعتداءاتهم.
مقاومة احتلال بريطانيا لمصر والعراق
وفي عام 1933م ذهب إلى مصر للدراسة الجامعية بالأزهر، وهناك شارك إخوانه المصريين عام 1941م في المظاهرات ضد الاحتلال البريطاني كما أيد ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق ضد الإنجليز، فاعتقلته السلطات المصرية بأمر من الإنجليز مع مجموعة من زملائه الطلبة وهم: مشهور الضامن وإبراهيم القطان وهاشم الخازندار وفارس حمداني وعلي الدويك ويوسف المشاري، وبقوا في المعتقل قرابة ثلاثة أشهر، ثم نقلوا إلى معتقل (صرفند) بفلسطين حيث بقوا أربعة أشهر، ثم أطلق سراحهم بكفالة
السباعي في حرب فلسطين
أما قضية فلسطين، فقد كانت عند السباعي قضية العقيدة ومقدساتها المهددة، فبعد أن ارتكبت منظمة الأمم المتحدة جريمتها النكراء سنة 1947 بإقرار مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية وأعطت اليهود وضعًا شرعيًا يبرر اغتصابها للقسم الأكبر من فلسطين(امتدادًا لوعد بلفور المشئوم)، وأمام هذا التحدي لمبادئ الحق والعدالة وتجاهل إرادة الشعب العربي الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره، ثارت الشعوب العربية والإسلامية ضد هذا الظلم الصارخ، وكان أن قاد السباعي رحمه الله أفواج الإخوان السوريين



لمجاهدين فخاض بهم المعارك القاسية في قلب مدينة القدس وعلى روابيها سنة 1948 ليحمي بيت المقدس أولى القبلتين ومسرى الرسول محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم.. فضرب وإخوانه أروع نماذج البطولة، وارتقى من حول الأقصى عشرات الشهداء من المجاهدين الأبطال.
وفي أرض المعركة التقت كتائب الإخوان من سورية بكتائب الإخوان من مصر والأردن والعراق، واستمروا يقاتلون ببسالة وشجاعة نادرتين إلى أن توقف القتال بتوقيع الهدنة وإبعاد المجاهدين عن أرض المعركة
لقد عاد السباعي إلى سورية غاضبًا يصب جام غضبه على المأجورين والعملاء، ويفضح خطط المتآمرين، ويكشف عمالة الأنظمة، ويشرح ما جرى من مهازل القادة العسكريين الذين كانوا تحت إمرة الجنرال (كلوب) الإنجليزي، ويكشف قضية الأسلحة الفاسدة التي زود بها الجيش المصري، ويفضح تصريحات القادة العراقيين عن عدم وجود أوامر لضرب اليهود (ماكو أوامر) ولولا جهاد المتطوعين من الفلسطينيين والمصريين والسوريين والأردنيين من الإخوان المسلمين، لما وجد ثمة قتال حقيقي ضد اليهود، بل هدنة ثم هدنة لتمكين اليهود من العرب، وإمدادهم بالأسلحة الأوروبية والأمريكية والمقاتلين الأجانب لترجيح كفة اليهود على الفلسطينيين، ثم تسليم البلاد وتهجير أهلها واعتقال المجاهدين المتطوعين في سبيل الله للذود عن ديار المسلمين المقدسة.
مرضة ووفاته
لقد ابتلي العالم المجاهد الدكتور مصطفى السباعي بمرض عضال أنتج عنه ملازمته للفراش ومن الغريب أن فترة مرضه على قساوتها وشدتها، كانت من أخصب أيام حياته، وأكثرها إنتاجًا من الناحية العلمية، يقول د. محمد أديب الصالح: "كان السباعي ـ رحمه الله ـ حريصًا كما علمت منه قبل وفاته بيوم واحد على كتابة مؤلفات ثلاثة هي: العلماء الأولياء، والعلماء المجاهدون، والعلماء الشهداء".
وقد ذهب السباعي إلى الحج للمرة الرابعة وهي الأخيرة عام 1384هـ ـ 1964م حيث كان يعاني من المرض العضال والآلام المبرحة، التي لم تكن تبارحه، ولكن فضل الله عليه في هذه الرحلة المباركة كان عظيمًا، حيث يقول بنفسه: "لأول مرة منذ سبع سنوات يهدأ الألم في دماغي وأقوى على الصلاة واقفًا على قدمين، وأجلس للتشهد فيها، ولقد قدمت مكة المكرمة، فطفت طواف العمرة محمولاً على المحفة، ثم غادرتها وطفت طواف الوداع على قدميّ، وأكرمني الله بزوال آثار مرض السكر منذ وصلت المدينة المنورة، فكنت أتصبّح بسبع تمرات من تمرها، إيمانًا مني بالحديث الصحيح الوارد في التمر وهو من الطب النبوي
ولقد زاره أحد أصدقائه مواسيًا فكان جواب السباعي: "إني مريض أتألم ليس في ذلك ريب، وإنك لتشاهد الألم على وجهي وعلى يدي وفي حركتي، ولكن انظر إلى حكمة الله فيَّ، إن الله قدير على أن يشل حركتي وقد شل بعض حركتي ولكن انظر ماذا شل، لقد شل طرفي الأيسر وأبقى لي الطرف الأيمن فما أعظم النعمة التي أبقى لي: أكنت أستطيع أن أخط بالقلم لو شل اليمنى مني؟".
واستمر المرض ثماني سنوات ضرب السباعي فيها أروع آيات الصبر على البلاء، والتسليم لقضاء الله، والرضى بحكم الله عز وجل، وكان كثير الحمد لله والتسبيح له والاستغفار، آناء الليل وأطراف النهار، ولم يمنعه هذا المرض العضال، من النهوض بواجباته كصاحب دعوة حق، وداعية مسلم، يروي الأخ عبد العزيز الحاج مصطفى عن الدكتور حسن هويدي في وصف حال السباعي في مرضه حيث يقول: "ولقد رأيته في مرضه، يتكأ على العصا، غاديًا إلى الجامعة ورائحًا، في الوقت الذي قعد فيه الأقوياء، وخمل فيه الأصحاء، ويا رُبَّ مريض مشلول أشد من سيف مسلول، وما كان استمراره في الجهاد (رحمه الله) على الرغم من شلله وإصابة قلبه وضغط دمه، إلا دلالة صادقة وحجة ساطعة، على أن الرجل سجيته الجهاد، وطبيعته الكفاح، وغريزته التضحية، وفطرته الشجاعة والفداء، فأنى يجد الرياء إلى نفسه سبيلاً، أو الفتور إلى نفسه مسلكًا أو التردد إلى عزيمته منفذًا فسبحان من منحه وأعطاه وتفضل عليه وأرضاه" انتهى.
وفي يوم السبت 27-5-1384هـ (3-10- 1964م) انتقل المجاهد العامل والداعية الصابر، الأستاذ الدكتور مصطفى حسني السباعي إلى جوار ربه بمدينة حمص، بعد حياة حافلة بالجهاد المتواصل، وقد شيعت جنازته في احتفال مهيب وصلي عليه في الجامع الأموي بدمشق

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 15-11-2011 - 12:49 ]
 رقم المشاركة : ( 10 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

الشاعر نسيب عريضة



مولدة ودراسته
ولد "نسيب عريضة" في مدينة "حمص" في آب من عام 1887، لوالدين هما أسعد عريضة وسليمة حداد . وكان لوالده وأعمامه معمل حياكة يضم بضعة أنوال.
- أغرم بالقراءة والتأمل منذ صغره في الطبيعة والحياة ، فقرأ أمهات الكتب في الأدب العربي خاصة دواوين الشعراء ، ثم بدأ يقرض الشعر في مختلف موضوعات الحياة وغلب على شعره التأمل .
تلقى دراسته الابتدائية في المدرسة الروسية المجانية في "حمص" وتخرج فيها بتفوق، ثم أُرسل على نفقة الجمعية الروسية- الفلسطينية إلى مدرستها الداخلية في "الناصرة" بفلسطين لتفوقه، ليتابع فيها دراسته الثانوية
وقد عاش نسيب عريضة منذ سنة 1900 في القسم الداخلي لمدرسة " الناصرة" حيث التقى بعد سنتين قضاهما في مدرسة المعلمين الروسية بتلميذ جديد ، أصبح فيما بعد صديقاً وزميلاً له مدى حياته هو ميخائيل نعيمة ، كما التقى بزميل آخر هو الشاعر عبد المسيح حداد . وأمضى في مدرسة الناصرة مدة خمس سنوات أنهى خلالها تعليمه.
هجرته إلى الولايات المتحدة الأميركية:
هاجر "نسيب عريضة" إلى "نيويورك" عام 1905 طلباً للرزق وعمل في التجارة فترة قصيرة ثم انصرف إلى الشعر والأدب وأخذ ينشر مقالاته وأشعاره في جرائد المهجر
مثل "الهدى ومرآة الغرب والسائح"، ثم أسس في "نيويورك" مطبعة باسم "الأتلنتيك" عام 1912.
وفي عام 1913 أصدر مجلة شهرية أسماها "الفنون" وأعطاها الكثير من جهده وفكره، وكانت من أرقى المجلات الأدبية في المهجر، وحدّد "نسيب" هدف المجلة بقوله: «سوف نقدم لقرائنا أحسن الكتابات العربية، هدفنا الأكبر هو أن نترجم إلى العربية أجمل ما في اللغات الأخرى».
وقد ساهم فيها كبار أدباء المهجر أمثال "جبران خليل جبران" و"ميخائيل نعيمة" و"إيليا أبو ماضي" و"رشيد أيوب" و"عبد المسيح حداد" و"وليم كاتسفليس" و"ندره حداد" وجميع أعضاء الرابطة القلمية.
لقد توقفت المجلة ثلاث مرّات لضائقة مالية وعدم مساهمة المشتركين بتسديد اشتراكاتهم استأنفت الصدور سنة 1916 وصدر منها 16 عدداً حتى تشرين سنة 1917 ثم توقّفت وعادت إلى الظهور فصدر منها أربعة أعداد إلى أن توقفت نهائياً سنة 1918، وكان مجموع أعدادها 29 عدداً، فكانت صدمة عنيفة "لنسيب".
لقد ساهمت الفنون مساهمة كبيرة في نهضة الأدب العربي الحديث وعندما احتجبت الفنون أرسل "نسيب" رسالة إلى صديقه "ميخائيل نعيمة" قال فيها: «لقد خسرت معركتي وسقطت آمالي حولي والآن وقد فرغ مالي وبخل عليّ المشتركون بما عليهم، فليس
لي إلا أن أقف وقد وقفت ولا أدري أتتحرك قدماي أم تيبسان إلى الأبد».
وفي عام 1920 أسس "نسيب" مع رفاقه "جبران خليل جبران" و"ميخائيل نعيمة" و"إيليا إبو ماضي" و"ندره حداد" و"رشيد أيوب" جمعية الرابطة القلمية وتولى "جبران" رئاستها و"نعيمة" مستشارها، وعاشت الرابطة حوالي إحدى عشرة سنة.
عمله في الصحافة:
بعد توقف مجلة الفنون تسلم رئاسة تحرير جريدة (مرآة الغرب) لصاحبها "نجيب دياب"، ثم انتقل إلى جريدة (الهدى) لصاحبها "نعوم مكرزل". وأثناء الحرب العالمية الثانية عمل موظفاً في مكتب الأخبار بالولايات المتحدة، أمضى فيه مدة سنتين ثم استقال واعتزل العمل لإصابته بمرض في الكبد والقلب.
أخذ في جمع قصائده ودفع بها إلى المطبعة إلا أن المنية عاجلته قبل أن يرى ديوانه النور، وكانت وفاته في 25 آذار سنة 1946، وكان الديوان لا يزال قيد التجليد. ثم نقلت رفاته إلى ضريح جديد في (بروكلن) سنة 1954 وأقيمت له حفلة تأبين كبرى.
وقد وصف "ميخائيل نعيمة" صديقه فقال: «كان ممتازاً بأخلاقه فهو وديع، لطيف، خجول، دافئ اللسان لا يغتاب ولا ينم وهذه الصفات رافقته حتى آخر حياته».
زواجه:
وفي عام 1922 تزوج "نجيبة حداد" شقيقة الصحفي والأديب "عبد المسيح" والشاعر "ندره حداد" ولم يرزق أولاداً.
مهرجان للشاعر الحمصي "نسيب عريضة":
أقام المركز الثقافي العربي "بحمص" بتاريخ 11/4/1963 مهرجاناً لفقيد الشعر العربي "نسيب عريضة"




تحت رعاية وزير الثقافة آنذاك الدكتور "سامي الجندي"، في قاعة نادي الرابطة الأرثوذكسية شارك فيه كل من السادة الأدباء: الدكتور "سامي الجندي، عبد المسيح حداد" ألقاها نيابة عنه "عدنان الداعوق، ونظير زيتون، وميخائيل نعيمة، وشكري هلال، وعبد المعين الملوحي" مدير المركز الثقافي آنذاك. وجميعهم أشادوا بموهبته الشعرية وغزارة إنتاجه وأدبه الوجداني.
مؤلفاته :
- ديوانه الوحيد "الأرواح الحائرة" الذي صدر سنة 1946 ، والذي يحتوي على 95 قصيدة ، منها مطوّلتان إحداهما بعنوان "على طريق إرم " في 236 بيتاً موزعة على ستة أناشيد ، والقصيدة المطولة الأخرى بعنوان " احتضار أبي نواس " ، في 72 بيتاً استوحى فيها احتضار الشاعر العباسي أبي نواس .
- أسرار البلاط الروسي ، رواية مترجمة عن الروسية .
- ديك الجن الحِمْصي (قصة منشورة في مجموعة الرابطة القلمية ) .
- الصمصامة ( قصة منشورة في مجموعة الرابطة القلمية ) .
- وله مقالات وفصول مختلفة نشرها في مجلات وجرائد المهجر .
ولعل من اشهر الابيات التي ألفها نسيب عريضة في حنينه لحمص التي طالما تغنى بها في روائعه الشعرية قوله :
يادهر قد طال البعاد عن الوطن
هل عودة ترجى وقد فات الظعن عد بي الى حمص ولو حشو الكفن
واهـتـف اتـيت بعاثر مـردود واجعل ضريحي من حجار سود...

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 15-11-2011 - 12:52 ]
 رقم المشاركة : ( 11 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

عبد الحميد بن محمد شاكر بن إبراهيم الزهراوي
(1272 - 1334 هـ = 1855 - 1916 م)
مولده ونشأته
وُلِدَ عبد الحميد بن محمد شاكر بن إبراهيم الزهراوي في مدينة حمص وبدأ دراسته فيها بتعلّم اللغة العربية وآدابها ثم عكف على دراسة اللغة التركية فأتقنها ، وأتمّ دراسته في المكتب الرشدي بحمص ثم طلب العلوم العقلية والنقلية على ايدي علماء عصره أمثال : الشيخ عبد الستار الأتاسي والشيخ عبد الباقي الأفغاني ، ثم اجتهد في التحصيل على نفسه وإذ به يصبح المرجع الأول للمثقفين



والأدباء في حمص .
نضاله ضد العثمانيين
برز نشاط الزهراوي بانتقاد الحكومة العثمانية بجُرْأة متناهية حين أصدر جريدة أسماها (المنبر) السرية عام 1894 حيث كان يحررها و يطبعها على الجلاتين ويوزّعها بنفسه سراً وبالمجّان شارحاً فيها كل ما يريد من تلاحم أبناء الأمة العربية ضد الظلم العثماني ، وتوقفت ( المنبر) عن الصدور بفعل التسلّط والتشدّد العثماني ووُضعَ الزهراوي تحت المراقبة الشديدة.
في صيف عام 1895 سافر إلى الأستانة لأعمال تجارية . أثناء وجوده فيها عرف بالنشاط السياسي للطلاب العرب ، عندئذ انصرف عن الأعمال التجارية وعمد إلى التعمّق في دراسة كتب العلم والأدب والسياسة في مكتبات الأستانة ، ثم أخذ ينشر في جريدة (المعلومات) التي كانت تصدر باللغة العربية ، المقالات التوجيهية والتثقيفية لأبناء الشعب العربي ويوجّه الانتقادات العنيفة للأساليب اللاّإنسانية التي يتّبعها الحكم العثماني في البلاد العربية ، فعرض عليه منصب قاضٍ في أحد الولايات التي يختارها لكنّه رفض العرض . فأصدر السلطان أمراً بتوقيفه سنة 1897 ثم أرسله للإقامة الجبرية في دمشق ومنحه راتباً شهرياً مقداره / 500 / قرشاً ذهبياً . لكن الشيخ الزهراوي تابع نشاطه الوطني في دمشق وعمل مراسلاً لصحيفة المقطّم المصرية فألقي القبض عليه وأرسل إلى الأستانة ، ثم أُعيد إلى حمص في آذار 1898 وفرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله.وهرب إلى مصر وعمل في صحافتها حتى عام 1908 حيث قام الشعب بانتفاضة كبرى ترأسها رجال ( تركيا الفتاة ) فأنزلوا السلطان عبد الحميد عن عرشه أواخر شهر تموز 1908 وأعلنوا إقرار الدستور العثماني . وبعد هذا الإعلان ، انتخبت مدينة حمص ممثلها في مجلس المبعوثان الشيخ عبد الحميد الزهراوي بأكثرية ساحقة في شهر إيلول سنة 1908 . فسافر الزهراوي في أوائل تشرين الأول إلى الأستانة لتمثيل بلده وأمته ، وهناك رفع صوته عالياً مطالباً بحقوق أمّته العربية وحرّيتها وأصدر جريدة (الحضارة ) الأسبوعية مع شاكر الحنبلي ثم استقل بها عام 1910 وجعلها منبراً لكل الشباب العرب الذين كانوا يتابعون دراستهم العليا في الأستانة.
وكان قد تعرّف في حمص على رفيق رزق سلوم حيث تطابقت أفكارهما حول القضية الوطنية ، ونصح الزهراوي صديقه رفيق بأن يسافر إلى الأستانة لدراسة الحقوق فسافر إليها بنهاية صيف 1909 وبدأ يحرّر في جريدة الحضارة .
بدأ المناضلون العرب يهاجمون حزب الإتحاديين التركي وأقروا بتأسيس أحزاب وجمعيات مناوئة له منها :
ـ جمعية ( الجامعة العربية ) أسسها رشيد رضا في القاهرة سنة 1909 من أعضــــائها الدكتور عبد الرحمن الشهبندر ورفيق العظم .
ـ جمعية ( العربية الفتاة ) تأسست في باريس عام 1911 من أهدافها المطالبة بالاستقـلال التام للبلاد العربية ومن أعضائها : شكري القوتلي وفارس الخوري .
ـ حزب اللامركزية العربية تأسس بالقاهرة عام 1912
ـ جمعية البصرة الإصلاحية
ـ المنتدى العربي
ـ ( الجمعية الثورية القحطانية ) أسسها في مصر حقي العظم سنة 1913 ومن أعضائها عمر الأتاسي ،الخوري عيسى أسعد ، عبد الحميد الزهراوي ، رفيق رزق سـلوم ، عزة الجندي .
ترأسه لمؤتمر باريس
ويأتي عام 1913 عام انعقاد المؤتمر العربي الاول بباريس الذي كان بداية نهضة عربية قومية وقد ترأس المؤتمر عبد الحميد الزهراوي على الرغم من عدم كونه عضواً في حزب اللامركزية الذي دعا الى المؤتمر لكن اعضاء المؤتمر عينوه رئيساً له لمكانته العلمية الاجتماعية والسياسية وقد قال في المؤتمر كلمته التي ظلت ترن في آذان الولاة العثمانيين طويلاً...« ان العرب كانوا قد ألفوا الترك وهؤلاء قد ألفوا العرب وامتزج الفريقان امتزاجاً عظيماً لكن كما مزجت بينهم السياسة فرقت بينهم السياسة هذه الرابطة قد اصبحت مهددة بالسياسة أكثر مما كانت مهددة من قبل» !.‏
استشهاده
اهتمت الحكومة العثمانية للأمر وأرسلت إليه موفداً خاصاً لإقناعه بالعودة لتحقيق طلبات المؤتمرين فعاد إلى الأستانة عام 1913 وعُيّنَ عضواً في مجلس الأعيان .واستمر الزهراوي على موقفه من السلطة العثمانية الذي جلب له مع مجموعة من رفاقه أعضاء المؤتمر الذين كانوا يعملون في سبيل حرية بلادهم واستقلالها عن الدولة العثمانية ، ففي أواسط شهر آب 1915 فقد ألقي القبض على عدد من المناضلين بأمر من السفّاح جمال باشا منهم الشيخ عبد الحميد الزهراوي وتمت إحالة المعتقلين إلى الديوان العرفي الذي شكّله في بلدة ( عاليه ). وتعرّضوا خلال الاعتقال للإهانة والتعذيب . وبعد محاكمة صورية حكم عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت بتهمة خيانة الدولة العليا وكانت آخر كلماته قبل الإعدام : ( إن العناية ترعى وطننا الحبيب إننا سوف نصل إلى الحصول على استقلالنا كاملاً بعد أن ننتقم من الأعداء الخونة ) وكان تنفيذ حكم الإعدام في ساحة المرجة بدمشق يوم السبت في 6 أيار 1916 ودفن في مقبرة الشهداء بدمشق وكان رفاقه بالشهادة :
ـ رفيق رزق سلوم من حمص
ـ شفيق بك مؤيد العظم من دمشق
ـ شكري بك العسلي من دمشق
ـ عبد الوهاب الإنكليزي من دمشق
ـ رشدي الشمعة من دمشق
ـ الأمير عمر الجزائري حفيد الأمير عبد القادر الجزائري من دمشق



لقد جعل الشعب العربي في سوريا هذا اليوم (( يوماً رسميّاً للشهداء )) الذين ضحّوا بحياتهم في سبيل استقلال بلادهم جاعلاً من تاريخ 6 أيار من كل عام ذكرى خالدة وأمثولة رائعة لكل أمة تمجّد أبطالها وتتطلّع لنيل حريتها واستقلالها .
وتكريماً له :
ـ أهدى العلاّمة الخوري عيسى أسعد كتابه ( تاريخ حمص ج1: 1940 ) إلى صديقيه رفيق رزق سلوم وعبد الحميد الزهراوي شهداء الوطنية حيث جاء في الإهداء : (( إليكما يا من علا كعباهـما تربة الوطن المحبوب، فسبقا باستشهادهما صديقهما إلى العالم الآخر . أقدِّم تاريخ ما سلف من حوادث بلدكما المحبوب . ليرى السلف الصالح الأقدم ، الصورة الجميلة للســالفين الحديثين غير المنسيين من صحيحي الوطنية ))
ـ أطلقت مديرية التربية بحمص اسمه على إحدى ثانوياتها .
ـ في أوائل حزيران من عام 1961 أقام المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعــلوم الإجتماعية مهرجان الفكر والعقيدة لتكريم ذكرى الشهداء : عبد الحميد الزهراوي ،رفيق
رزق سلوم ، عزة الجندي .وكان من ثمار هذا المهرجان وذكرياته جمع المحاضــرات التي ألقيت ، وكتاب آخر اشتمل على ما عُثِرَ عليه من مقالات الزهراوي جمعها الدكتور جودت الركابي والدكتور جميل سلطان من أعداد جريدة الحضارة الأسبوعية ووسم الكتاب باسم : الإرث الفكري للمصلح الاجتماعي عبد الحميد الزهراوي .
ـ جمع حفيده السيد خالد الزهراوي قسماً كبيراً من أعماله .
ـ صدر عن وزارة الثقافة عام 1995 الأعمال الكاملة لعبد الحميد الزهراوي : إعداد وتحقيق الدكتور عبد الإله نبهان .
إصدارات ومؤلّفــات الشهيد :
ـ جريدة ( المنبر ) السرية سنة 1894
ـ جريدة ( الحضارة ) الأسبوعية سنة 1910
ـ رسالة الفقه والتصوّف .
ـ كتاب خديجة أم المؤمنين .
- النحو والبلاغة والمنطق
مقتطفات من أعماله الشعرية :
1 ـ قصيدة مؤلفة من سبعة أبيات تصوِّر ثقة الشيخ المطلقة بربّه عزّ وجلّ :

وثقت بربي لا أخــاف إذا بدا من الدهــر خطـب أنه لكفيل
فنم ساكناً يا قلب إن هب مزعج عســاه بتدبـير القـدير يزول
تتابعت الأدهار توحي بأمــره من الأمر ما حـارت لديه عقول
وكم روت الأدهار يسراً لعسرة سمعنـا وأبصـرنا وصـح دليل
وعندي وراء الكل وحي بروحه لروحـي لا ريبٌ إليـه يطـول
فلا تكثرن الهم في كـل طارئ فإن تماثيــل الجفــاء تحـول
وتأتي عنايات وتبدو مراحــمٌ وللـرب سـرٌّ غـامض وجليل
2 ـ من قصيدة ذات طابع فلسفي عبارة عن خلاصة تأمّلاته في الكون والإنســـان وأسرارهمــا :

الكـون مبنــي على الحـركات كلٌ في قدر
ويرى بنو الإنســان أنَّ همو خلاصـة ما فطر
والأرض تجمعنا فنحسب أنها إحــدى الكـبر
والكون ظرف ظــواهر والســرّ فيه ما ظهر
واعلــم بأن المفلـحي ن بذي الحياة أولو العبر
3 ـ كان بين الشيخ عبد القادر القصاب والشيخ الشهيد عبد الحميد الزهراوي صداقة حميمة انعقدت في مصر. ولما قدم دير عطية دعاه الشيخ الزهراوي لزيارة حمص بكتاب وقصيدة نورد من القصيدة بعض الأبيات :
بدر الهدى للشــام ودّ مسـارا والبدر يحسب كوكباً سيّـَارا
فسرى لها من مصر يصحبه السنا والنور شيء يصحب الأقمارا
فاستبشرت هذي البلاد وأشرقت بيزوغه إذ عمـــها أنوارا
وغدت تباهي مصر إذا ربحت به بحـراً يفــوق بدرّه التيارا
يا سيـد العلــماء والفضلاء يا سعد البـلاد وغيثها المدرارا
قلدت فيها العنق وهي جديـرة لا العنـق لكن كان ذا إيثارا
مهما شكـرتك أو مدحتك إننـي لجليـل نعتك لم أكن حصّارا
فاقبل دعائي والتحـية وارضين جهد المقل وسامـح المعثارا

---------------------------------------------------------------------------

المصــادر والمراجــع :
ـ الجذر السكاني الحمصي ج5 : نعيم سليم الزهراوي 2003
ـ تاريخ حمص ج2 : منير الخوري أسعد 1984
ـ الشهيد رفيق رزق سلوم : هلال رزق سلوم 1961

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 15-11-2011 - 01:01 ]
 رقم المشاركة : ( 12 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

ديك الجن الحمصي
اسمه ومولده
لم ترتبط مدينة في العالم باسم شاعر، كما ارتبطت مدينة (حمص) باسم شاعرها (عبد السلام بن رغبان) أو (ديك الجن) الحمصي المولود سنة 161 هجرية



سبب تسميته بديك الجن
الذي صنع من حياته وشعره أسطورة عربية ترددّت أصداؤها في كل الأمكنة والأزمنة، فكانت الشخصية القلقة لهذا الشاعر مثار الكثير من الأقاويل والحكايات والقصص لغرابة أطوارها وتناقضاتها ، وربما كان هذا سبب الوصف الذي أطلق على (ديك الجن)، كما قيل أيضاً: إنه كان أشقر، أزرق العينين، ويصبغ حاجبيه بالزنجار، وذقنه بالحناء، لذلك سمي بـ: ديك الجن.
نشأته
عاش ديك الجن في أوساط أسرة متعلِّمة معروفة، تقلَّب رجالها في أعمال الدولة، فكان من الطبيعي أن تدفع بالصبي إلى المسجد، حيث حلقات الذكر ومجالس العلماء. وفي المسجد تلقَّى علوم عصره، فوعى علوم اللغة والأدب والدين والتاريخ، وحصَّل الكثير من المعارف، كانت موضع فخره، فهو يقول: "ما الذنب إلاَّ لجدِّي حين ورَّثني علماً وورَّثهُ من قبل لأبي".
شهرته
احتل مكانة مرموقة بين شعراء عصره، وعلى الرغم من أنه –كما قيل– لم يغادر مدينته (حمص) إلا في حالات نادرة، ولم يقصد بلاطات الخلفاء والأمراء مادحاً، فإن شهرته تجاوزت (حمص) فعمت كل بلاد الشام والعراق ومصر، وكان بيت (ديك الجن) في حمص الذي يقع في حي يسمى اليوم (باب الدريب) مقصداً لكبار شعراء عصره. فقد زاره (دعبل الخزاعي) وقال عنه: (إنه أشعر الجن والإنس)، كما زاره (أبو النواس) وهو في طريقه إلى (مصر)، وله معه قصة طريفة، حيث يُروى أن (أبا النواس) عندما اجتاز (حمص) قاصداً (مصر) لامتداح (الخصيب) وسمع (ديك الجن) بوصوله اختبأ خشية أن يرى فيه (أبو النواس) قصوراً، فقصده هذا في داره وطرق الباب، فقالت له الجارية: إن سيدها ليس في المنزل فعرف (أبو النواس) الدسيسة فقال لها: قولي له اخرج، فقد فتنت أهل العراق بقولك:
مورَّدة من كف ظبي كأنما
تناولها في خده فأدارها
فلما سمع (ديك الجن) ذلك خرج إليه، وأضافه أياماً معدودات.
كما أن (أبا تمام) وهو في مسيرة الشعر العربي، كان واحداً من تلاميذ (ديك الجن) النجباء. فطّور مذهب أستاذه صاحب المدرسة الشامية في قول الشعر ليصبح بدوره أهم علم من أعلام الشعر، ويذكر (د. فريد وجدي) في (دائرة معارف القرن العشرين) الجزء الرابع- ص104 : أن ديك الجن أعطى أبا تمام درجاً فيه قصائد من شعره وقال له ما معناه: تكسّب بهذا واعمل على منواله. فقد توسم فيه ديك الجن أنه سيكون شاعراً فحلاً. كذلك جاءه (البحتري) ليتتلمذ على يديه، كما ورد في (وفيات الأعيان) للمؤرخ (ابن خلكان).
قتل ديك الجن لزوجته
وربما تأتت شهرة ديك الجن أيضاً من مأساته الفاجعة مع زوجته وحبيبته ( ورد ) التي قضت على يديه مقتولة بسيف غيرته ....وذلك على إثر مكيدةٍ دبرها ابن عمه أبو الطيب، على إثرِ صدِّ زوجة وحبيبة ديك الجن (ورد)له، بعد العديد من المراودات والعروض التي قدمها لها لينال من نفسها، وحكاية ذلك أن ديك الجنِّ قام برحلةٍ ،بعيداً عن حمص طلباً للمالِ كي يردَّ بعض ديونه المستحقة، وعندما لاحَ خبر عودته قام ابن عمه أبو الطيبِ بالإيقاع بينه وبين زوجته، فقام بإعلامها أن ديك الجن قد قتل على الطريق، فسيطر عليها الحزن والكمد وملأها الهم والحسرةُ ..وفي ذات الوقت قام أبو الطيبِ بإعلامِ صديقِ ديك الجنِّ (بكر) بذات الخبرِ، وطلب منه الذهاب إلى بيت صديقه كي يهدِّئَ من روع زوجته (ورد) فذهب (بكر) إلى بيت صديقه وشارك ورداً في همها، وحزنها على زوجها، وشرع بمواساتها وتهدئتها، ومع وصول ديك الجنِّ (سالماً) إلى حمصَ ،أسرع إليه ابن عمه أبو الطيب وأخبره بوجود صديقه في بيت زوجته أثناء غيابه ،وأنه كان يتردد إليها باستمرار.. فاستبد الغضب بديك الجن ومضى هائجا إلى بيته، وعندما تحقق من صحة ما رواه أبو الطيب، شهر سلاحه وقتل زوجته وصديقه بسيفه..
وكتب لأحمد بن علي قصيدة يمدحه فيها ويبلغه خبر المرأة وخيانتها، ومطلعها
أنَّ ريبَ الزمانِ طالَ انتكاثه كم رمتني بحادثٍ أحداثه
لكن ديك الجن اكتشف حقيقة الخدعة التي حبكها ابن عمه، وندم ندماً شديداً، ومكث شهراً لا يرقأ له دمع ولا يطعم من الطعام إلاَّ ما يقيم رمقه. وقال في ندمه على قتلها:

يا طلعة طلع الحِمامُ عليـها وجنى لها ثمر الردى بيديـها
روَّيتُ من دمها الثرى ولطالما روى الهوى شفتيَّ من شفتيها
قد بات سيفي في مجال وشاحها ومدامعي تجـري على خديها
فوحقّ نعليها وما وطي الحصى شيء أعـزّ عليَّ من نعليـها
ما كان قتليها لأنّي لم أكن أبكي إذا سقط الذباب عليها
لكن ضننت على العيون بحسنها وأنفت من نظر الحسود إليها
علاقة ديك الجن بالعاصي
ويروي أهل (حمص) قصصاً عديدة عن علاقة ديك الجن بـ (الميماس) و(العاصي) ومنها أنه كان يجلس على ضفة (العاصي) ساعات طويلة ،وهو يرقب مياه (العاصي) المتدفقة .وعلى صوت خريرها كان ينظم أبيات شعره. وقد رسم الشاعر (ديك الجن) في إحدى لوحاته صورة رائعة لمجلس من مجالس الشراب على (العاصي) حين دهمه مطر ربيعي خفيف، أضفى على المجلس سحراً وبهجة بما قام بينه وبين الطبيعة من غزل رقيق فقال
وليلــة أطــل الغيــث ينسجــها
حتى إذا أكملت أضحى يدبجها
إذا تضاحك فيها الورد نرجسها
باهى زكي خزاماها بنفسجها
وفاته
وعاش بقية عمره حزيناً مهموماً نادماً على ما فعله بزوجته وصديقه.ويقال أنه أحرق جسد زوجته وجمع رماده، وخلط به شيئاً من التراب، وصنع منه كوزين للخمر، وكان يحضرهما ويشرب منهما في مجلس شرابه. توفي ديك الجنِّ بعد سنواتٍ مليئةٍ بالحزنِ والهم والندم على صديقهِ وزوجته سنة : 235 أو 236 هجرية.
ديوانه
ما بقي من شعر «ديك الجن» قليل جداً، والمطبوع من شعره لا يمثل سمعته الأدبية، لقلته، فقد قام الأستاذ عبد المعين الملُّوحي، والأستاذ محيي الدين الدرويش بجمع ونشر ديوانه في حمص عام 1960م، حيث ضم 417 بيتاً فقط.
كما قام الأستاذ مظهر الحجي بجمع شعره ،فطبعته وزارة الثقافة بدمشق من خلال (سلسلة إحياء التراث) عام 1987م.

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 15-11-2011 - 01:08 ]
 رقم المشاركة : ( 13 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

الشيخ محمود جنيد رحمه الله




ولادته ونشأته:
ولد رحمه الله تعالى عام 1321تقريباً، نشأ يتيماً في بيت عُرف بالزهد والورع. والده وجده رحمهما الله تعالى عُرفا بالتواضع والسيره الحسنة، وبعد سفر والده الشيخ جنيد إلى روسيا للجهاد تربَّى في حجر والدته رحمها الله تعالى مع أخويه الكبير محمد، والصغير أحمد، فهو أوسط أولاد جنيد.

مرضه وإصابته بالشلل وعناية أمه به:
قدَّر الله عزَّ وجل أنْ مرض محمود الطفل بمرض عضال وأصيب بشلل نصفي تقريباً، فصارت والدته تخدمه وهو على سرير المرض لا يستطيع الذهاب إلى قضاء الحاجة، ولازم سرير المرض عدَّة سنوات، والأم الحنون، تحاول جاهدة أن ترى ولدها معافى، فما تركت دواء إلا وجربته، ولا شيخاً إلا وطلبت منه أن يرقي.
شقيقه الأكبر شيخه الأول:
في هذه الأثناء كان الوالد رحمه الله هو الأخ الأكبر يتعلم في الكتّاب ، ثم عند الشيخ محمد الياسين عبد السلام رحمه الله، والذي يتعلمه يأتي به إلى أخيه فيعلمه وهو على سريره.
فكان الوالد شيخه الأول رحمهم الله جميعاً، وحفظ القرآن الكريم صغيراً، وكان يعرف فيه الذكاء والحفظ كما عرف عنه صوته الرخيم الذي كان يسمع منه أثناء تلاوة القرآن الكريم أو إنشاء بعض القصائد في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

شفاؤه:
وبعد هذه المدة خطر على بال والدته أن تأخذ ولدها إلى مسجد الأسرة [ مسجد الشيخ مسعود] ففرشت له فراشاً عند مقام الشيخ مسعود، وصارت تأتيه بالطعام وتخدمه وتتركه ليلاً، ينام والولد عاجز ومشلول ينشد القصائد والمدائح، وأهم من هذا كله يتلو كتاب الله عزَّ وجل، وذات ليلة وبعد أن قرأ البردة وتوسلية الشيخ أمين الجندي التي مطلعها:
توسَّلت بالمختار أرجى الوسائل نبي لمثلي خير كافٍ وكافلِ
إذا به يشعر أنَّ الحياة والحركة بدأت تدبُّ وتعود لنصفه العليل، وإذا به يشعر أنَّ عنده قدرة على الحركة، وكان الوقت قريب الفجر والمؤذنون عندنا يصعدون المآذن قبل الفجر يُسبِّحون الله عزَّ وجل ثم يؤذِّنون.

عناية الشيخ بالفقه والسلوك:
حصل الشيخ رحمه الله على كثير من العلوم، إلا أنَّ الذي يسمع دروسه يجد أن الشيخ يركز على أمرين هامين: الفقه والسلوك، والفقه بمذاهبه الأربعة، له الحظ الكبير في جميع دروسه و فتاويه ومجالسه، وكانت عنده براعة في تطعيم الدرس الفقهي بحكايات الصَّالحين والزهَّاد والورعين والأولياء رحمهم الله تعالى ، حتى إنه إذا كان يتكلم في الطهارة أو الوضوء، أو الاغتسال يأتي بحكايات الصَّالحين مما يُعطي لدرسه روحانيَّة خاصَّة قلَّ أن توجد أثناء تقرير مثل هذه الدروس.
ولا يحضرني الآن أسماء الذين قرأ عليهم إلا أنه كان له نصيب وافر من كل عالم موجود في حمص أثناء فترة طلبه للعلم.

نشره للعلم:
كان محباً لنشر العلم منذ أن شعر أن عنده قدرة على تدريس غيره، وقد بدأ مبكراً في تدريس القرآن الكريم، والعربية والفقه، وعلوم الآلات. وقد دلَّني على هذا أكثر الذين قالوا لي: إنَّ عمك درسنا في المسجد، وهم أكبر منه سناً بكثير، وكان الكثير من رجالات حمص ومثقفيها وشعرائها يقولون: إن الشيخ له فضل علينا، وكنت أعجب لناحية، وهي أن الطلاب أكبر سناً من أستاذهم حتى إن بعضهم نشأ نشأة غير إسلامية، لكنه كان يكنُّ لأستاذه الشيخ محمود كلَّ حب وتقدير، والمهم أن الجميع يعلم أنَّ هذا الشيخ ما كان يترك دقيقة تمرُّ إلا ويتكلم فيها عن مسائل الفقه أو حكايات الصالحين.

مشاركاته الاجتماعية:
إذا كان محراب جامع الدالاتي،(الحميديه)، لم يترك لأخيه الشيخ محمد فرصة يحضر فيها مولداً أو عرساً أو عقود زواج فإنَّ حبَّ الشيخ محمود للعلم والفقه ونشره بين الناس دعاه إلى حضور هذه المجالس حتى يفيد الآخرين.
فكان يعودُ المرضى ويشهد الجنائز، ويشارك الناس في أفراحهم، ولو أدّاه هذا إلى السهر الطويل حتى إنه كان له دروس بعد العشاء مع مشيخته في البيوت، ثم لما صار شيخاً صار يدير هذه الدروس، وبسبب ايجابيته في الأمور الاجتماعية صارت له محبَّه عظيمة في قلوب الكثيرين.

العلم في حياة الشيخ رحمه الله:
إن الذي يعرف الشيخ صغيراً وكبيراً يقول: إن هذا الرجل لم يضيع لحظة من حياته إلا متعلِّماً أو معلِّماً،وحبُّ العلم سجيَّة فُطر عليه، خالط حبُّ العلم لحمه وعظمه كما خالط حبُّ الصالحين شَغَاف قلبه.

محلهُ :
قلت: إن الشيخ لا يأخذ راتباً على كلِّ ما يقوم به من دروس خاصَّة أو عامَّة، وكان له دكان يبيع فيها حصة من الغزل يسيرة، ومن ربحها يعيش، ولكن الجميع ما كان يرى في الدكان غزلاً ولا تجارة لبساطة الحصة التي يشتريها ويبيعها. إذاً ماذا كانت هذه الدكان؟! فيها مقعد خشبي إنْ رميته في الشارع لا يأخذه أحد، يتَّسع لثلاثة، وكرسي قديم، وطاولة قديمه، والدكان صغيره، إن هذه الدكان كانت:
1ـ دار فتوى: فإذا اقتربت منها وجدت عنده بعض العلماء،وقد عرضت لهم مسألة فقهيه يستشيرونه فيها، وتجد آخرين ينتظرون حتى يذهب هؤلاء ليسأل كل واحد عن مسألة تهمُّه في دينه
2ـ الدكان مدرسة: ومع هؤلاء تجد ثلاثة طلاب أو أكثر جلسوا على تلك الخشبة يقرؤون كتاباً في الفقه أو النحو أو غير ذلك.
3ـ الدكان مستشفى: ومع هؤلاء تجد أناساً واقفين لأن بهم مرضاً أو وجعاً يريدون من الشيخ لو يرقيهم بآيات من كتاب الله عزَّ وجل فلطالما وجدوا لتلك اليد بركة، وأثراً في شفاء مرضاهم.
4ـ الدكان جمعية بر وخدمات:ومع هؤلاء تجد أناساً واقفين ينتظرون، فهم فقراء يحتاجون صدقة، ويعلمون أن الشيخ يكلَّف من البعض بتوزيع بعض الصدقات والزكوات أو الخبز أو الثياب فيجدون بغيتهم فيرجعون مجبوري الخاطر.
5ـ الدكان جمعية إصلاح ذات البين: ومع هؤلاء تجد أناساً متخاصمين تجارياً أو اجتماعاً أسرياً أو غير ذلك فيجلس الشيخ معهم إذا سمحت الفرصة ليصلح فيما بينهم، وكم حُلَّت مشكلات وفُضَّت نزاعات، وزالت خصومات في هذا الدكان بكلمة طيبة مع ابتسامة الشيخ الهادئة، وكثيراً ما كان يجتنب تحليفهم الأيمان فيحل الخصومات صلحاً، وإن الكثير يعلم أنَّ كثيراً من النصارى كان يأتيه ليفض نزاعهم التجاري مثلاً مع خصومهم مسلمين أو نصارى.
6ـ الدكان مركز استشارة:ومع هؤلاء كلهم تجد من يأتي ليسلِّم على الشيخ من خارج المدينة أم من داخلها ويطلب منه دعوة أو يستشيره في أمر خاصٍّ به، أو بأسرته ،والذي دفعهم إلى هذا أنهم وجدوا أثراً لرأيه السديد في مشكلاتهم الخاصة.
7ـ الأمر العام:وإذا حَصَل أمرٌ عام يستدعي اجتماع علماء البلدة في مثل هذه الأوقات التي يكثر فيها الناس، عندها يترك الجميع ويغلق دكانه، ويذهب إلى الاجتماع مع العلماء، ذلك لأن للأمور العامة عند الشيخ أهميتها الخاصة، فهو مع آلام الناس وآمالهم، وكل ما يهمهم، ويفرح كثيراً عندما يجد العلماء قد اجتمعت كلمتهم،وخرجوا برأي مُوحَّد،وكان قليل الكلام، وإذا تكلم في مثل هذه الجلسات فكلامه لتوفيق الآراء واجتماع الكلمة ونصرة الدين، فمثل هذه الاهتمامات مؤشِّر على أن الشيخ لا يعيش مع الكتب الصفراء وحدها،وإنما يعيش هذه الأمة، لحاضرها ومستقبلها وآخرتها،ودينها ودنياها.

مرضه ووفاته رحمه الله :
كانت آخر حياة الشيخ ابتلاء وامتحاناً وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وأصابته هموم عامَّة وخاصَّة كان لها أثرها على الشيخ ،واجتمعت هذه الهموم في جسم هو في شبابه ربع جسم، فكيف وهو ابن السبعين إلى التسعين تقريباً. فمرض عدَّة أمراض وتغيَّر وضعف، وظلَّ على الرغم من مرضه يتابع مهامه التي يستطيع متابعتها، ويتحمَّل فوق طاقته. نعم فوق طاقته بمرات، حتى وافاه الأجل في حمص عام 1414هـ الموافق 1993م.

جنازته المشهودة:
وما أن علمت حمص بالخبر إلا وخرجت من بيوتها، وكانت الساعة التي لا مفرَّ منها، وكانت الجنازة التي لا يتصور إنسان أن تكون بهذا الكم من المشيعين حتى النصارى شاركوا في التشييع، وكان يوماً حاراً خرجت حمص ـ وبدون مبالغة ـ عن بكرة أبيها بأولادها وبنسائها خرجت حمص التي يندر أن يكون واحد من أهلها إلا وللشيخ معه حكاية أو مسأله أو حاجة، خرجت حمص تعلن الوفاء لعالمها ولدينها وإسلامها، خرجت حمص التي تعتبر أنها مدينة لهذا الشيخ، وأن تشييعه يعني تسديد بعض ما للشيخ عليها من حقوق.
خرجت حمص لتبكي لا على الشيخ وإنما على زهده، وعلى تقواه، وعلى جهوده، وعلى علمه، وعلى اهتمامه، وعلى همته، وعلى حبه للناس. كلهم حتى العصاة منهم، تبكي وتسأل الله عزَّ وجل أن يعوِّضها خيراً، وأن يجعل في أولاده الخليفة، والحمد لله فإنَّ الخير لم ينقطع، فالشيخ سهل، والشيخ أحمد، والدكتور الشيخ عبد البر، والدكتور الشيخ محمد ضياء فيهم الخير الكثير إن شاء الله تعالى.

--------------------------------------------------------------------

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 15-11-2011 - 01:16 ]
 رقم المشاركة : ( 14 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

الشيخ محمود جنيد رحمه الله




ولادته ونشأته:
ولد رحمه الله تعالى عام 1321تقريباً، نشأ يتيماً في بيت عُرف بالزهد والورع. والده وجده رحمهما الله تعالى عُرفا بالتواضع والسيره الحسنة، وبعد سفر والده الشيخ جنيد إلى روسيا للجهاد تربَّى في حجر والدته رحمها الله تعالى مع أخويه الكبير محمد، والصغير أحمد، فهو أوسط أولاد جنيد.

مرضه وإصابته بالشلل وعناية أمه به:
قدَّر الله عزَّ وجل أنْ مرض محمود الطفل بمرض عضال وأصيب بشلل نصفي تقريباً، فصارت والدته تخدمه وهو على سرير المرض لا يستطيع الذهاب إلى قضاء الحاجة، ولازم سرير المرض عدَّة سنوات، والأم الحنون، تحاول جاهدة أن ترى ولدها معافى، فما تركت دواء إلا وجربته، ولا شيخاً إلا وطلبت منه أن يرقي.
شقيقه الأكبر شيخه الأول:
في هذه الأثناء كان الوالد رحمه الله هو الأخ الأكبر يتعلم في الكتّاب ، ثم عند الشيخ محمد الياسين عبد السلام رحمه الله، والذي يتعلمه يأتي به إلى أخيه فيعلمه وهو على سريره.
فكان الوالد شيخه الأول رحمهم الله جميعاً، وحفظ القرآن الكريم صغيراً، وكان يعرف فيه الذكاء والحفظ كما عرف عنه صوته الرخيم الذي كان يسمع منه أثناء تلاوة القرآن الكريم أو إنشاء بعض القصائد في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

شفاؤه:
وبعد هذه المدة خطر على بال والدته أن تأخذ ولدها إلى مسجد الأسرة [ مسجد الشيخ مسعود] ففرشت له فراشاً عند مقام الشيخ مسعود، وصارت تأتيه بالطعام وتخدمه وتتركه ليلاً، ينام والولد عاجز ومشلول ينشد القصائد والمدائح، وأهم من هذا كله يتلو كتاب الله عزَّ وجل، وذات ليلة وبعد أن قرأ البردة وتوسلية الشيخ أمين الجندي التي مطلعها:
توسَّلت بالمختار أرجى الوسائل نبي لمثلي خير كافٍ وكافلِ
إذا به يشعر أنَّ الحياة والحركة بدأت تدبُّ وتعود لنصفه العليل، وإذا به يشعر أنَّ عنده قدرة على الحركة، وكان الوقت قريب الفجر والمؤذنون عندنا يصعدون المآذن قبل الفجر يُسبِّحون الله عزَّ وجل ثم يؤذِّنون.

عناية الشيخ بالفقه والسلوك:
حصل الشيخ رحمه الله على كثير من العلوم، إلا أنَّ الذي يسمع دروسه يجد أن الشيخ يركز على أمرين هامين: الفقه والسلوك، والفقه بمذاهبه الأربعة، له الحظ الكبير في جميع دروسه و فتاويه ومجالسه، وكانت عنده براعة في تطعيم الدرس الفقهي بحكايات الصَّالحين والزهَّاد والورعين والأولياء رحمهم الله تعالى ، حتى إنه إذا كان يتكلم في الطهارة أو الوضوء، أو الاغتسال يأتي بحكايات الصَّالحين مما يُعطي لدرسه روحانيَّة خاصَّة قلَّ أن توجد أثناء تقرير مثل هذه الدروس.
ولا يحضرني الآن أسماء الذين قرأ عليهم إلا أنه كان له نصيب وافر من كل عالم موجود في حمص أثناء فترة طلبه للعلم.

نشره للعلم:
كان محباً لنشر العلم منذ أن شعر أن عنده قدرة على تدريس غيره، وقد بدأ مبكراً في تدريس القرآن الكريم، والعربية والفقه، وعلوم الآلات. وقد دلَّني على هذا أكثر الذين قالوا لي: إنَّ عمك درسنا في المسجد، وهم أكبر منه سناً بكثير، وكان الكثير من رجالات حمص ومثقفيها وشعرائها يقولون: إن الشيخ له فضل علينا، وكنت أعجب لناحية، وهي أن الطلاب أكبر سناً من أستاذهم حتى إن بعضهم نشأ نشأة غير إسلامية، لكنه كان يكنُّ لأستاذه الشيخ محمود كلَّ حب وتقدير، والمهم أن الجميع يعلم أنَّ هذا الشيخ ما كان يترك دقيقة تمرُّ إلا ويتكلم فيها عن مسائل الفقه أو حكايات الصالحين.

مشاركاته الاجتماعية:
إذا كان محراب جامع الدالاتي،(الحميديه)، لم يترك لأخيه الشيخ محمد فرصة يحضر فيها مولداً أو عرساً أو عقود زواج فإنَّ حبَّ الشيخ محمود للعلم والفقه ونشره بين الناس دعاه إلى حضور هذه المجالس حتى يفيد الآخرين.
فكان يعودُ المرضى ويشهد الجنائز، ويشارك الناس في أفراحهم، ولو أدّاه هذا إلى السهر الطويل حتى إنه كان له دروس بعد العشاء مع مشيخته في البيوت، ثم لما صار شيخاً صار يدير هذه الدروس، وبسبب ايجابيته في الأمور الاجتماعية صارت له محبَّه عظيمة في قلوب الكثيرين.

العلم في حياة الشيخ رحمه الله:
إن الذي يعرف الشيخ صغيراً وكبيراً يقول: إن هذا الرجل لم يضيع لحظة من حياته إلا متعلِّماً أو معلِّماً،وحبُّ العلم سجيَّة فُطر عليه، خالط حبُّ العلم لحمه وعظمه كما خالط حبُّ الصالحين شَغَاف قلبه.

محلهُ :
قلت: إن الشيخ لا يأخذ راتباً على كلِّ ما يقوم به من دروس خاصَّة أو عامَّة، وكان له دكان يبيع فيها حصة من الغزل يسيرة، ومن ربحها يعيش، ولكن الجميع ما كان يرى في الدكان غزلاً ولا تجارة لبساطة الحصة التي يشتريها ويبيعها. إذاً ماذا كانت هذه الدكان؟! فيها مقعد خشبي إنْ رميته في الشارع لا يأخذه أحد، يتَّسع لثلاثة، وكرسي قديم، وطاولة قديمه، والدكان صغيره، إن هذه الدكان كانت:
1ـ دار فتوى: فإذا اقتربت منها وجدت عنده بعض العلماء،وقد عرضت لهم مسألة فقهيه يستشيرونه فيها، وتجد آخرين ينتظرون حتى يذهب هؤلاء ليسأل كل واحد عن مسألة تهمُّه في دينه
2ـ الدكان مدرسة: ومع هؤلاء تجد ثلاثة طلاب أو أكثر جلسوا على تلك الخشبة يقرؤون كتاباً في الفقه أو النحو أو غير ذلك.
3ـ الدكان مستشفى: ومع هؤلاء تجد أناساً واقفين لأن بهم مرضاً أو وجعاً يريدون من الشيخ لو يرقيهم بآيات من كتاب الله عزَّ وجل فلطالما وجدوا لتلك اليد بركة، وأثراً في شفاء مرضاهم.
4ـ الدكان جمعية بر وخدمات:ومع هؤلاء تجد أناساً واقفين ينتظرون، فهم فقراء يحتاجون صدقة، ويعلمون أن الشيخ يكلَّف من البعض بتوزيع بعض الصدقات والزكوات أو الخبز أو الثياب فيجدون بغيتهم فيرجعون مجبوري الخاطر.
5ـ الدكان جمعية إصلاح ذات البين: ومع هؤلاء تجد أناساً متخاصمين تجارياً أو اجتماعاً أسرياً أو غير ذلك فيجلس الشيخ معهم إذا سمحت الفرصة ليصلح فيما بينهم، وكم حُلَّت مشكلات وفُضَّت نزاعات، وزالت خصومات في هذا الدكان بكلمة طيبة مع ابتسامة الشيخ الهادئة، وكثيراً ما كان يجتنب تحليفهم الأيمان فيحل الخصومات صلحاً، وإن الكثير يعلم أنَّ كثيراً من النصارى كان يأتيه ليفض نزاعهم التجاري مثلاً مع خصومهم مسلمين أو نصارى.
6ـ الدكان مركز استشارة:ومع هؤلاء كلهم تجد من يأتي ليسلِّم على الشيخ من خارج المدينة أم من داخلها ويطلب منه دعوة أو يستشيره في أمر خاصٍّ به، أو بأسرته ،والذي دفعهم إلى هذا أنهم وجدوا أثراً لرأيه السديد في مشكلاتهم الخاصة.
7ـ الأمر العام:وإذا حَصَل أمرٌ عام يستدعي اجتماع علماء البلدة في مثل هذه الأوقات التي يكثر فيها الناس، عندها يترك الجميع ويغلق دكانه، ويذهب إلى الاجتماع مع العلماء، ذلك لأن للأمور العامة عند الشيخ أهميتها الخاصة، فهو مع آلام الناس وآمالهم، وكل ما يهمهم، ويفرح كثيراً عندما يجد العلماء قد اجتمعت كلمتهم،وخرجوا برأي مُوحَّد،وكان قليل الكلام، وإذا تكلم في مثل هذه الجلسات فكلامه لتوفيق الآراء واجتماع الكلمة ونصرة الدين، فمثل هذه الاهتمامات مؤشِّر على أن الشيخ لا يعيش مع الكتب الصفراء وحدها،وإنما يعيش هذه الأمة، لحاضرها ومستقبلها وآخرتها،ودينها ودنياها.

مرضه ووفاته رحمه الله :
كانت آخر حياة الشيخ ابتلاء وامتحاناً وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وأصابته هموم عامَّة وخاصَّة كان لها أثرها على الشيخ ،واجتمعت هذه الهموم في جسم هو في شبابه ربع جسم، فكيف وهو ابن السبعين إلى التسعين تقريباً. فمرض عدَّة أمراض وتغيَّر وضعف، وظلَّ على الرغم من مرضه يتابع مهامه التي يستطيع متابعتها، ويتحمَّل فوق طاقته. نعم فوق طاقته بمرات، حتى وافاه الأجل في حمص عام 1414هـ الموافق 1993م.

جنازته المشهودة:
وما أن علمت حمص بالخبر إلا وخرجت من بيوتها، وكانت الساعة التي لا مفرَّ منها، وكانت الجنازة التي لا يتصور إنسان أن تكون بهذا الكم من المشيعين حتى النصارى شاركوا في التشييع، وكان يوماً حاراً خرجت حمص ـ وبدون مبالغة ـ عن بكرة أبيها بأولادها وبنسائها خرجت حمص التي يندر أن يكون واحد من أهلها إلا وللشيخ معه حكاية أو مسأله أو حاجة، خرجت حمص تعلن الوفاء لعالمها ولدينها وإسلامها، خرجت حمص التي تعتبر أنها مدينة لهذا الشيخ، وأن تشييعه يعني تسديد بعض ما للشيخ عليها من حقوق.
خرجت حمص لتبكي لا على الشيخ وإنما على زهده، وعلى تقواه، وعلى جهوده، وعلى علمه، وعلى اهتمامه، وعلى همته، وعلى حبه للناس. كلهم حتى العصاة منهم، تبكي وتسأل الله عزَّ وجل أن يعوِّضها خيراً، وأن يجعل في أولاده الخليفة، والحمد لله فإنَّ الخير لم ينقطع، فالشيخ سهل، والشيخ أحمد، والدكتور الشيخ عبد البر، والدكتور الشيخ محمد ضياء فيهم الخير الكثير إن شاء الله تعالى.

--------------------------------------------------------------------

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 15-11-2011 - 01:30 ]
 رقم المشاركة : ( 15 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   



الشيخ عبد العزيز عيون السود (1335ـ1399هـ=1917ـ1979م)

اسمه ومولده:
هو العلامة المقرئ المفسِّر الفقيه المحدِّث اللغوي؛أمين الإفتاء وشيخ القرَّاء؛ علامة حمص وعالمها؛ فريد عصره ودرَّة زمانه الشيخ أبو عبد الرحمن عبد العزيز بن الشيخ محمد علي بن الشيخ عبد الغني عيون السود الحمصي الحنفي.ولد في مدينة حمص ليلة الخميس في الثامن من شهر جمادى الأولى عام 1335هـ الموافق للأول من شهر آذار عام1917م ؛ لأسرة عريقة في العلم والفضل ، فوالده (محمد علي)، وعمه(عبد الغفار) من كبار علماء حمص ومشايخها.
شيوخه:
نشأ الشيخ عبد العزيز في بيت علم ودين: وكان رحمه الله ذا همة عالية في طلب العلم والرحلة إليه حتى تخرج على كبار علماء عصره وأجيز منهم، ومن أبرز شيوخه:
والده الفقيه المفسِّر الشيخ محمد علي عيون السود، المدرس العام بالجامع النُّوري الكبير، ومدير المعهد العلمي الشرعي بحمص، المتوفى سنة 1371هـ رحمه الله تعالى .
عمه العلامة المفسِّر المحدِّث الشيخ عبد الغفار عيون السود، شيخ فقهاء حمص في وقته، ومرجع الفتوى في الفقه الحنفي ، المتوفى سنة 1350هـ رحمه الله تعالى.
العلامة الفقيه الحنفي الشيخ عبد القادر الخوجة المتوفى عام1373 رحمه الله تعالى.
العلامة الشيخ طاهر الرئيس رحمه الله تعالى .
الشيخ عبد الجليل مراد، المتوفى عام1399 رحمه الله تعالى .
العلامة الفقيه الشيخ محمد زاهد الأتاسي، مدير المدرسة الشرعيَّة الوقفيه بحمص، ورئيس علمائها، المتوفى عام1366=1947 رحمه الله تعالى .
العلامة اللغوي البارع الشيخ أنيس بن خالد كلاليب الفقيه الشافعي رحمه الله تعالى .
الشيخ محمد الياسين، عبد السلام بسمار الشافعي ،وهووالد فضيلة الشيخ أبو السعود بسمار رحمهما الله تعالى.
العلامة الفقيه النحوي الشيخ أحمد بن عمر صافي، المتوفى عام 1367 رحمه الله تعالى.
المقرئ سليمان الفارسي كوري المصري رحمه الله تعالى .
شيخ قراء دمشق محمد سليم الحلواني (1285ـ1363هـ =1868ـ1944م).
المقرئ الجامع عبد القادر قويدر العربيلي(1318ـ1379هـ =1900ـ1959م).
شيخ قراء الحجاز أحمد بن حامد الحسيني التيجي المصري، ثم المكي(1285ـ1368)
شيخ القراء في مصر العلامة علي بن محمد الضبَّاع ، المتوفى عام1380هـ رحمه الله تعالى .
الشيخ المسند المقرئ نُعيم بن أحمد النُّعيمي الجزائري المتوفى عام 1393 رحمه الله تعالى .
طلبه العلم
تلقَّى عن عمِّه الشيخ عبد الغفار، وعن الشيخ عبد القادر الخوجه، والشيخ طاهر الرئيس ، والشيخ عبد الجليل مراد… وغيرهم. كما تلقى في دار العلوم الشرعيَّة التابعة للأوقاف عن الشيخ زاهد الأتاسي، والشيخ أنيس كلاليب، والشيخ محمد الياسين، والشيخ أحمد صافي، ووالده الشيخ محمد علي عيون السود، وتخرج فيها عام 1355هـ =1936م.
أصيب الشيخ بمرض قطعه عن الناس، فاغتنم الفرصة فحفظ القرآن الكريم، ومن ثمَّ تلقَّى القراءات السبع من طريق الشاطفية عن الشيخ سليمان الفارس كوري.
رحلته في طلب العلم:
ثم نزل دمشق فقرأ على شيخ قرائها محمد سليم الحلواني، القراءات العشر الصغرى من الشاطبية والدرة. وفي وقت أخذه عنه كان يتردَّد إلى قرية عربيل( عربين) قرب دمشق ليأخذ عن المقرئ الشيخ عبد القادر قويدر العربيلي القراءات العشر الكبرى من الطيبة، حيث بدأ القراءة عليه في 15 شوال 1361هـ، وأتمَّ الختم في أربعة شهور بتاريخ 4ذي الحجة 1361هـ.
وقرأ في مكة المكرمة بعد الحج على شيخ قرَّاء الحجاز المقرئ أحمد بن حامد التيجي المكي القراءات الأربع عشرة بمضمن الشاطبية والدرَّة والطيبة والفوائد المعتبرة.
استأذن والده فرحل إلى مصر ، وتلقَّى القراءات الأربع عشرة من طريق الشاطبية والدرة والطيبة والفوائد المعتبرة. كما تلقَّى المقدمة الجزرية، وعقيلة أتراب القصائد في الرسم ، وناظمة الزهر في علم الفواصل، وكلتاهما للشاطبي على شيخ المقارئ المصرية العلامة علي بن محمد الضَّبَّاع.
وقد أجازه علماء القراءات المذكورين كلهم. والشيخ عبد العزيز من أصحاب الأسانيد العالية في علم القراءات سواء في العشر الكبرى من الطيبة أو العشر الصغرى ، وذلك بتلقِّيه عن الشيخ الضباع العشر الكبرى، وبتلقِّيه العشر الصغرى عن الشيخ محمد سليم الحلواني، وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ستة وعشرون رجلاً، كلٌّ منهم مشهور بشيخ قرَّاء زمانه، وكلٌّ مشهود له بالتحقيق والتدقيق. وهذا إسناد ليس في زمنه أعلى منه، ولا أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
العلوم التي برز فيها:
وإلى جانب علمه في القراءات كان رحمه الله تعالى عالماً في التفسير يحقِّق فيه، وله باع في علم مصطلح الحديث، وقواعد الجرح والتعديل، حفظ الكتب الستة في الحديث والمسلسلات، وأجازه شيخه في الحديث وتلميذه في القراءات المحدث الشيخ نعيم بن أحمد النعيمي الجزائري(1327=1393)، وعنده إجازات أخرى في روايات الحديث.
تلقَّى الفقه الحنفي عن والده ، وعمه الشيخ عبد الغفار، وعن شيخه عبد القادر الخوجه، وهم فقهاء بالتلقِّي بالسند المتصل بأبي حنيفة رضي الله عنه، وكان مُتمكِّناً يُرجع إليه في معضلات الفقه حتى غدا المرجع الأعلى في حمص بالفقه.
وكان واسع الاطلاع في علوم العربية، ومحفوظاته كثيرة تبلغ نحواً من ثلاثة عشر ألف بيت من الشعر في العلم المختلفة.
تلاميذه:
افتتح دار الإقراء بحمص، وأخذ عنه الكثيرون علم التجويد ومخارج الحروف والقراءات والرسم والآي، وأجاز بالقراءات السبع عن طريق الشاطبية، والقراءات الثلاث فوق السبع من طريق الدرة فضيلة الشيخ عبد الغفار الدروبي، وتلقى عنه فضيلة الشيخ سعيد العبد الله؛ شيخ قرَّاء حماة، وأجاز المحدث النعيمي الجزائري الذي وفد خصيصًا من الجزائر للقراءة عليه، وتلقى عنه القراءات الأربع عشرة بمضمن الشاطبية والدرة والطيبة والفوائد المعتبرة، وقرأ عليه الشيخ محي الدين الكردي من دمشق ختمة كاملة لورش من طريق الأصبهاني من طريق الطيبة، وأجازه، وقرأ عليه آخرون وأجازهم، ومنهم الشيخ تميم الزُّعبي الحمصي، شيخ قراء المدينة المنورة ، والشيخ الدكتور محمد أيمن سويد الدمشقي.
آثاره العلمية:
من آثاره العلمية التي تركها:” الكوائن من الأمور والحوادث الغيبيَّة بين يدي الساعة” ،وهو من أَجَلِّ الآثار التي تركها، وقد أمضى دهراً طويلاً في تصنيفه واختيار آثاره من أمهات الكتب ، ويعدُّ من أهم الكتب التي تحدَّثت عن أشراط الساعة.
ـ والجداول في القراءات.
ـ ومنظومة: القول الأصدق في ما خالف فيه الأصبهاني الأزرق.
ـ ومنظومة: تلخيص صريح النص في الكلمات المختلفة فيها عن حفص، وقد شرحها ابنه عبد الرحمن بمنظومة أسماها:” توضيح تلخيص صريح النص في كل خُلف قد أتى عن حفص”.
ـ النفس المطمئنة في كيفية إخفاء الميم الساكنة بغنَّة.
ـ المكاييل والأوزان الشرعيَّة ومعادلتها بالغرام.
ـ فقه الحج على مذهب الإمام أبي حنيفة .
ـ مجموعة من الأدعية والأذكار.
ورسائل أخرى كثيرة بالغة النفع، ومجلدات فتاويه.
أخلاقه:
جمع مع العلم التواضع للعلماء والمتعلمين؛ لكنه كان مع التواضع وقورًا مهيبًا، محبوبًا بين الناس، حسن العشرة والصحبة، يهتم بمرافقيه وطلابه، ويعتني بهم ، بارًا بوالديه وأعمامه، حريصًا على خدمتهم في حياتهم؛ و يكثر من زيارتهم بعد موتهم، ويذكرهم بالاحترام، بارًا بشيوخه وعلماء عصره؛ يحرص على رضاهم ويتردد إليهم.
كان قليل المزاح، كثير الذكر والتلاوة والصلاة، يحافظ على الصلوات لأوقاتها مع الجماعة، ، يديم التهجد، و يحرص على تطبيق السُّنَّة في أعماله وعباداته.
أما كرمه فقد كان فيه قليل النظير؛ فقد كان مُحبًّا للضيوف، ويكرمهم ويتولى شؤونهم، وبنى لهم غرفًا متصلة بمنزله ليؤمن لهم راحتهم، وقد ينزل به الضيف ومعه زوجته وأولاده، فجعل لهم غُرفًا غير الأماكن التي ينزل بها الرجال وحدهم، ولا يزهد بأيِّ ضيف منهم حتى لو كان صغيرًا، وقد ينزل عليه من لا يعرفه فيُحسن ضيافته واستقباله.
ولم تكن أحواله الماديَّة في سَعَة، ولهذا فقد اضطر أحيانًا لبيع بعض ما يملك، ومنها كتبه؛ للقيام بحق الضيافة، فقد باع مكتبته الثمينة النادرة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض،وقد حضر الدكتور الفاضل زاهر عواض الألمعي عميد شؤون المكتبات من الرياض لشرائها، ثم عوَّض بعض الكتب التي باعها حين تيَّسر له المال.
وفاته وحسن خاتمته:
وفي ليلة وفاته صلَّى ونام ، ثم أحس بالتعب ؛ لكنه قام للتهجد كعادته، فتوضَّأ للصلاة، وما إن بدأها حتى توفي في سجوده، وكان ذلك في السَّاعة الرابعة قبل الفجر؛ 13 صفر 1399هـ/13 كانون الثاني 1979م، ودُفن بزاوية من طرف مسجده الذي بناه قرب منزله بحمص، رحمه الله تعالى وأكرم مثواه
المصدر:
تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري - حياة حمص

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 15-11-2011 - 01:37 ]
 رقم المشاركة : ( 16 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   



ولد في "حمص" عام /1848/ وتوفي سنة /1917/

كان من أعيان رجالات حمص ووجهائها و له أياد بيضاء كثيرة على أهل حمص و قراها، و قد قال عنه محمد علي باشا في كتابه "الرحلة الشامية" صفحة 130: (و أنا أعرف أن سعادة عبد الحميد باشا الدروبي قد اشترى من جميع هؤلاء الناس (أهل حمص) أفئدتهم و ملك نفوسهم بما يسديه إليهم من معروفه و ماله، فهو في تلك المدينة بمثابة والد شفيق لكل الناس).
عمل خلال حياته بالتجارة و شغل مناصب حكومية عدة منها منصب القائمقام و رئيس بلدية حمص عدة مرات و رئيس غرفة التجارة بحمص ثم بعد منحه لقب الباشوية من قبل السلطان عبد الحميد شغل أيضا منصب كناظر للأملاك السلطانية.



ويتحدث عنه الباحث التاريخي "نعيم الزهراوي" في كتابه (الجذر السكاني الحمصي) جزء(6) أنه: "بعد أن تلقى تعليمه على يد علماء "حمص" تسلّم عدة مناصب رفيعة في "حمص"، و استلم رئاسة غرفة التجارة. امتاز ببعد النظر و رجاحة الرأي، و كان له حظوة تامة لدى رجال الدولة العثمانية حاز على لقب الباشوية من الباب العالي العام /1901/. و كان محط أنظار رجال الدولة و قد وجه أولاده إلى العلم فكان "محي الدين بك" عضو مجلس إدارة في "حمص" عام /1867/، و "صبري بك" و "محمد نوري بيك"، و "علاء الدين " الذي تلقى علومه في "حمص" و تابع تحصيله في المكتب الملكي في الأستانة، و بعد تخرجه عيّن قائم مقام في تركيا، ثم متصرفاً، ثم عاد إلى وطنه، و عمل مع الوطنيين على تأسيس الدولة السورية، و اشترك في الوزارة التي شكلها "هاشم الأتاسي، ثم أصبح رئيساً للوزراء في عهد الملك فيصل".

و يتحدث كتاب (يوميات مطران "حمص" للروم الأرثوذكس) للباحث "نهاد سمعان" عن "عبد الحميد الدروبي" أنه: «لعب دوراً هاماً في إدارة شؤون البلدة إذ انتخب عدة مرات لمجلس الإدارة، و ترأس البلدية عدة مرات، بتعليماته تم إشادة الكثير من المشاريع العمرانية أهمها جامع "خالد بن الوليد" بشكله الحالي، حين أوفد "السيد "نايف خزام" إلى مصر لينقل تصاميم جامع "محمد علي باشا" في القلعة و قد تم تنفيذ ذلك بكل إتقان، و هو من الروعة بحيث يعتبر مفخرة لكل أبناء المدينة.
و كان قد حصل خلاف بين القائم مقام و وجهاء المدينة في "حمص" نتيجة الأعمال التعسفية التي كان يقوم بها القائم مقام، فبادر "عبد الحميد الدروبي" (لم يكن باشا آنذاك) إلى تنظيم عريضة وقعها الحمصيون من كل الطوائف و الأديان، و عدد فيها الأعمال الجائرة التي ارتكبها القائم مقام، و أخذها بيده إلى الأستانة في 15 آذار1889 ، و لقد أسفرت هذه العريضة عن عزل القائم مقام "إحسان بك" و رحيله عن المدينة في (14 تموز) ليحل محله "محمود بك الشلبي" الحيفاوي الأصل، كقائم مقام جديد.
و كان "عبد الحميد الدروبي" محبوباً من قبل أهالي "حمص" للكثير من مواقفه الإنسانية النبيلة، و من القصص الإنسانية التي تروى عنه كما ورد في كتاب (حوارات في عالم الغيب) للأستاذ "إدوار الحشوة" أنه: دخل مرة منزل "عبد الحميد الدروبي" فقراء من فلاحي قرية "الدوير" المتاخمة لمدينة "حمص" و قد كانوا مسيحيين، استنجدوا به و طلبوا مساعدته، و كانوا خائفون على حياتهم، فاستقبلهم و سمع قصتهم. حيث كانوا يعيشون و يعملون في قريتهم ذات الأرض الخصبة، و الإنتاج الوفير، هذه القرية أثارت الطمع لدى عائلة إقطاعية في المدينة، فاعتدت على أهلها و هجرتهم، تحت ستار من التعصب الأعمى، لإخفاء رغبتهم في الاستيلاء على أملاك الغير دون أدنى حق. فجاء "عبد الحميد الدروبي" برجل مسيحي حمصي هو المعماري "سليمان الحشوة"، كان مقرباً من "الدروبي"، و كان يعمل في حفر أساسات الرواق الشمالي لجامع "خالد بن الوليد"، و أعطاه "تنكة" و قال له: "تعال غداً إلى منزولي، و أعطني هذه التنكة أمام الناس و قل أنك وجدتها أثناء الحفر و انصرف". و فعلاً قام "سليمان" بالواجب و أحضر التنكة أمام عليّة القوم، و سلّمها لـ "عبد الحميد الدروبي"، فمسح عنها التراب، ثم أظهر الدهشة، و لم يبلغ الناس بفحواها.

فدعا "الدروبي" فوراً كبار الإقطاعيين من العائلة الغاصبة، و اختلا بهم في الغرفة المجاورة، و أبلغهم بمحتوى ما كتب في التنكة، حيث فيها، أن عدة قرى من أخصب قراهم (أي الغاصبين) هي لوقف مسجد "خالد"، فرفضوا ذلك لملكيتهم لها منذ عقود، فقال "الدروبي" أن "ما وجد في أرض المسجد، لا أحد سيجادل بصحته، و عليهم تسليمها للوقف"، فطلبوا منه حلاً ليتجنّبوا ألسنة الناس، كون العدوان على الوقف بالدين من الكبائر. فأخبرهم بأن الحل جاهز: "تعود الدوير لأهلها .. تعود التنكة لأساساتها". فوافق الإقطاعيون على ذلك، و عاد أهل الدوير إلى قريتهم مكرّمين، يدعون لـ "عبد الحميد الدروبي" بالخير و طول العمر.

المراجع:

* كتاب الجذر السكاني الحمصي لـ"نعيم الزهراوي" ج -6-
* كتاب يوميات مطران "حمص" للروم الأرثوذكس للباحث "نهاد سمعان"
* كتاب (حوارات في عالم الغيب) للأستاذ "إدوار الحشوة".

رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

العبارات الدلالية
, , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

تاريخ محافظة حمص الموسـوعة الشاملة لتاريخ لحمص



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع


المواضيع المتشابهه للموضوع: تاريخ محافظة حمص الموسـوعة الشاملة لتاريخ لحمص
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
العيادات الشاملة في مدينة حلب حلب الشهباء مدينة حلب الشهباء 7 05-10-2012 12:38
اغتيال عضو مجلس محافظة في حلب حلب الشهباء أخبار حلب 0 18-02-2012 07:35
مجلس محافظة حمص يصدر قراراً بنقل السيارات السائحة المسجلة لدى مديريات النقل حلب الشهباء السيارات 0 11-04-2011 11:53
موقع "أم المرا" الأثري واكتشافات تؤرخ لتاريخ المنطقة حلب الشهباء مدينة حلب الشهباء 0 10-03-2011 12:27
صور محافظة حلب حلب الشهباء صور حلب 0 17-12-2010 09:10

الساعة معتمدة بتوقيت مدينة حلب الأن 09:41