آخر أخبار نادي الاتحاد الحلبي السوري

عشاق حلب الاهلي


مدينة حلب الشهباء أخبار مدينة حلب الآن, صور مدينة حلب, فيديو مدينة حلب مدينة حلب السورية, مدينة حلب القديمة

إنشاء موضوع جديد  رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع

نادي الإتحاد الحلبي السوري

كُتب : [ 19-05-2012 - 10:53 ]
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية حلب الشهباء
 
حلب الشهباء
إدارة المنتدى

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

       
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم
السيرة الذاتية لشيخ عبدالله سراج الدين

May 19th, 2012

السيرة الذاتية لشيخ عبدالله سراج الدين

ولد الشيخ الإمام سيدي الوالد عبد الله بن سيدي الشيخ محمد نجيب سراج الدين رضي الله عنه في بيت عرف ببيت الفضل والكرم والعلم وذلك لما اشتهر عن والده رضي الله عنه بحلِ المعضلات العلمية وبيان ما التبس فهمه واشتبه أمره من العلوم والمعارف العالية حيث إن كبار علماء ذلك الوقت كانوا يقصدونه فإذا قال لهم قولاً أذعنوا له وكان قوله هو القول الفصل , ولذلك كانوا يتساءلون فيما بينهم : ماذا قال الشيخ محمد نجيب في ذلك ؟ رضي الله عنه ونفعنا الله بعلومه وبركاته .

وقد عرف عن الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه علو المكانة ورفعة المقام والمنزلة في قلوب أهل عصره فقد درج على ألسنة كثير منهم كلمات التكريم والتعظيم لمقام الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه إن هم ذكروه أو سمعوا شيئاً من كلامه أو عن مناقبه .
في هذا البيت العامر باليمن والبركة المشهور بالعلم والمعرفة كانت ولادة مولانا الإمام الشيخ عبد الله رضي الله عنه سنة / 1342/ للهجرة الشريفة .

وفي هذا البيت الفاضل المعروف بالنسب والحسب نشأ شيخنا الإمام رضي الله عنه وتربى في أحضان والده العارف الكبير الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه ووالدته السيدة خديجة المكتبي بنت الشيخ وحيد المكتبي الذي استشهد في أيام الحرب العالمية الأولى فكفلها عمها العلامة الكبير فقيه عصره السيد الشيخ أحمد المكتبي رحمه الله تعالى .

وقد حظي شيخنا الإمام رضي الله عنه منذ صغره بدعوات وبركات من العلماء والأولياء والصلحاء الذين كانوا يزورون مولانا الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه أو يزورهم لأنه كان بصحبته في غالب الأحيان .

وقد تعلم شيخنا الإمام رضي الله عنه تلاوة القرآن الكريم وتجويده في كتاب جامع سليمان الأيوبي عند الشيخ عثمان المصري رحمه الله تعالى ويقع قريباً من دار الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه .
كما قرأ عند الشيخ المذكور رحمه الله تعالى شيئاً من قواعد اللغة العربية .

ولما أتقن تجويد القرآن الكريم حبب إليه والده رضي الله عنه استظهار القرآن – يعني حفظه عن ظهر قلب – فشرع شيخنا الإمام في ذلك عند الشيخ عبد الوهاب المصري رحمه الله تعالى في كتاب قريب من جامع العثمانية فاستظهر القرآن الكريم وله من العمر اثنتا عشر سنة .

وكان في تلك الفترة يذهب إلى معهد الفلاح في جامع السلطانية الذي كان يديره الأستاذ الكبير الشيخ محمد خير الدين إسبير وقد تعلم في تلك السنوات القراءة والكتابة وتوسع قليلاً في علوم اللغة العربية وحفظ نصوصاً في البلاغة والشعر كقصيدة :[ بانت سعاد ] للصحابي الجليل كعب بن زهير رضي الله عنه وقصيدة البردة للبوصيري رحمه الله تعالى ، وحفظ شيئاً من القصائد والمدائح النبوية كما حفظ طائفة كبيرة من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وكان في ذلك كله يحوز على الدرجة الأولى ويتفوق على من معه بأسبقية شهد بها كل من درسه أو سمع له .

سلوكه طريق العبادة والتقرب إلى الله تعالى

لقد حبب الله تعالى إليه منذ صغره تلاوة القرآن الكريم وقراءة [ دلائل الخيرات ] في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم للإمام الجزولي رضي الله عنه وبعد أن استظهر القرآن الكريم وهو ابن اثنتي عشرة سنة كان يختم القرآن كل سبعة أيام ختمة وربما في ثلاث خاصة في الأيام الفاضلة كأيام رمضان وعشر ذي الحجة وهكذا لأنه كان أيضاً يراجع محفوظاته من الأحاديث الشريفة وأمهات المتون .

وكان يقرأ كل يوم أيضاً مجموعة الصلوات الإدريسية وهي عدة منظومات في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من نظم الإمام العارف بالله تعالى الشيخ أحمد بن إدريس رضي الله عنه وكانت هذه المجموعة وشروحها موجودة في مكتبة والده الإمام الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه وتعجبه كثيراً وينشرح لقراءتها لما فيها من أسرار ومعان عرفانية عالية .


ثم وفقه الله تعالى إلى قراءة أوراد السادة الرفاعية رضي الله عنهم ، خاصة كتاب :( السير والمساعي في أوراد سيدي أحمد الرفاعي ) رضي الله عنه ، وكذلك حزب الفرج لسيدي أحمد الرفاعي رضي الله عنه أيضاً .

ثم جمع رسالة في الأذكار والأدعية المأثورة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصباح والمساء ، وكانت هذه من جملة أوراده اليومية رضي الله عنه .

وكانت له أوراد في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأعداد كبيرة ، وأوراد خاصة بباقي الطرق : كالطريقة القادرية ، والطريقة البدوية رضي الله عنهم أجمعين .

وكان يدير حلقة الذكر بأسلوب يتفق مع جميع الطرق الموصلة إلى الله تعالى ، وذلك ليلة الثلاثاء من كل أسبوع في جامع سليمان الأيوبي ، ثم نقله إلى جامع العثمانية لاتساعه ، بسبب إقبال الناس على حضور حلقة الذكر .

وأما عن قيامه في الليل للتهجد ، فلم يدعه منذ صغره حتى آخر أيام عمره المبارك ، كما أخبرتنا بذلك الوالدة الكريمة أمدها الله بمدده وعونه .

وكان يجهر في قيامه بتلاوة القرآن ، وبالأدعية المأثورة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قلت : وكثيراً ما كان شيخنا الإمام رضي الله عنه يحرض على قيام الليل ويرغب فيه في مجالسه العامة والخاصة ، ويقول :[ لقد دلت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الواردة في ذلك على أن من أراد خير الدنيا والآخرة ، والوصول السريع إلى مقامات القرب من الله تعالى : فعليه بالمواظبة على قيام الليل ، ولو قبيل الفجر بشيء يسير ، لئلا تفوته ساعة التجلي الأكبر على العباد بالجود والعطاء ]
وكان رضي الله عنه إذا أراد أن يختم القرآن الكريم جمع من كان في البيت من أولاده وأحفاده وشرع في الختم ثم الدعاء ، وذلك عملاً بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان رضي الله عنه في السنوات الأخيرة من عمره المبارك يختم القرآن الكريم كل ثلاثة أو أربعة أيام .ويا ليت عين كل مؤمن تنظر إلى تلألؤ وجهه بالبهاء والنور ، خاصة حينما كان يقرأ القرآن أو يدعو الله تعالى .

وفاته

السيرة الذاتية لشيخ عبدالله سراج الدين


نسيم الوصل يؤذن بكشف الحجاب ولقاء الأحباب
كان كلامه رضي الله عنه مع أهله وأصحابه في الأسابيع الأخيرة من عمره المبارك يحمل معاني الوصايا والتوجيهات والنتبيهات إلى بعض الأمور والقضايا العائلية الخاصة والعامة ولم يكن أسلوبه في الكلام يشعر أحداً بقرب أجله أو غير ذلك بسبب رقته رضي الله عنه ولطفه العجيب
ولم يغفل يوماً عن كلمات الرضا والتسليم وتفويض أمره كله إلى الله تعالى
وكانت وفاته رضي الله عنه عشية الاثنين في العشرين من شهر ذي الحجة سنة /1422/ من الهجرة الشريفة .
وقد حصلت أيام مرضه ووفاته من العجائب والكرامات ما توجب علينا ذكرها ويضيق بنا المجال لاستقصائها على أننا سنأتي على ذكر جملة واسعة حول ذلك في الكتاب الموعود إن شاء الله تعالى
ومن ذلك : أن أحد الأطباء الذين كانوا يشرفون على العناية بشيخنا الإمام رضي الله عنه والرعاية الصحية به وقد قدم من بلد آخر لهذا الغرض – وجزاه الله خير الجزاء – هذا الطبيب الماهر لفت نظره بيتان من الشعر كتبا على فراش شيخنا الإمام رضي الله عنه من الجهة اليمنى قريباً من رأسه وهما :
ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها رأيت رسول الله فيها باقيا
ولكنها تفنى ويفنى نعيمها ويلقى المؤمن ربه راضيا

وقد استحوذ ذلك على إعجاب ودهشة الأطباء والحاضرين إذ لم يتيسر لأحد أن يمد يده لملامسة شيخنا الإمام رضي الله عنه فكيف حصل ذلك ؟ّ!
وفي هذا نعي لشيخنا الإمام بخط القدرة الإلهية كما أخبر أحد الصالحين من أهل المدينة المنورة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو ينعى شيخنا الإمام لأهل البرزخ .
وقد أخبرنا أيضاً بعض الصالحين أنه كلما توجه إلى الله تعالى داعياً بشفاء شيخنا الإمام رضي الله عنه رأى شيخنا الإمام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فكيف أطلب من هو في الأحضان المحمدية يحيا وينعم .
ولا غرو في ذلك فإن لرسول الله صلى الله عليه وسلم عطفاً وحناناً وعناية خاصة بأحبابه المتقين في جميع العوالم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما أرسله والياً إلى اليمن قال له وهو يودعه : [ إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا ].
ولا يخفى على كل مؤمن قول الصحابي الجليل سيدنا بلال رضي الله عنه وهو على فراش الموت وقد رأى من أهله الحزن والبكاء فأنكر عليهم وقال :[ غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه ].
وقد رأى سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام قبل أن يستشهد – وكان رضي الله عنه صائماً – فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم :[ إنك ستفطر عندنا ].
ولله در القائل :
عليكم وإلا فالبكاء مضيع وفيكم وإلا فالرجاء قطيع
وعنكم وإلا فالأحاديث ضلة ومنكم وإلا فالنوال وضيع

ولقد عزى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته في مصائبهم بقوله : [ ليعز الناس في مصائبهم المصيبة بي ].
ويرحم الله تعالى القائل :
إمام الرسل أكرمهم خصالاً وأقربهم لدى المولى وصالاً
فيا من هام فيه هوى وحالاً محمد رحمة أجرت نوالاً

به لمحبه كمل الكمال
قلت : وقد دفن شيخنا الإمام رضي الله عنه في مدفن جامع المدرسة الشعبانية – وهذا المدفن وقفي - بناء على وصيته ولما لها من منزلة عنده وقد ازداد المكان بهاء وجلالاً وأنواراً بمرقد شيخنا الإمام فيه ويشعر الزائر له بالأنس والسكينة وكأنه في روضة جنانية وهذا هو شأن عباد الله المتقين المخلصين المحبين لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .
وإني أسأل الله العظيم رب العرش العظيم بجاه رسوله ذي القدر العظيم صلى الله عليه وسلم أن يرفع مقام شيخنا الإمام في أعلى المقامات وأن يعلي منزلته في أعلى الدرجات وأن يجمعنا معه في الحضرة المحمدية في جملة الأحباب { مع الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} آمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }
الحديث في مسند الإمام أحمد [5/235] .
رواه الإمام مالك في الموطأ .


ونكمل السيرة
موقع ومنتديات نادي الاتحاد الحلبي - نادي الإتحاد الحلبي السوري Al Ittihad of Aleppo syria - عشاق حلب الأهلي مدينة حلب الشهباء

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 19-05-2012 - 10:56 ]
 رقم المشاركة : ( 2 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

فضيلة الشيخ محمد نجيب سراج الدين الحسيني



الإمام العلامة الشهير والعارف الكبير فضيلة الشيخ محمد نجيب سراج الدين الحسيني ت 1372 هـ

قال الشيخ الإمام رضي الله عنه :
وكنت آخر سني دراستي في الخسروية قد استأذنت والدي رضي الله عنه في قراءة دروسه القديمة التي لم ادركها فأذن لي وتناولتها بالقراءة بفهم ودراسة وذلك مما سهل علي فهم مطولات الكتب في علم التوحيد والتفسير وعلوم الحديث وأصوله أيام خلوتي للمطالعة في غرفة والدي في المدرسة الشعبانية .
ومما قاله مولانا الشيخ الإمام رضي الله عنه عن دروس والده :
أن الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه كان يكتب دروسه كلها قبل أن يذهب إلى التدريس ويستظهرها ثم يمضي إلى المسجد ليلقيها وربما أتى بشروح إضافية من عنده لإفهام بعض العامة حيث كان درسه عاما وليس للعوام وكان محتوى دروسه بشكل عام يقتصر على علم التوحيد وقضايا الإيمان ودفع الشبهات وإزالة الضلالات وهناك دروس في الجامع الأموي تتضمن شرح أحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرها الإمام البخاري في صحيحه وهناك دروس تضمنت أحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرها الإمام السيوطي في الجامع الصغير . اهـ
وقال رضي الله عنه : كان سيدي الوالد رحمه الله تعالى يفتتح دروسه في الجامع الأموي وجامع بانقوسا – يفتتح ذلك بالصيغة التالية :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار
- هذا الحديث كثيراً ما كان صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبه به ، وكان والدي الكريم يفتتح به دروسه إتباعاً له صلى الله عليه وآله وسلم ، واستفتاحاً وتبركاً -
ثم يقول : بالسند المتصل إلى الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن المغيرة بن بردزبة ، الجعفي البخاري قال – أي البخاري - : حدثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :[ بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ] ثم يدخل في بحثه العلمي الذي يريد أن يلقيه ، مع ربطه في البحث الذي قبله ، على وجه متسلسل ، ومترابط ومتناسب .
وكان إذا ختم الدرس وانتهى من البحث يقول : وسيأتي تمام هذا إن شاء الله تعالى .
فإذا قال ذلك ، بدأ الناس المستمعون بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهراً ، بصيغة الصلاة الإبراهيمية ثلاث مرات ، ويقولون في آخر كل صلاة : عدد خلقك ، ورضاء نفسك ، وزنة عرشك ، ومداد كلماتك ، كلما ذكرك وذكره الذاكرون ، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون
ثم يقولون عشر مرات : لا إله إلا الله – جهراً .
ثم يسمع الحاج محمود الحاج كريم رحمه الله تعالى الفواتح ، ثم يدعو سيدي الوالد الكريم رحمه الله تعالى ، وبذلك يكون الختام وكان دعاؤه عقب الدروس وفي خطبة الجمعة كما يلي :
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
اللهم أيد الإسلام والمسلمين ، وانصر وأعل يا مولانا كلمة الحق والدين .
اللهم ارفع الكرب والشدائد عن أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
اللهم ارحم أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
اللهم أصلح أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
اللهم احفظ أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات ، الأحياء منهم والأموات .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .
ثم يقول سيدي الوالد الكريم رحمه الله تعالى عند انتهائه من الدعاء وراء دروسه :{ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } والمستمعون يقولون ذلك مع سيدي الوالد رحمه الله تعالى جهراً وجماعة .
قلت : وقد بسط الشيخ الإمام رضي الله عنه الكلام حول ذلك مفصلاً في كتابه :
حول ترجمة المرحوم الإمام العلامة الشهير والعارف الكبير فضيلة سيدي الوالد الشيخ محمد نجيب سراج الدين الحسيني رضي الله تعالى عنه , فارجع إليه تجد ما ينفعك إن شاء الله .

وقد أكرمني مولانا الوالد رضي الله عنه بأن أعطاني بعض أوراق دروس والده الكريم مولانا الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه - ولم تكن في مجموعها تتجاوز خمس دروس - وأشار علي بكتابتها من جديد وكان موضوعها حول شرح بعض الأحاديث النبوية التي ذكرها الإمام السيوطي في جامعه وبعض أحاديث صحيح البخاري ونبهني إلى بعض التحويلات والاستدراكات التي كان يكتبها الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه على جانب الصفحة أو على روقة مستقلة لتلحق بالأصل فكتبتها بقلمي وكان لي صديق يجيد أنواع الخطوط فكتب شيئاً منها بخط جيد حسن, وكان كل ذلك قد حصل في صيف عام 1397 هـ ثم جاورمولانا الشيخ رضي الله عنه في المدينة المنورة وبعد عودته أعطاني بعضاً منها ولم تزل بقية أوراق الدروس بمجموعها محفوظة في مكتبة مولانا الوالد رضي الله عنه
وقد رأيت من الفائدة بمكان أن أنسخ صفحة من مخطوطاته التي خطها بيده المباركة رضي الله عنه وهي مكتوبة بقلم من قصب يستمد الحبر من محبرة إلى جانبه إذ لم تكن الأقلام المعروفة حتى ولا الأوراق المعهودة لدينا متوفرة بسهولة وقتئذ وإليك نموذجاً عنها :


بسم الله الرحمن الرحيم
قوله صلى الله عليه وسلم : [ آل القرآن آل الله ] / عزاه السيوطي في الجامع الصغير للخطيب في رواة مالك / أي أهل القرآن هم أهل الله وخاصته أي المتقربون إلى القرآن هم المقربون إلى الله والمراد أن المتقربين إلى القرآن بالمداومة على تلاوته من المصحف أو عن ظهر قلب مع القيام بأوامره والاجتناب عن نواهيه هم المقربون إلى الله وذلك لأن القرآن كلام الله , وكلام الله تعالى صفته فيكون التقرب إلى كلامه تقرباً إليه ولهذا ورد في الحديث القدسي : [ أنا جليس من ذكرني ] /عزاه في المقاصد الحسنة للديلمي موقوفا على أبي بن كعب /
وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى :
[ أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني – وفي رواية مسلم : حين يذكرني - فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ]. صحيح البخاري
ولاشك أن أفضل الأذكار وآكدها على الإطلاق تلاوة القرآن قال تعالى :
{ وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ } .
وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
[ أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ].
فأخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه الكلمات الأربع أفضل الكلام بعد القرآن ، فيكون القرآن أفضل منها ، كما أنه أفضل من غيرها .
وروى الإمام الترمذي وحسنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
[ يقول الرب سبحانه وتعالى : من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وفضل كلام الله سبحانه وتعالى على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ].
وفي الحديث الذي رواه السجزي في الإبانة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :[ القرآن أفضل من كل شيىء , فمن وقر القرآن فقد وقر الله , ومن استخف بالقرآن استخف بحق الله ، حملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله المعظمون كلام الله ، الملبسون نور الله فمن والاهم فقد والى الله ، ومن عاداهم فقد استخف بحق الله عزوجل ]
وفي الحديث الذي رواه النسائي وابن ماجه وغيرهما عن أنس رضي الله عنه قال :قال صلى الله عليه وسلم : إن لله عز وجل أهلين من الناس ، قيل من هم يا رسول الله ؟ قال أهل القرآن هم أهل الله وخاصته .
وفي الحديث الذي رواه أبي نعيم في أخبار أصبهان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :[ يا أبا هريرة تعلم القرآن وعلمه الناس ولا تزال كذلك حتى يأتيك الموت فإنه إذا أتاك الموت وأنت كذلك حجت الملائكة إلى قبرك كما يحج المؤمنون إلى بيت الله الحرام ] ورواه الخطيب في تاريخه وجاء في الأربعون البلدانية وذكره السبكي في طبقات الشافعية الكبرى
وفي الحديث الذي رواه الدارمي :
[ اقرؤوا القرآن فإن الله لا يعذب قلباً وعى القرآن ]
وفي الحديث الذي رواه أبو يعلى ومحمد بن نصر المروزي :
[ القرآن غنى لا فقر بعده ولا غنى دونه ] .
وروى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
[ اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ]
وفي صحيح البخاري :[ خيركم من تعلم القرآن وعلمه ]
وفي رواية للبخاري أيضاً : [ إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه ]
وفي صحيح البخاري :[ لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار ، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وأطراف النهار ] .
وفي صحيح البخاري :[ مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب , ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر , ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ، ولا ريح لها ] .
وهذا كله في القارئ العامل بما في القرآن القائم بأوامره المجتنب عن نواهيه وإلا كان القرآن الكريم حجة عليه لا حجة له .
وفي الحديث الذي رواه أنس موقوفاُ :[ رب تال للقرآن والقرآن يلعنه ] / ذكره الغزالي في الإحياء وذكره العلامة الطيبي موقوفا , انظر كتاب تلاوة القرآن المجيد للشيخ الإمام /
ولهذا قال بعض السلف إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم ، يقرأ { ألا لعنة الله على الظالمين } وهو ظالم لنفسه ، و يقرأ { فنجعل لعنة الله على الكاذبين } وهو منهم .
وقد كان العلماء في صدر الإسلام هم القراء وذلك لأن القراء كانوا مجتهدين فكانوا يستنبطون العلم من القرآن والأحاديث فكان كل من كان أكثر حفظاً للقرآن كان أعلم بالدين ، بالحلال والحرام , ثم لما مضت قرون السلف الصالح قطعت العلماء الاجتهاد للعجز عنه وأوجبوا على الناس التقليد للسابقين عملاً بقوله تعالى :{ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } فصار العلم غير لازم للقراء , بل قد يكون قارئ غير عالم ، وقد يكون عالم غير قارئ , ولما كان المقصود الأعظم من القرآن والأحاديث التفقه بما فيهما من المعاني والأحكام وليس المقصود منهما حفظ الألفاظ المجردة ، كان الفقه أي العلم والفهم أفضل من الحفظ المجرد عن الفهم ، ولهذا نص العلماء على أن الأحق بالإمامة الأعلم بأحكام الصلاة ثم الأحسن تلاوة للقرآن ، فقدموا العالم على القارئ ولهذا أيضاً نص العلماء على أنه إذا كان في المسجد مجلسان مجلس قرآن ومجلس موعظة فاستماع الموعظة أفضل من استماع القرآن ، أي إذا لم يكن له قدرة على فهم الآيات القرآنية وكذا من باب أولى إذا كان مجلس علم يتعلق بالتوحيد أو بالحلال والحرام ، فإنه أفضل من استماع القرآن ومن استماع الموعظة .
ولهذا نص العلماء على أن التبحر في علم الفقه [ أي التوسع فيه ] سواء أكان الفقه الأكبر أي علم التوحيد والإيمان ، أو كان فقه الحلال والحرام أفضل من التفرغ لحفظ جميع القرآن وأفضل أيضاً من قيام الليل ، وأن التفرغ لحفظ جميع القرآن أفضل من قيام الليل . والحاصل أن حفظ جميع القرآن فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين .
وحفظ آية من القرآن فرض عين على كل مسلم بالإجماع لأن الصلاة لا تصح بدون القراءة ولو بقدر آية , وحفظ الفاتحة فرض عندالشافعية لعدم صحة الصلاة بدونها عندهم , وواجب عند الحنفية حفظ سورة ولو قصيرة أو ما يقوم مقامها من ثلاث آيات قصار .
واشتغال الإنسان بحفظ جميع القرآن أفضل من قيام الليل, والتبحر في الفقه أفضل منهما معاً , والمراد بالفقه : علم أصول الدين أي علم التوحيد والإيمان الذي هو الفقه الأكبر وعلم الحلال والحرام ، هذا كله في التوسع فيهما أي تعلم ما زاد على حاجته منهما وأما تعلم ما يحتاجه من تصحيح عقيدته وإيمانه وتوحيده فهو حتم البتة ، فإنه لا يكون مؤمناً بدونه ، وكذا تعلم ما يحتاجه من الفرائض والواجبات كصلاته وزكاته وصومه وحجه فهو فرض واجب , ثم إن تحسين الصوت بالقراءة مستحب بالإجماع ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط فإن أفرط حتى زاد حرفاً أو أخفى حرفاً فهو حرام بالاتفاق , وأما القراءة بالألحان أي الأنغام المستفادة من فن الموسيقى فإن كان يخرج أيضاً بسببها عن حد القراءة بتمطيط حرف أو تقصيره فهو حرام بالاتفاق , فإن كان في الصلاة فهو مفسد لها أيضاً وإن لم يخرج بالأنغام عن الأحكام التجويدية فهذا قد وقع فيه خلاف ، فقيل أنها بدعة مكروهة تحريماً وعليه أكثر القراء المتقدمين والسلف ، وقيل أنها جائزة بل مستحبة في الصلاة وخارجها وعليه أكثر الفقهاء الحنفية والشافعية .
استدل من قال بالكراهة بما رواه حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :[ اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق فإنه سيجيء من بعدي أقوام يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم ] ./ المعجم الأوسط للطبراني /
واحتجوا أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أشراط الساعة فذكر منها أن يتخذ القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم . / مسند أحمد
واحتجوا أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم منع المؤذن المطرب في أذانه من التطريب وقال له : إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلاً سمحاً وإلا فلا تؤذن .
/ سنن الدارقطني
قالوا : وقراءة القرآن بالألحان ذريعة موصلة إلى الخروج عن حد القراءة وأحكام التجويد من التمطيطات والتلحينات التي يفعلها المغنون الفسقة في أشعارهم فالمنع منه كالمنع من الذرائع المفضية إلى الحرام .
واستدل من قال بالجواز والاستحباب بما في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ الماهر بالقرآن مع الكرام البررة ، وزينوا القرآن بأصواتكم ]
وفي صحيح البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :[ لم يأذن الله لشيء ما أذن للنبي صلى الله عليه و سلم يتغنى بالقرآن ] وفيه أيضاً قال صلى الله عليه وسلم : [ ليس منا من لم يتغن بالقرآن ] .
وفيه عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له :[ يا أبا موسى لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود ] .
وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع ليلة إلى قراءة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال أبو موسى لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيراً ، أي حسنته لك وزينته بصوتي تزييناً .
وفي الحديث :[ تعلموا القرآن وغنوا به ] / المعجم الكبير للطبراني
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه :
ذكرنا ربنا ، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن / صحيح ابن حبان
وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم كانوا يستمعون القرآن بالألحان ./ انظر شرح صحيح البخاري لابن بطال / وقال محمد بن الحكم رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمرو يستمعون القرآن بالألحان .
فهذا خلاصة كلام الفريقين .
والتوفيق بين هاتين الطائفتين وفصل النزاع بينهما ما قاله المحققون :
إن التغني بالقرآن على وجهين
- أحدهما ما كان على وجه التكلف والتصنع والتمرين والتعلم كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان محدودة ومعدودة لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف فهذه القراءة على هذا الوجه هي التي كرهها السلف وقدماء القراء وعابوها وذموها ومنعوا القراءة بها وأنكروا على من قرأ بها لأنه يكون المقصود الغناء وحسن الصوت لا القراءة وتكون القراءة تبعاً للغناء .
وأدلتهم التي احتجوا بها إنما تدل على هذا الوجه ولا تدل على أكثر من هذا - الوجه الثاني أن يكون التغني بالقرآن على وجه تسمح به الطبيعة من غير تكلف ولا تصنع ولا تمرين ولا تتبع لطريقة الفسقة في أشعارهم وأغانيهم فذلك جائز ، فإن أعان طبيعته بشيء من التحسين والتزيين كما قال أبو موسى للنبي صلى الله عليه وسلم :[ لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيراً ] كان ذلك حسناً وهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه وهو التغني الممدوح به تكون القراءة أوقع في النفوس وأدعى إلى الاستماع والإصغاء إليه ففيه تنفيذ للفظه إلى الأسماع ومعانيه إلى القلوب وذلك عون على المقصود فيكون التغني على هذا الوجه بمنزلة الحلاوة التي تجعل في الدواء والروائح الطيبة التي تجعل في الطعام ، وبمنزلة تجمل المرأة لبعلها ، فيكون المقصود أولاً هو استماع القرآن ويكون حسن الصوت لأجل القرآن ، لا أن يكون المقصود هو حسن الصوت والتغني ويكون القرآن وسيلة له .
قال المحققون : ولابد للنفس من طرب واشتياق إلى الغناء فعوضت عن طرب الغناء بطرب القرآن وعن السماع الشيطاني بالسماع الرحماني . قالوا وهكذا شأن الشريعة المحمدية وهو أن تشرع عن كل محرم ومكروه بما هو خير منه
قالوا : وهذا من جملة التيسيرات في الشريعة المحمدية وهو أن تشرع في الطاعات ما ترغب فيه الطبيعة البدنية لتكون الطبيعة راغبة فيما يرغب فيه العقل الإيماني فيتعاضد الرغبتان إلى الرغبة الطبيعية والرغبة العقلية الإيمانية ويتم الإقبال على الطاعة من جهتين من جهة البدن ومن جهة العقل وبهذا يتوفر للإنسان التأمل في معاني القرآن والتفتيش على أسراره ورموزه ولاشك أن المقصود الأول من تنزيل القرآن هو التدبر في آياته كما قال تعالى : { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ }
وقال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }
وقد اختلف الناس أيهما أفضل هل الترتيل مع قلة القراءة ، أو الحدر أي الإسراع مع كثرة القراءة ، فقالت طائفة : الترتيل مع التدبر أفضل من الإسراع ، قالوا لأن المقصود من قراءة القرآن فهمه والتدبر في آياته والعمل به , قالوا : ولهذا كان أهل القرآن هم العاملين به والعاملين بما فيه وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب أو لم تكن الحروف من تمام مخارجها فأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل به فليس من آله وإن أقام حروفه إقامة السهم ، قالوا : ولأن الإيمان أفضل الأعمال وفهم القرآن وتدبره هو الذي يثمر الإيمان وأما مجرد التلاوة من غير فهم ولا تدبر فيفعله البر والفاجر والمؤمن والمنافق كما مر في الحديث :
ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر قالوا : وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة تامة بآية واحدة يتلوها ويرددها حتى الصباح وهي : { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }/ سنن النسائي , وعن ابن مسعود : لا تهذوا بالقرآن هذ الشعر . / شعب الإيمان للبيهقي
وقالت طائفة أخرى : كثرة القراءة أفضل , واحتجوا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ] رواه الترمذي وصححه
وفي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " خفف على داود القراءة ، فكان يأمر بدابته أن تسرج ، فيفرغ من قراءة الزبور قبل أن تسرج دابته
قالوا ولأن عثمان بن عفان رضي الله عنه قرأ القرآن في ركعة – كما في سنن الترمذي - واستدلوا أيضاً بآثار كثيرة عن السلف في كثرة القراءة
والتحقيق في المسألة أن يقال : إن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان يظهر له بالتأمل والتدبر لطائف ومعارف فالأفضل في حقه الاقتصار على قدر يتمكن معه من فهم ما يقرأ وكذا من كان مشغولاً بنشر العلم أو بشيء من مهمات الدين ومن لم يكن كذلك فالأفضل في حقه الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة وهذا في الدنيا وأما من جهة الثواب في الآخرة فالتحقيق أيضاً أن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أنفع وأجل قدراً وثواب كثرة القراءة أكثر عدداً فالأول كمن تصدق بجوهرة عظيمة أو أعتق عبداً قيمته نفيسة جداً والثاني كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم أو أعتق عدداً كبيراً من العبيد الذين قيمتهم رخيصة ، ثم إن القرآن العظيم كما إنه تتفاضل قراءته فإن القراءة بالتدبر أفضل من القراءة بدون تدبر كما قررناه مع أن المقروء واحد وهو القرآن فكذلك أيضاً نفس القرآن يتفاضل فإن بعضه أفضل من بعض وإن كان الكل كلام الله سبحانه وتعالى وذلك من جهتين من جهة المعنى ومن جهة الثواب فقد وردت في فضل سورة الإخلاص { قل هو الله أحد } أحاديث كثيرة وكذا في سورة الكافرون وسورة الزلزلة وسورة الفاتحة وفي آية الكرسي وفي غيرها أما فضل { قل هو الله أحد } ففي صحيح البخاري قال النبي صلى الله عليه و سلم لأصحابه : ( أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة ) . فشق ذلك عليهم وقالوا أينا يطيق ذلك يا رسول الله ؟ فقال (الله الواحد الصمد ثلث القرآن).
وفي صحيح البخاري : : أن رجلا سمع رجلا يقرأ { قل هو الله أحد } . يرددها فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر ذلك له وكأن الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ) .
وفي صحيح مسلم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « احشدوا فإنى سأقرأ عليكم ثلث القرآن ». فحشد من حشد ثم خرج نبى الله -صلى الله عليه وسلم- فقرأ ( قل هو الله أحد).
وروى مسلم أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم قال :[ إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل قل هو الله أحد جزءاً من أجزاء القرآن ]
وروى الترمذي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا زلزلت تعدل نصف القرآن وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن ] .
وإنما كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن لأن القرآن إما فيما يتعلق بالخالق أو فيما يتعلق بالمخلوق والثاني إما إنشاء أي أوامر ونواهي وإما إخبار عن أحوال السعداء والأشقياء ولاشك أن { قل هو الله أحد } إخبار عما يتعلق بنعوت الخالق فكانت تعدل ثلث القرآن وذلك لأنها تضمنت إثبات الأحدية المطلقة الكاملة لله تعالى المستلزمة نفي التعدد من جميع الوجوه عنه تعالى فلا يتجزأ ولا ينقسم وإلا لكان متعدداً فلا يكون أحداً وتضمنت أيضاً إثبات الصمدية لله تعالى المطلقة الكاملة , ومعنى الصمد :
المستغني عن غيره المحتاج إليه غيره , ولاشك أن من استغنى عن كل ما سواه مع احتياج ما عداه إليه يجب أن يكون متصفاً بكل كمال ومنزهاً عن كل نقصان , وإلا فلو كان ناقصاً لاحتاج إلى من يكمله وقد قررنا أنه الصمد أي المستغني عن غيره المحتاج إليه كل ما عداه , وتضمنت هذه السورة أيضاً نفي الولد والوالد وهذا في الحقيقة لازم للأحد الصمد وذلك لأن من كان أحداً حقيقياً فلا يتعدد ولا يتجزأ وإذا كان لا يتجزأ فلا يلد لأن الولد جزء أبيه ومن كان صمداً أي مستغنياً عن غيره فلا يحتاج إلى أب لأنه لو احتاج إلى أب لاحتاج إلى من يلده ويوجده ثم يربيه ويكمله حتى تكمل نشأته فيلزم أنه كان أولاً معدوماً ثم صار موجوداً ناقصاً ثم تكمل وهذا كله مناف لكونه صمداً لأن الصمد هو المستغني عن غيره المحتاج إليه كل ما عداه
وتضمنت هذه السورة أيضاً نفي الكفو أي نفي النظير أي المماثل وهذا أيضاً لازم لمعنى الواحد المطلق أي الواحد من جميع الوجوه لأنه إذا كان واحداً من كل وجه كان واحداً في ذاته فلا يتجزأ , وواحداً في صفاته فلا يكون له نظير في ذاته ولا في صفاته , ويستلزم ذلك أنه واحد في صفات الألوهية فلا إله غيره
فقد تضمنت هذه السورة جميع أصول التوحيد بل أصول التوحيد كلها قد تضمنها قوله تعالى :{ الله أحد الله الصمد } ولهذا اقتصر في بعض أحاديث البخاري على هذه الآية إشارة إلى ذلك
ولما كان الإخلاص بالله إما في الاعتقاد وهو معنى { قل هو الله أحد } كما قررناه وإما في العمل وهو معنى { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } فكانت هاتان السورتان كلتاهما للإخلاص إحداهما للإخلاص العلمي والأخرى للإخلاص العملي , ولهذا يستحب قراءتهما في ركعتي الفجر – أي قبل الفريضة - اللتين هما ابتداء الصلوات ويستحب أيضاً قراءتهما في ثانية الوتر وثالثه الذي هو خاتمة الصلوات فتكون أعمال العبد مفتتحة بالإخلاصين العلمي والعملي ومختتمة بهما
ولما كان القرآن شطرين شطر فيما يتعلق بأحكام الدنيا وشطر فيما يتعلق بأحوال الآخرة وسورة الزلزلة قد أخلصت لأحوال الآخرة فكانت تعدل نصف القرآن ولما كان الإخلاص في العلم مقدماً على الإخلاص في العمل كانت سورة الكافرون تعدل ربع القرآن
وأما آية الكرسي فقد ثبت في الصحيح أنها أعظم آية في القرآن , وفي رواية الترمذي : أنها سيدة آي القرآن , وفي مسند أحمد: إن لها لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش
وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة قال فخليت عنه فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة قال قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال أما إنه قد كذبك وسيعود فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة ما فعل أسيرك قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال أما إنه قد كذبك وسيعود فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ثم تعود قال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت ما هي قال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي
{ الله لا إله إلا هو الحي القيوم }
حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال ما هي قلت قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية
{ الله لا إله إلا هو الحي القيوم }
وقال لي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح , وكانوا أحرص شيء على الخير فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟ قال لا قال ذاك شيطان
وأما الفاتحة فهي التي لم ينزل في القرآن والتوراة والإنجيل والزبور مثلها كما صرحت بذلك الأحاديث , وهي المتضمنة لجميع معاني كتب الله قال الحسن البصري أنزل الله مئة كتاب وأربعة كتب من السماء أودع علومها أربعة منها التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ثم أودع علوم هذه الأربعة
الفرقان ثم أودع علوم القرآن المفصل - أي الُسبُعُ الأخير من القرآن الكريم وسمي بالمفصل لقصر سوره وكثرة الفصل بينها ببسم الله الرحمن الرحيم - ثم أودع علوم المفصل فاتحة الكتاب فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة ومن قرأها فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان / شعب الإيمان للبيهقي
وقال المحققون إن معاني الفاتحة مجموعة في قوله تعالى :
{ إياك نعبد وإياك نستعين } لأن المقصود من الشرائع كلها أن يعبد الله لا غيره وأن يستعان به لا بغيره وهي مشتملة على ذكر أصول أسماء الله تعالى ومجامعها وهي الله والرب والرحمن فإن جميع أسماء الله الحسنى ترجع إلى هذه الثلاث ، وهي المشتملة على ذكر جميع أنواع الثناء والمحامد لله تعالى في قوله تعالى : {الحمد لله } وهي المشتملة على أن كل إنعام وإحسان فهو منه تعالى وذلك في قوله تعالى :{ الرحمن الرحيم } فذكر الرحمة الخاصة والعامة.
وهي مشتملة على توحيد الله تعالى و ذكر الافتقار إلى الرب سبحانه في طلب الإعانة منه في إياك نستعين وطلب الهداية منه في اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ، وهي المشتملة على ذكر أفضل الأدعية على الإطلاق وأنفعها وأفرضها وأحوج شيء إلى العباد وهو الهداية إلى الصراط المستقيم ، ولا تتم الهداية إلى صراطه إلا بكمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه والاستقامة على ذلك إلى الموت .
وهي المشتملة على ذكر أصناف الخلائق وانقسامهم إلى منعم عليه بمعرفة الحق والعمل به ومغضوب عليه بعدوله عن الحق بعد معرفته وضال لعدم معرفته للحق .
وهذه الأقسام الثلاثة هي أقسام الخليقة
وبالجملة فكل ما ورد في القرآن مفصلاً فإنه ورد في الفاتحة مجملاً ولهذا سميت بأم الكتاب وبأم القرآن . وأم الشيء أصله ومادته ولهذا سميت بالقرآن العظيم إشارة إلى أنها جامعة لكل ما في القرآن فسميت باسمه .
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال :
كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلم أجبه ثم أتيته فقلت يا رسول الله إني كنت أصلي فقال ألم يقل الله ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ) ثم قال لي لأعلمنك سورة ً هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت ألم تقل لأعلمنك سورة ً هي أعظم سورة في القرآن قال ( الحمد لله رب العالمين ) قال هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذى أوتيته .
أشار صلى الله عليه وسلم إلى تفسير قوله تعالى :{ وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ } فهي المتضمنة جميع معاني الكتب السماوية ، ثم قال الحسن البصري رضي الله عنه :ومن أسمائها الشفاء وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن تكون شفاء من الأمراض وأن يرقى بها اللديغ .
وفي الحديث فاتحة الكتاب شفاء من كل داء / سنن الدرامي
وفي رواية :شفاء من السم . / شعب الإيمان للبيهقي
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رهطاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم انطلقوا في سفرة سافروها حتى نزلوا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين قد نزلوا بكم لعله أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ فسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء فهل عند أحد منكم شيء ؟ فقال بعضهم نعم والله إني لراق ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا , فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق فجعل يتفل ويقرأ { الحمد لله رب العالمين } . حتى لكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي ما به قلبة – أي علة - قال فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم اقسموا فقال الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه و سلم فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا فقدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكروا له فقال ( وما يدريك أنها رقية ؟ أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم بسهم ) .
ويجب أن يعلم أن الاستشفاء بالقرآن والأدعية ونحوها من الرقى يختلف باختلاف أحوال الراقين وأحوال المسترقين فإن الاستشفاء بذلك لا يناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية فليس إذا لم يحصل الشفاء لقصور في الدواء بل قد يكون ذلك من جهة المسترقين لخبث الطبيعة وفساد المحل وقد يكون من جهة الراقين لعدم استيفاء القدر اللازم من صدق التوجه إلى الله وقد كان بعض الشيوخ المتقدمين يرقي نفسه بقل هو الله أحد فكان لها بركة عظيمة فيرقي بها غيره فلا يحصل ذلك فيقول :
ليس قل هو الله أحد من كل أحد تنفع كل أحد
ومن أسماء الفاتحة الصلاة ففي الحديث الذي رواه الإمام مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل : قسمت الصلاة – أي الفاتحة - بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال الله أثنى علي عبدي فإذا قال مالك يوم الدين قال الله مجدني عبدي أو قال فوض إلي عبدي فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين . قال هذا لعبدى ولعبدى ما سأل »
وبالجملة فالفاتحة كما أنها فاتحة الكتاب هي أيضاً فاتحة كل خير دنيوي وأخروي فهي مفتاح لكنوز الآخرة وهي مفتاح لكنوز الدنيا ولكن ليس كل أحد يعرف الفتح بها إلا بتوفيقه تعالى
وهذه الأحاديث التي ذكرناها في فضائل السور تدل على أن القرآن بعضه أفضل من بعض وإن كان الكل كلام الله وهذا هو القول المأثور عند السلف الصالح وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم وهو الذي نطقت به النصوص النبوية كما قدمناه في الأحاديث المارة وهو الذي دلت عليه الآيات القرآنية قال الله تعالى :{ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } فأخبر أن بعض الآيات خير من بعض وإن بعضها مثل بعض فهي تارة تتفاضل وتارة تتماثل .
وقال تعالى :{ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } والمهيمن هو المؤتمن والشاهد والقائم على أمور غيره ولاشك أن يكون أعلى رتبة من ذلك الغير .
وقد أجمع المسلمون على أن القرآن أفضل الكتب السماوية مع أن جميع الكتب السماوية كلام الله وهذا التفضيل يرجع لشيئين من حيث المعنى ومن حيث الثواب ولاشك أن معنى {قل هو الله أحد } أفضل من معنى { تبت يدا أبي لهب } ومعنى { الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم } أفضل من معنى قوله تعالى { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم }
وكما أن كلام الله يفضل بعضه بعضاً فكذلك أسماؤه تعالى تتفاضل - أي : من ناحية تضمنها لمعاني أسماء إلهية غيرها - وإن كانت جميع أسماء الله حسنى فالاسم الأعظم أفضل من غيره وإن كانت جميع أسماء الله عظيمة جليلة وكما أن أسماءه تعالى تتفاضل فكذلك صفاته وإن كانت جميع صفاته لا نهاية لكمالها وتمامها
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول
[ إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي ]
وفي رواية له أيضاً: [إن رحمتي غلبت غضبي ]
وقد فضلت رحمة الله على غضبه بالسبق والغلبة
وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده : اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك
ومعلوم أن المستعاذ به أفضل من المستعاذ منه .
وسيأتي تمام هذا إن شاء الله تعالى
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين

درس آخر لمولانا الشيخ محمد نجيب رضي الله تعالى عنه :
حول قوله تعالى :{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا }
وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث :
آية العز :{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } / عزاه السيوطي في الحامع الصغير للإمام أحمد في مسنده والطبراني في الكبير عن معاذ بن أنس رضي الله عنهما / .
أي أن هذه الآية آية القوة والغلبة يعني أن الملازم على تلاوتها يصير قوياً شديداً فقد أخرج أبو يعلى وابن السني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خرجت أنا ورسول الله - صلى الله عليه و سلم - ويدي في يده فأتى على رجل رث الهيئة فقال : أي فلان ؟ ما بلغ بك ما أرى ؟ قال : السقم والضر يارسول الله قال : ألا أعلمك كلمات يذهب الله عنك السقم والضر ؟
قل: توكلت على الحي الذي لا يموت الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا
فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد حسنت حاله فقال : مهيم ؟ - أي ما أمرك ؟ فقال : يا رسول الله لم أزل أقول الكلمات التي علمتني
وروى البيهقي وابن أبي الدنيا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
ما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل فقال : يا محمد قل : توكلت على الحي الذي لا يموت والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا
وروى ابن السني والديلمي عن السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها إذا أخذت مضجعك فقولي :
[ الحمد لله الكافي سبحان الله الأعلى حسبي الله وكفى , ما شاء الله قضى سمع الله لمن دعا ليس من الله ملجأ , ولا وراء الله ملتجأ , توكلت على ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا
ثم قال صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يقولها عند منامه ثم ينام وسط الشياطين والهوام فتضره
ولنتكلم على شيء من معنى هذه الآية :
قوله تعالى : { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ }أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول الحمد لله لما في حمده تعالى من الثواب الجزيل ففي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
[ أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء]. / الدعوات الكبير للبيهقي ومستدرك الحاكم /
وعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده ] / شعب الإيمان للبيهقي وجامع معمر بن راشد /
وإنما كان الحمد لله رأس الشكر – أي شكر الله على نعمه لأن الشكر إما أن يكون باللسان أو بالجنان أو بالأركان وأفصح هذه الثلاثة وأبينها ما كان باللسان .
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
[أَفْضَلُ الذِّكْرِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ]/ رواه الترمذي /
وإنما كان حمد الله تعالى دعاء بل أفضل الدعاء كما استفيد من هذا الحديث لأن شكر الله تعالى يحفظ النعمة ويزيدها كما قال تعالى :{ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ }
والحمد لله من الشكر بل هي رأس الشكر لما صرح به في الحديث السابق .
فإذا أراد العبد أن يحفظ الله تعالى عليه النعمة وأن يزيده منها فليحمد الله على النعمة فإن الحمد على النعمة دعاء كما أنه يشكر عليها فهو أيضاً دعاء . بحفظها وزيادتها وفي الحديث : [ التسبيح نصف الميزان والحمد لله يملؤه ] / سنن الترمذي ومسند الإمام أحمد /
وروى الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
[ الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماوات والأرض ] .
وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لقيت إبراهيم صلى الله عليه وسلم ليلة أسري بي فقال : يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .
وروى مسلم في صحيحه عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :[ أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت ] .
وروى مسلم أيضاً عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ] .
وروى البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم :
[ أفضل الكلام أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ] .
ومعنى الحمد لله : إثبات المحاسن والكمالات والأوصاف التامات لله تعالى ، كما أن معنى التسبيح : تنزيه الله تعالى عما لا يليق به من العيوب والنقائص والآفات .
ومعنى سبحان الله والحمد لله : أنزه الله تعالى عما لا يليق به وأثبت له المحاسن والكمالات اللائقة , ومعنى سبحان الله والحمد لله أو سبحان الله وبحمده : أنزه الله تعالى عن كل ذم وعن كل عيب وعن كل نقص وأصفه بكل كمال وكل جمال وكل حسن .
وإن شئت أن تقول الحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود على وجه الحب له والتعظيم له
ثم إن محاسن الله تعالى قسمان :
إما محاسن قائمة بذاته وهو متصف بها ، وإما محاسن هي له لكنها ظاهرة في مخلوقاته ومكوناته .
فأما القسم الأول وهو محاسنه القائمة بذاته المتصف بها فهي أسماؤه الحسنى وصفاته العليا فهو محمود بأسمائه كلها ومحمود بصفاته كلها ومحمود بالصفات الجلالية والنعوت الجلالية لأنه المحمود بالوجود الواجب والعلم المحيط والغنى المطلق والملك الأعظم والجمال الأعلى والجلال الأرفع وهو المحمود بالوحدة الحقيقية والحياة الكاملة والمشيئة النافذة والقدرة الشاملة والحكمة البالغة والرحمة الواسعة والكلمات التامة وهو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء والظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء وهو الحي القيوم الذي لكمال حياته وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم قال تعالى :
{ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ }
وهو الغني الحميد ولكمال غناه { لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا }الآية .
وهو الملك المتكبر ولكمال ملكه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه .
وهو العليم الخبير ولكمال علمه يعلم السر وأخفى من السر ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الارض ولا في السماء وهو القادر المقتدر ولكمال قدرته خلق السماوات والأرض في ستة أيام وما مسه من لغوب – أي تعب –
وهو الواسع العظيم ولكمال عظمته وسع كرسيه السماوات والأرض وكل شيء في قبضته فلا مفر لأحد منه إلا إليه ولا ملجأ ولا منجا منه لأحد إلا إليه .
وهو المتكلم الذي لكمال كلماته التامات لا تتبدل ولا تنفد ولو كانت الاشجار كلها أقلاماً والبحر مداداً , قال تعالى :
{ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا }
{ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
وذلك لأن كلمات الله غير مخلوقة لأنها صفاته وصفاته غير مخلوقة وغير المخلوق لا يغنى بالمخلوق ، ومن قال أن كلام الله مخلوق فلم يقدر الله حق قدره ولم يعظم الله حق تعظيمه ولم يثن على الله بما هو أهله
كيف ولو كان كلام الله مخلوقاً لكان من جنس هذه المخلوقات فكان ينفد ويفنى بهذه الأقلام وهذا المداد ؟ , ولهذا كان القرآن لا تنفد عجائبه ولا تفنى غرائبه وفيه علم كل شيء , قال تعالى :{ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ }
والله تعالى محسن يحب المحسنين شكور يحب الشاكرين جميل يحب الجمال طيب يحب الطيبين نظيف يحب النظافة { كما في مسند أبي يعلى وأصله في سنن الترمذي } عليم يحب العلماء كريم يحب الكرماء , قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف ، بر يحب الأبرار ، خير يحب الأخيار ، عدل يحب أهل العدل ، حيي يحب أهل الحياء والستر { انظر سنن الترمذي وأبي داود }، عفو غفور يحب من يعفو عن عباده ويغفر لهم ، صادق يحب الصادقين ، رفيق يحب الرفق ، جواد يحب الجود وأهله , وتر يحب الوتر ، رحيم يحب الرحماء وهو أرحم الراحمين وأرحم بعبده من والده ووالدته وأرحم به من نفسه وهو تواب يحب التوابين . وهو أفرح بتوبة عبده من المسافر الذي فقد دابته عليها طعامه وشرابه في أرض بعيدة مهلكة حتى يئس من الحياة ووطد نفسه على الموت ثم وجدها فالله أفرح بتوبة عبده من فرح هذا المسافر بدابته .
وفي صحيح البخاري ومسلم واللفظ لمسلم عن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : [لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل فى أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال أرجع إلى مكاني الذى كنت فيه فأنام حتى أموت. فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته وعليها طعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده ]
وفي صحيح مسلم أيضاً عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
[لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع فى ظلها قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدى وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح]
وفي صحيح مسلم عن سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض فجعل منها فى الأرض رحمة فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة ]
وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسبى فإذا امرأة من السبى تبتغي إذا وجدت صبيا فى السبى أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « أترون هذه المرأة طارحة ولدها فى النار ». قلنا لا والله وهى تقدر على أن لا تطرحه. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لله أرحم بعباده من هذه بولدها ]
وروى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :[ ليس أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل , من أجل ذلك مدح نفسه وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش وليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل ]
وفي البخاري عن أبي موسى :
[ ليس أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم ليدعون له ولداً وإنه ليعافيهم ويرزقهم ] .
وفي البخاري عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
[تعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد الله الجنة ]
وبالجملة فمن استقرأ أسماء الله الحسنى وصفاته العليا وجدها كلها محاسن ومدائح ومحامد تقصر بلاغات الواصفين عن بلوغ كنهها وتعجز العقول عن الإحاطة بحقيقة واحد منها حتى قال أعلم خلق الله بالله وأعرف خلق الله بأسماء الله وأدرى خلق الله بمحامد الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم :
[ اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ] . / رواه مسلم /
ومع ذلك فلله سبحانه وتعالى محامد ومدائح وأنواع من الثناء لم تخطر على الخواطر ولا هجست في الضمائر ولا سنحت في الأفكار .
وفي صحيح البخاري من حديث الشفاعة الطويل يقول صلى الله عليه وسلم : فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي عز وجل ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي
وفي البخاري : َيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ
وفي مسلم : فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الآنَ يُلْهِمُنِيهِ اللَّهُ
وفي مسند البزار وأصله في الصحيحين : فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهَا أَحَدٌ قَبْلِي وَلا بَعْدِي يُلْهِمُنِيهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
بل لله تعالى ما لا يتناهى من أسماء وأوصاف ومحامد وأنواع من الثناء تقتضي البطون في غيب الغيوب
فلا تظهر ولا يمكن ظهورها فلا يمكن أن يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل وهي التي استأثر الله تعالى بعلمها أي اختص بعلمها فبقيت على غيبها .
فقد صح في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ما قال عبد قط إذا أصابه هم وحزن : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي -ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله عز وجل همه وأبدله مكان حزنه فرحا قالوا يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات قال أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن]./ المسند ومستدرك الحاكم
ومن هذا إن لله أنواعاً من المحاسن والجمال لا يمكن لمخلوق أن يعرفها أشار إليها صلى الله عليه وسلم لما خطب بخمس كلمات فقال :
[ إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار....] الحديث كما في صحيح مسلم
ونسبة ما يعلمه الخلائق كلها من أسماء الله تعالى وصفاته ومحامده إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور من البحر بل أقل بل لا نسبة أصلاً .
فإن كمالات الله لا تتناهى وكل ما يعلمه المخلوقات كلهم متناه ولا نسبة بين المتناهي وغير المتناهي فلا يعرف الله حق المعرفة إلا الله ولا يحيط بحمد الله إلا الله ولا يقدر حق قدر الله إلا الله .
وأما القسم الثاني : وهو حمد الله تعالى على محاسنه المتعلقة بمخلوقاته فهو قسمان : حمد على محاسنه المتعلقة بشرعه ودينه أي أوامره ونواهيه ، وحمد على محاسنه المتعلقة بأفعاله وتكويناته .
فأما المحاسن المتعلقة بشرعه ودينه أي أوامره التي أمر الله بها عباده ونواهيه التي نهى الله عنها فالله تعالى محمود على كل ما أمر ومحمود على كل ما نهى لأنه سبحانه إنما أمر عباده بالأوامر التي يعود نفعها إليهم رحمة منه بهم وإحساناً لا حاجة منه إليهم وإنما نهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة لهم عما يضرهم لا بخلاً منه عليهم .
أمر عباده بأشرف الخصال ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال ، أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم ، وأمرهم بالمصالح الدنيوية والأخروية ونهاهم عن المفاسد الدنيوية والأخروية فقال تعالى :
{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }
ووصاهم بأكمل الوصايا ونصحهم بأحسن النصائح وصرف لهم الآيات وضرب لهم الأمثال ووسع لهم طرق معرفته والعلم به وفتح لهم أبواب الهداية وعرفهم الأسباب التي تقربهم من رضاه والأسباب التي تبعدهم من غضبه وخاطبهم بألطف خطاب وسماهم بأحسن الأسماء فقال تبارك وتعالى : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا }
وقال جل وعلا : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ }
وقال عز وجل :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا }
وأكثر القرآن جاء على هذا النمط فيخاطب الله عباده بخطاب المحبة والوداد والتلطف والنصيحة ويذكرهم بمعروفه وإحسانه كقوله تعالى :{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ }
وقوله عز وجل :{ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ }
وقوله جل وعلا :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ }
{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ }
والله يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر ولم يكلفهم فوق طاقتهم كما قال عز وجل : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا }
ولم يكلفهم لأجل أن يطعموه ولا يرزقوه ولم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة ولا ليتعزز بهم من ذلة ولا لينتصر بهم من عدو قال سبحانه :
{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }
فأخبر سبحانه أنه إنما خلقهم ليعبدوه فيثيبهم على عبادته بالحياة الأبدية والفضل الجسيم والنعيم المقيم الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال تعالى :
{ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }
ولم يخلقهم ليربح عليهم بل ليربحوا هم عليه كل الأرباح وكيف يربح هو عليم مع غناه المطلق عنهم وفقرهم التام إليه قال تعالى :
{ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }
وقال تعالى :{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا }
وقال عز وجل :{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ }
وقال جل وعلا :{ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ }
وكما أمر الله عباده بالوضوء الذي يكفر سيئاتهم وبالغسل الذي يحط أوزارهم قال سبحانه :
{ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
ولما أمرهم بالصلاة قال جل وعلا : { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ }
ولما أمرهم بالزكاة - تؤخذ من أغنياءهم وترد على فقرائهم - قال تعالى :
{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا }
ولما أمرهم بالصيام الذي هو أكبر معين على التقوى لأنه يذهب بطر النفس الأمارة بالسوء قال سبحانه :{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } .
ولما أمرهم بالجهاد أعلمهم أن الجهاد إنما شرع لإعلاء كلمة الدين وإزالة الفتنة فقال تعالى :{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ }
ولما أمرهم بالأضاحي قال سبحانه :
{ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ }
أي لن يصل إلى الله اللحم والدم ولكن التقوى .
ولما أمرهم بالقصاص أعلمهم أنه إنما شرعه ليمتنع الناس عن قتل بعضهم بعضاً فقال تعالى : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }
ولما أمرهم بإقامة الحدود وبالكفارات أعلمهم أنها إنما شرعت زواجر عن المعاصي فقال تعالى :
{ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ }
ولما أوجب الله تعالى الجزاء على قاتل صيد الحرم قال عز وجل :
{ لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ }
ولما نهاهم الله تعالى عن وطء الحائض قال :
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ }
فأخبرهم أن وطء الحائض مؤذ ومولد للأمراض .
ولما نهاهم عن الخمر والميسر – أي القمار – قال تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ }
ولما نهى عن الربا قال تعالى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ }
وهكذا بقية الأوامر والنواهي إنما شرعها الله تعالى لعباده لما فيها من الحكم والمصالح الدنيوية والأخروية الراجعة إلى العباد والله تعالى غني عن ذلك كله .
وبالجملة فإن دين الله تعالى وشرعه هو الشفاء من كل داء والعافية من كل بلاء وهو النجاة من الشقاء وهو الحياة الأبدية وهو النعيم المقيم , بل لا حياة ولا سرور ولا نعيم ولا لذة لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بعبادة الله تعالى وحده على وفق ما جاء به شرعه قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }
ولا شقاء ولا بلاء إلا بالإعراض عن الله تعالى وذكره قال عز وجل :
{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى }
وقال تعالى في حق الكافر وعشاق الدنيا :
{ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ }
والله تعالى لم يبعث رسوله إلا بالملة الحنيفية السمحة , لا بالغلظة والشدة ، بعثه بالرحمة واللطف لا بالقسوة والعنف , قال تعالى :{ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }
وذلك لأن الله أرحم الراحمين فلهذا كان رسوله رحمة مهداة إلى العالمين وهو نبي الرحمة وأمته الأمة المرحومة ودينه كله رحمة وشرعه كله نعمة قال تعالى :
{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا }
وأما المحاسن المتعلقة بأفعاله سبحانه وتعالى – أي خلقه المخلوقات وتكوينه المكونات وتدبيره العوالم وتصرفه فيها - فإن الله تعالى محمود على ذلك كله لأن أفعاله كلها حكمة ليس فيها فعل خال عن الحكمة والمصلحة ، وهو أحكم الحاكمين وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم .
فهو المحمود على ما خلقه وعلى كل ما يخلقه وهو المحمود على كل ما يحدثه من إحسان ونعمة وامتحان وبلية وما يقضيه من طاعة ومعصية وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار والأخيار والأشرار والملائكة والشياطين وعلى خلق الرسل وأعدائهم .
وهو المحمود على عدله في أعدائه كما أنه المحمود على فضله في أوليائه ، وهو المحمود على خلق الموت والحياة والصحة والمرض والفقر والغنى والخوف والأمن والعز والذل والعلم والجهل والنور والظلمة والليل والنهار والبرد والحر والصيف والشتاء والدنيا والآخرة والجنة والنار .
وهو المحمود على خلق الأشياء وأشباهها والأشياء وأشكالها والأشياء وأضدادها والأشياء ونقائضها .
وهو القادر سبحانه على أن يخلق خلقه كلهم على نمط واحد وشكل متحد وطبيعة مستمرة ووتيرة مستقرة ولكنه جنس العوالم أجناساً ونوع الأجناس أنواعاً وصنف الأنواع أصنافاً .
وجعل الملائكة صنوفاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع وجعلها صنوفاً فما منهم إلا له مقام معلوم .
وجند الأرواح جنوداً فما تعارف منها ائتلف وما تناكر اختلف ، وخلق بني آدم من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل وخالف بين ألسنتهم وألوانهم وعقولهم وعاداتهم ، وسقى الأشجار والزروع بماء واحد وفضل بعضها على بعض في الأكل والطعم واللون والحجم كل ذلك لحكم ومصالح هي مقتضى ألوهيته وموجب حكمته وربوبيته سبحانه وتعالى .
على أنه لو كان العالم كله على نمط واحد وشكل متحد لقال الزنديق الملحد والطبيعي الجاحد : لو كان للعالم صانع مختار عليم حكيم قدير لتنوعت أفاعيله وتوسعت تكاوينه فكان يفعل الشيء وخلافه والشيء وضده والشيء ونقيضه , ولهذا كان علماء الأمة يقولون :
جل ربنا القديم إنه لو لم يتغير هذا الخلق لقال الشاك في الله لو كان لهذا العالم خالق لأحدثه متخالفاً , بينا هو ليل إذ جاء نهار وبينا هو نهار إذ جاء ليل , بينا هو صحو جاء غيم وبينا هو غيم إذ جاء صحو ونحو هذا الكلام
ولهذا يستدل سبحانه في كتابه الكريم بالحوادث تارة وباختلافها وتنوعها تارة كما قال تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ }
وقال تعالى :{ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ }
إذاً هذا الاختلاف والتنوع يستلزم أن الخالق مختار في تصرفه وأنه واسع في علمه بالغ في حكمته تام في قدرته كامل في ألوهيته وربوبيته
فتنوع أفعاله واختلاف مفاعيله من أعظم الأدلة على ربوبيته وألوهيته وأن الأمر ليس كما يظنه الجاحدون له والكافرون به من أن العالم أمر طبيعي لم يزل هكذا ولا يزال هكذا ، وأنه ليس إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وطبيعة تفعل وما يهلكنا إلا الدهر .
ولم يعلم هؤلاء الجهال الحمقاء أن الطبيعة قوة وصفة لا تستقل بنفسها ولا تقوم بذاتها بل هي فقيرة إلى محل تحل فيه , محتاجة إلى حامل يحملها وأنها من أدل الدلائل على وجود صانع مختار حكيم خلقها وطبعها وأودع فيها هذه الأسرار العجيبة والكيفيات الغريبة .
فالطبيعة مخلوقة من مخاليق الله تعالى مملوك من مماليك الله تعالى أمة من إماء الله تعالى مسخرة لا حرة بل مقهورة لمشيئته .

ودلائل الصنعة وإمارات الخلق والحدوث وشواهد القهر والفقر والحاجة شاهدة عليها بأنها مصنوعة مربوبة لا تخلق ولا تفعل ولا تتصرف في ذاتها ونفسها فضلاً عن فعلها وتصرفها في الكائنات , والمقصود أن تنوع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة والربوبية .
فلما كانت الأشياء متنوعة والأمور مختلفة والأحوال متباعدة والشؤون متضادة كان العلم أوسع والقدرة أتم والحكمة أبلغ والملك أعظم ، بل حقيقة الملك لا تتم للملك ولا يسمى ملكاً إلا بالعطاء والمنع والإكرام والإهانة والعفو والعقوبة والرضا والغضب والتولية والعزل وإعزاز من يليق به العز وإذلال من يليق به الذل كما يشير إلى ذلك قوله تعالى :{ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
ولاشك أن من لم يكن قادراً على العطاء والمنع والوصل والقطع والتفريق والجمع والضر والنفع فليس بملك كما أن من لم يكن قادراً على خلق مذنبين يستغفرونه لا يسمى غفاراً
وفي الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم
وكلما كانت قدرته على الأشياء المتخالفة والشؤون المتضادة أكثر كان ملكه أوسع وسلطانه أرفع قال تعالى : { يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ }
فشؤون الله الملك العظيم الأعظم أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويكشف غماً وينصر مظلوماً ويأخذ ظالماً ويفك عانياً ويغني فقيراً ويجبر كسيراً ويشفي مريضاً ويقيل عثرة ويستر عورة ويعز ذليلاً ويذل آخراً ويعطي سائلاً ويذهب بدولة – أي قوة وصولة قوي– ويأتي بأخرى ويداول الأيام بين الناس ويرفع أقواماً ويضع آخرين , يسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة إلى مواقيتها فلا يتقدم منها شيء عن وقته ولا يتأخر .
وفي الحديث سئل أبو الدرداء عن معنى قوله تعالى :{ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}فقال رضي الله عنه سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
[ من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين ] / سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبان /
والله تعالى محمود على ذلك كله حمد المدح وحمد الشكر لأن تصرفه في ملكه كله دائر بين العدل والفضل والحكمة والرحمة .
فنخلص أن لله تعالى أنواعاً من المحامد لأنه محمود على ذاته ومحمود على أسمائه وصفاته ومحمود على شرعه ودينه ومحمود على خلقه وتكوينه وتصرفه في ملكه والله تعالى قد حمد نفسه في كتابه على أسمائه وصفاته فقال عز وجل : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ }
وحمد نفسه على دينه وشرعه فقال جل وعلا :
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا }
وحمد نفسه على خلقه وتكويناته فقال تبارك وتعالى :
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } إلى غيرها من الآيات
فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح لأن جميع أسمائه حمد لأنها كلها حسنى وجميع صفاته حمد لأنها كلها كمالات وجميع أوامره حمد لأنها كلها لمصالح العباد ومنافعهم وجميع نواهيه حمد لأنه إنما ينهى عن المضار والشرور ، وجميع أفعاله وتكويناته حمد لأنها كلها لحكم .
وحمد الله قوام كل شيء , وحمد الله حكمة كل شيء , فالكون كله إنما وجد بحمد الله والكون كله استقام بحمد الله والكون كله إنما خلق لحمد الله ، فحمد الله تعالى روح كل شيء وحمد الله قوام كل شيء وحمد الله حكمة كل شيء
وإذا قضى الله يوم القيامة بالحق بين أهل الموقف يقول أهل الموقف كلهم مؤمنهم وكافرهم : الحمد لله رب العالمين . قال تعالى :
{ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }
وأهل الجنة كلهم لم يدخلوا الجنة إلا بحمد الله أولاً وآخراً على فضله وإحسانه حمد الشكر قال تعالى حكاية عن أهل الجنة :
{ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ }
وقال تعالى :{ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }
وكذلك أهل النار كلهم لم يدخلوا النار إلا بحمد الله على عدله حمد المدح قال تعالى عن أهل النار :{ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ }
فهذا اعتراف من أهل النار بأن الحق لله فقد اعترفوا بعدل الله ومن وصف الله بأنه عادل فقد حمده أي مدحه بعدله .
وكذلك يحمدون الله تعالى حال كونهم في النار يعذبون بها قال سبحانه حكاية عنهم : { وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ }
وهذا أيضاً اعتراف من الكفار بعدل الله وإقرار منهم بأنهم لا سمع لهم ولا عقل ، وإن كان الكفار ومن تبعهم يزعمون الآن في أنفسهم أنهم هم العقلاء الأذكياء لكن سيعترفون بعد بأنهم لا عقل لهم ولا سمع .
وبالجملة فكل ذرة من ذرات الدنيا من سماواتها وأرضها ناطقة بحمد الله وكل ذرة من ذرات الآخرة من جنتها ونارها ناطقة بحمد الله وهو قوله تعالى :{ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا }
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الاعتدال من الركوع :
[ ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد ] / سنن ابن ماجه والدارمي ومسند أحمد /
والله تعالى مستحق للحمد , ومستحيل أن يكون غير محمود وذلك لأن الحمد إثبات الكمالات والمحاسن لله ، والله تعالى واجب الوجود في ذاته وواجب الوجود في محاسنه وكمالاته فكمالاته سبحانه ومحاسنه لازمة له لا تنفك عنه أصلاً أولاً وأبداً فالحمد واجب له أي لازم له لا ينفك عنه أصلاً أزلاً وأبداً فكما أنه يستحيل أن لا يكون إلا إلهاً ويستحيل أن لا يكون إلا رباً فكذلك يستحيل أن لا يكون إلا محموداً فالحمد لله أزلاً والحمد لله أبداً .
والله تعالى مستحق للحمد كله وليس يضره استحقاق غيره في شيء من أفراد الحمد ولا في جزء من أجزائه وذلك لأن كل كمال وكل جمال في المخلوق فهو من الله خلقاً وهو ملكه إن شاء أبقاه وإن شاء أخذه .
فإذا مدح مخلوق مخلوقاً أو حمد مخلوق مخلوقاً على نعمة أو معروف فقد رجع الحمد والمدح والثناء إلى الله تعالى أولاً وبالذات استحقاقاً وأصالة ، وإن غفل عن ذلك المادح والحامد والشاكر , والمخلوق إنما ناله الحمد ثانياً وبالتبع . وإذا حمد الله تعالى بعض مخلوقاته كما يحمد في القرآن رسله وأنبياءه وملائكته فقد حمد نفسه أولاً وبالذات لأن الصانع إذا مدح صنعته فقد مدح نفسه فالحمد كله لله بطريق الاستحقاق والأصالة .
وكما أن علم الله تعالى محيط بكل علم ، وملك الله محيط بكل ملك وإنما علم المخلوق داخل في علم الله تعالى وملك المخلوق داخل في ملك الله تعالى . فكذلك حمد الله محيط بكل حمد ، وحمد المخلوق داخل في حمد الله تعالى فلا يمكن أن يمدح مخلوق إلا في ضمن شكر ومدح الله تعالى ولا يمكن أن يحمد مخلوق إلا في ضمن حمد الله تعالى ، ولا يمكن أن يشكر مخلوق إلا في ضمن شكر الله تعالى وإن لم يشعر بذلك المادح والحامد والشاكر وإليه الإشارة بقوله سبحانه :
{ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }
وكما أن المخلوق إذا علم شيئاً فالله تعالى أعلم به منه ، وإذا ملك المخلوق شيئاً فالله تعالى أملك له منه وكذلك إذا حمد المخلوق على كمال أو جمال فالله أحمد عليه منه .
فما من مخلوق يحمد على شيء مما قل أو كثر ومما دق أو جل إلا والله تعالى هو المحمود عليه أولاً وبالذات على وجه يبلغ أقصى نهايات الكمال والتمام ، والمخلوق وإن جل قدره إنما ناله شيء من الحمد ثانياً وبالتبع على وجه القصور والنقصان .
وقد اختلف العلماء في تفسير : الحمد لله فقيل معناه : الحمد الكامل لله ، وقيل معناه : كل فرد من أفراد الحمد هو لله ، والحق أن الحمد لله تعالى بالمعنيين : ملكه عموم أفراد الحمد , ولله كمال الحمد في كل فرد من أفراد الحمد وهذا من خصائص الله تعالى ، فالله محمود على كل حال وعلى كل شيء أكمل حمد وأتمه وأعظمه .
وقد علم مما ذكرنا أن حمد المخلوق للمخلوق يرجع أولاً وبالذات إلى الله تعالى وأن الحمد كله مختص بالله تعالى وعلم أيضاً مما ذكرنا من أن كمالات المخلوق ومحاسنه إنما هي من الله تعالى ، أن الحمد كله مستحق لله ، وأن الحمد كله ملك لله تعالى فالحمد كله مختص بالله , والحمد كله مستحق لله والحمد كله مملوك لله ، بل نقول :
كما أن الله تعالى هو الذي يملك كل شيء وتستوعب مالكيته لكل شيء أجزاء كل شيء استيعاباً تاماً بحيث لا يبقى للعبد مع الله نصيب من الملك إلا النسبة الصورية التي هو جعلها له .
فكذلك نقول : الحمد كله أجناسه وأنواعه وأفراده وكل جزء من أجزاء أفراده وكل ذرة من ذراته مختص بالله ومستحق لله ومملوك لله وليس للمخلوق حظ من الحمد إلا النسبة الصورية التي هو جعلها له .
فالله هو المحمود بكل حمد أولاً وآخراً , ظاهراً وباطناً وهذا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المأثور :
[ اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أسألك من الخير كله وأعوذ بك من الشر كله ]/ عزاه في كنز العمال للبيهقي في شعب الإيمان والديلمي عن أبي سعيد رضي الله عنه / .
وسيأتي تمام هذا إن شاء الله تعالى
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين .

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 19-05-2012 - 10:57 ]
 رقم المشاركة : ( 3 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

اشتغاله بالعلوم الشرعية الشيخ عبدالله سراج الدين

اشتغاله بالعلوم الشرعية كان من جملة أنظمة المدرسة الخسروية التي تعنى بتدريس العلوم الشرعية : أن لا يقبل إلا من تجاوز الخامسة عشرة من عمره ويخضع فيها الطالب لامتحان قبول يعرض فيه على لجنة من العلماء والمدرسين بحيث يمتحن الطالب في القراءة والكتابة ومبادئ اللغة العربية وتجويد القرآن الكريم .
وقد قبلت إدارة المدرسة شيخنا الإمام ولم يبلغ الثالثة عشرة من عمره بعد وذلك لما وجدوا فيه من الاستعداد الكامل والأهلية التامة لمتابعة العلوم الشرعية وكان من المتفوقين في فحص القبول .
أمضى ما يقرب من ست سنين في المدرسة الخسروية استمع فيها إلى دروس كبار العلماء والمشايخ منهم : الشيخ محمد سعيد الإدلبي / ولد سنة /1292/ هـ وتوفي سنة /1370/ هـ / والشيخ إبراهيم السلقيني الكبير ، والشيخ أحمد الحجي الكردي أمين الفتوى وقتئذ ، والشيخ عيسى البيانوني ، والشيخ فيض الله الكردي ، والشيخ عمر مارتيني ، والشيخ راغب الطباخ / ولد سنة 1293 هـ وتوفي سنة 1370هـ / ، مدير المدرسة الخسروية وقتها ، وغيرهم من المدرسين أهل الفضل والعلم رحمهم الله تعالى ونفعنا بهم .
وكان في تحصيل العلم من المتفوقين ، حاز الدرجة الأولى في جميع سني دراسته ، والتفت إلى حفظ متون أمهات العلوم ، وإن لم تكن كلها من مقررات المدرسة وقتها ، إلا أن رغبته الصادقة في تعلم العلوم الشرعية حملته على ذلك , فحفظ متن الجزرية في علم التجويد ، ومتن الجوهرة ومتن السنوسية في علم التوحيد ، ومتن السلم في علم المنطق ، ومتن البيقونية في علم مصطلح الحديث وألفية ابن مالك في علم النحو والصرف وعقود الجمان في علم البلاغة ثم حفظ ألفية الحافظ العراقي في السيرة والرحبية في علم الفرائض وغيرها .
اشتغاله بعلم التفسير والحديث
قال شيخنا الإمام رضي الله عنه :
[ لقد حبب الله تعالى إلي حفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ صغري ، ولما كنت في الصف الثاني الإعدادي في المدرسة الخسروية رأيت في مكتبة والدي رضي الله عنه كتاب [ تيسير الوصول ] / إلى جامع الأصول وهو مختصر [ جامع الأصول لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ] للإمام عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الديبع الشيباني ، ولد سنة /866/ هـ وتوفي سنة / 944/ هـ رحمه الله تعالى /.
ويقع في أربع مجلدات تناولت المجلد الأول منها في العطلة الصيفية وشرعت في الحفظ حتى حفظت في كل عطلة مجلداً وأنهيت الحفظ في آخر عطلة من دراستي في المدرسة الخسروية وكنت لا أشرع في حفظ شيء جديد حتى أتمكن وأتقن محفوظاتي السابقة .

وكنت أتناول كتب تفسير القرآن الكريم وأحاول فهم آيات الله تعالى من خلال أحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في الحقيقة بيانات لمعاني القرآن الكريم لأن الله تعالى يقول:{ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } ولم يكن يخطر في بالي مرة أني سأتصدر مجلساً للتدريس أو أصعد منبراً للخطبة بل إن الباعث لي على ذلك كله هو حبي لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ورغبتي الشديدة في تعلم آيات الله تعالى وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنني بعد ذلك وجدت قيمة ذلك وأثره لما استلمت الخطبة والتدريس عن والدي الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه وعلمت أن سلاح طالب العلم هو : قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبدون ذلك أنى للعالم أن يتكلم ؟!]
قلت : وفي ذلك إعداد من الله تعالى لشيخنا الإمام وإمداد له منذ صغره ودليل على صدقه وإخلاصه في طلب العلم فلم يك يبتغي من وراء ذلك منصباً ولا جاهاً ولا وظيفة ، وقد تجلى ذلك لما خرج من المدرسة الخسروية ولم يكمل الصف السادس فيها ، ولم يحصل على شهادة منها وكان ذلك بسبب أن إدارة المدرسة أدخلت جملة واسعة من العلوم الكونية في المقررات وأجبرت طلاب الصف السادس على الرجوع إلى الصف الرابع لدراستها .
وقد حبب الله إليه البحث حول شمائل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخصاله الشريفة وسيرته الزكية , وكان يسر غاية السرور لقراءتها والاطلاع عليها , خاصة منها المؤيد بادلة الكتاب والسنة ومفاهيم العلماء والعارفين رضي الله عنهم , ومن هذا لما عرض عليه الشيخ رشيد الراشد كتاباً جمعه حول هذا الموضوع وسماه :الدر المنظم في وجوب محبة السيد الأعظم صلى الله عليه وسلم , قرظ له الشيخ بهذه الكلمات :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمداً ليس له عد ولا إحصاء , والشكر لله شكراً لا حد له ولا استقصاء , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحكيم الفعال لما يشاء , وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله إمام الرسل والأنبياء , وأصلي وأسلم على من خلقت من نوره جميع الأشياء وعلى آله واصحابه البررة الأصفياء صلاة وسلاماً عدد ما أظلت الخضراء وأقلت الغبراء في كل لمحة ونفس ما دامت الأرض والسماء
وبعد : فقد اطلعت على كتاب الدر المنظم في وجوب محبة السيد الأعظم صلى الله عليه وسلم فرأيت فيه نوراً محمدياً باهراً وضياء نبوياً زاهراً تتجلى فيه أوصافه صلى الله عليه وسلم الكاملة واخلاقه الزكية العالية وهو كتاب يلهب الشوق في قلوب المشتاقين ثم ينعشها بروح رياح تلك الرياحين , يزداد به الذين اهتدوا هدى ويقيم الحجة على أهل البدعة والردى , موضوعه البحث في الذات المحمدية وما اتصفت به من الصفات السنية , قد اغترف جامعه من بحور العارفين الزاخرة وأبحر العلماء الوافرة فالتقى البحران بحر العلم وبحر العرفان , والله تعالى أسأل وبأفضل أنبيائه أتوسل أن يجزي جامعه خيراً كثيراً وأجراً كبيراً والحمد لله رب العالمين
الفقير لمولاه : عبد الله سراج الدين



مطالعته وتدريسه
ثم إن مولانا الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه أشار على شيخنا الإمام أن يقوم بالتدريس بدلاً عنه ، بسبب الوهن والمرض الذي أصاب الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه فقام شيخنا الإمام رضي الله عنه بذلك خير قيام مستعيناً بالله تعالى وتوفيقه وتأييده وقد قارب العشرين من عمره ثم إنه حصل على غرفة والده الشيخ محمد نجيب رحمه الله تعالى في المدرسة الشعبانية – وكان يقال لها : أزهر حلب – وكان الشيخ محمد نجيب رحمه الله تعالى قد جاور فيها أيام طلبه للعلم .
وبقي شيخنا الإمام يتردد إلى تلك الغرفة يقضي أوقاته في مطالعة الكتب العلمية ، ويتناول المطولات منها في علم التفسير والتوحيد وشروح الحديث والفقه وغيرها وبقي على ذلك ما يقرب من سنتين .
ولما اقتضى الأمر أن تكتسب دروسه صفة رسمية لدى الجهات المسؤولة تقدم إلى مسابقة أعلنت عنها دائرة أوقاف حلب ، لدرس وقفي شاغر ، وكان لشيخنا الإمام الفوز والأسبقية في النجاح .
أما دروسه العامة فنهج فيها نهج والده الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه من حيث توقيت الدرس والأبحاث العرفانية العالية التي كان يتناول الكلام عنها ، بأسلوب مبسط يسهل على الحاضرين فهمه ، ويفهمونه على حسب علمهم وفطانتهم ، خاصة أنه يكثر من ذكر الآيات والأحاديث التي تؤيد الموضوع الذي يبحث فيه .
فكان هناك درس في جامع بانقوسا بعد صلاة العصر من كل يوم جمعة ، يبحث في القضايا الإيمانية العلمية .
وهناك درس في الجامع الكبير بعد صلاة الظهر في كل يوم اثنين ، يتناول فيه الكلام حول قضايا الإيمان العملية .
ولا يخفى على من كان يحضر دروسه أنها كانت متسلسلة في الأبحاث يبتدئ الشيخ الإمام فيها بتذكير الحاضرين بالدرس المتقدم ، ليستجمع الحاضر فكره وقلبه إلى ما سيلقي شيخنا الإمام من بيانات وأبحاث .
وكان له صباح كل يوم عدا يوم الجمعة درس في جامع الحموي ، يقرأ فيه أبحاثاً من السيرة النبوية ، والتفسير ، والحديث ، والفقه وهكذا ، ثم اختصر تلك الدروس على أيام الأحد والأربعاء والخميس ، وذلك بسبب كثرة مشاغله ، خاصة أنه وكل إليه تدريس التفسير ، والحديث وعلومه ، والفقه ، في الثانوية الشرعية – وكانت تعرف من قبل بالمدرسة الخسروية - .
كما كان شيخنا الإمام يخطب الجمعة في جامع سليمان الأيوبي ، الذي كان يخطب فيه قبله والده الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه .

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 19-05-2012 - 10:58 ]
 رقم المشاركة : ( 4 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

افتتاحه للمدرسة الشعبانية للشيخ عبدالله سراج الدين

افتتاحه للمدرسة الشعبانية لما عدلت مناهج المدرسة الخسروية وقرر فيها دراسة كثير من المواد الكونية على حساب المواد الشرعية تأثر لذلك كثير من العلماء الأفاضل في ذلك العصر ومنهم الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه الذي رأى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يأمره أن يفتتح مدرسة تخصص لدراسة العلوم الشرعية على النهج القديم .
وبحث مولانا الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه ذلك الأمر مع أصحابه إلا أن الوهن والمرض الذي أصابه حال دون تحقيق رغبته حتى توفاه الله تعالى سنة /1373/ هـ وبقيت الفكرة قائمة لدى شيخنا الإمام إلى أن وفقه الله تعالى إلى ذلك سنة /1380/ هـ بالتعاون مع بعض المدرسين والعلماء الذين كانوا قد تركوا التدريس في المدرسة الخسروية وكان افتتاح الصف التحضيري والصف الأول في غرفتين في جامع الحموي حتى حصل شيخنا الإمام على المدرسة الشعبانية التي كانت قد أغلقت وألحق طلابها بالمدرسة الخسروية.
وكان شيخنا الإمام قد أشار على بعض المحسنين الموسرين ممن يحضرون دروسه أن يسعوا لإنشاء جمعية خيرية تقوم بالإنفاق على طلاب العلم الذين يدرسون في المدرسة الشعبانية .
وقد تحققت رغبة شيخنا الإمام وأسس جمعية التعليم الشرعي وأشهرت لدى الجهات الرسمية حتى إن المسؤول الذي وافق على ترخيصها وقتئذ – وقد نظر في أعمالها وأهدافها – قال : هذا ما أرجو الله تعالى أن ينفعني به إذا صرت في قبري .
ولما اكتملت صفوف المدرسة ست صفوف من مرحلتين إعدادية وثانوية رأى أحد خاصة تلامذة الشيخ محمد نجيب وأحد خاصة مدرسي المدرسة الشعبانية فضيلة الأستاذ الشيخ محمد بن محمد بن محمد آل الغشيم رحمه الله تعالى رأى في المنام الشيخ نجيب رضي الله عنه وأثر التعب على وجهه والعرق في جبينه
فقال له : مم هذا يا سيدي ؟!
فقال الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه له : [ انظر الآن لقد أتممت لكم رصف الطريق الموصل إلى باب المدرسة الشعبانية ] فنظر الشيخ الغشيم فرأى الطريق معبدة مرصوفة نظيفة .
ولما قص تلك الرؤيا على شيخنا الإمام قال :
[ رحم الله تعالى والدي وجزاه عنا خير الجزاء فإن فكرة إنشاء المدرسة كانت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم له ولا يزال يعمل على تحقيق ذلك حتى حصلت رغبته وحقق الله مراده والحمد لله رب العالمين والأمر كله في كتاب أعماله الصالحة إن شاء الله ].
وبقي شيخنا الإمام رضي الله عنه يدير المدرسة ويرعاها بعنايته وتوجيهاته ودعواته حتى توفاه الله تعالى ولا زالت بفضل الله تعالى تخرج طلاب العلم الأكفاء لمتابعة الدراسات العليا في شتى المعاهد والجامعات ومنهم الأئمة والخطباء والمدرسون .
وقد كان رضي الله عنه يقول : [ لقد تشعب عن المدرسة الشعبانية كل خير والحمد لله فقد تفرع عنها دار لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم القراءات وحلقات لقراءة الحديث الشريف وكم من مدرسة شرعية أنشئت بعد المدرسة الشعبانية وقد استعانت بمناهجها والحمد لله ]
وكان رضي الله عنه يقول : [ لقد عمر المدرسة الشعبانية حساً ومعنى أكابر الرجال من العلماء و الأولياء ومنهم من جاور فيها لفترات طويلة ولا تزال بركاتهم وآثار طاعاتهم وعباداتهم لله تعالى مشهودة عند أهل التقى والصفاء ]
ويقول رضي الله عنه : [ إن المدرسة الشعبانية وإن كانت حسب الظاهر متواضعة بجدرانها وبنيانها إلا أنها شامخة بمن عمرها ودرس أو درس فيها ولها مكانتها وعلو مرتبتها عند الله تعالى ]اهـ
قلت : وكان شيخنا الإمام رضي الله عنه لا يترك في دعائه الدعاء للمدرسة الشعبانية وما يتبعها وللعاملين عليها والمدرسين فيها ولطلابها وإدارتها .
وكان يوصي المدرسين فيها كلما زاروه يوصيهم بالاهتمام وببذل الجهد في التعليم وأن يحافظوا على حلقات السلسلة العلمية الشرعية ولا يدعوا النقص والضعف والتفكك يسري إليها فكما أخذوا العلم عن مشايخهم بقوة فعليهم أن يوصلوه إلى من بعدهم بقوة وهكذا .
وكان يشحذ همة المدرسين والطلاب أيضاً ويبشرهم بأن الشعبانية محفوفة بالأنظار المحمدية صلى الله عليه وسلم فمن عمل فيها أو أسدى إليها معروفاً فقد ناله من النفحات والأنظار المحمدية على حسب صدقه وإخلاصه لله تعالى .
قلت : وقد قص شيخنا الإمام مرة أنه رأى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يصلي إماماً في ساحة المدرسة الشعبانية وقال رضي الله عنه :
[ لقد عمرتها أنوار الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم وأنوار العلماء والأولياء والصالحين نفعنا الله تعالى بهم أجمعين ]
وكان من عادته رضي الله عنه في شهر رمضان المبارك أن يصلي العشاء والتراويح إماماً في جامع الحموي وبقي على ذلك سنين ثم نقل ذلك إلى جامع المدرسة الشعبانية حباً فيها وإحياء لها وخاصة أيام العشر الأخير من رمضان ويطيل الدعاء بعد الصلاة لما لتلك الليالي المباركة من عظيم الفضل ومضاعفة الأجر .

وجاء في نهر الذهب [ 2-116-117] وإعلام النبلاء [7-438-439] :
هذه المدرسة بناها شعبان آغا بن أحمد آغا المأمور بتحصيل الأموال في حلب سنة 1085 للهجرة وقد اشترى الأرض الخالية الواسعة الأنحاء من جانبولاد زاوه محمد بك .
الكائنة في محلة الفرافرة وبنى فيها مسجداً بديعاً من الحجر عليه قبة عالية جسيمة وبنى فيها مدرسة من الحجر ذات قبة عالية لتقرأ فيها مباحث العلوم والفنون وهي مدرسة عظيمة عامرة وتشتمل على صحن واسع يبلغ خمسين ذراعاً في مثلها في وسطه حوض مربع يبلغ بضعة عشر ذراعاً في مثلها قد حف في شماليه وغربيه بحديقة جميلة وفي جنوبي الحوض إلى شرقيه مكان للماء واسع حفره وأنشأه المرحوم تقي الدين باشا سنة 1269 من وصية والده المرحوم عبد الرحمن أفندي المدرس ، وفي غربي الصحن وشرقيه رواقان ممتدان من الشمال إلى الجنوب داخلهما سبع وعشرون حجرة للمجاورين وفي جهته الشمالية دار للتدريس وهي قبة عظيمة واسعة وفي شرقيها حجرة واسعة وفي جنوبي الصحن قبلية في شرقيها رواق واسع .
وفي غربيها مدفن وقفي ومسجدها تقام فيه الصلوات والجمعة
قال الشيخ سامح أفندي العينتابي :
وشيدت رواقاً شرقياً ورواقاً غربياً وداخلهما تسع وعشرون حجرة وخصصت هذه الحجرات لسكن طلبة العلم الشريف ، وفرشت في المسجد المذكور بالحجر المرمر وجعلت في وسطه بالحجر المرمر ، وجعلت في وسطه حوضاً عشراً بعشر ذا صفة أنيقة من المرمر وزينت ثلاثة أطراف هذا الحوض الكبير بحدائق على أن يجري إليها الماء من قناة حلب باستحقاق مقرر عن كتاب واقفه التركي وبنيت مكتباً لطيفاً للأهالي المسلمين جنوبي المدرسة يعلم فيه القراءة ومبادئ الكتابة .
وقال الشيخ راغب الطباخ [ 7-438-439] : ولم أقف على أول من تولى التدريس فيها لكني رأيت في أول حاشية الشيخ محمد المرعشي الملقب بساجقلي ذاده ما نصه :
لما وليت تدريس المدرسة الشعبانية المحروسة في قريب من تمام ألف ومائة للهجرة .
ويظهر من هذا أنه ثاني من تولى التدريس فيها .
وقد تولى أمرها على وقف الشعبانية الشيخ أحمد الزويتيني مفتي حلب المتوفى 1316 للهجرة ثم تولى أمرها الشيخ مصطفى ولده بقي من 1316 إلى سنة 1331 للهجرة وفيها أتى إلى حلب أحمد جودة أفندي من أهالي تركيا مصطحباً امرأة هرمة تدعى خديجة وادعى أن هذه المرأة وأخاها الغائب حمدي أفندي هما من ذرية الواقف وانهما المتوليان على هذه المدرسة مقتضى شرط الواقف وطال أمر المحاكمة والمرافقة بينهما وفي النهاية تنازل الشيخ مصطفى عن التولية وحكم بها لهذه المرأة ولأخيها بالوكالة عنهما لأحمد جودة المذكور .
ولإهمال بعض شؤونها أقام بعدها مدرس المدرسة الشيخ أحمد الزرقا من نجل أستاذنا الكبير الشيخ محمد الزرقا دعوى على وكيل المتولين يطلب فيها منعه من التشبث بكتابة الوقف المذكور
وفي سنة 1342 اهتمت دائرة الأوقاف بأمرها بعض الاهتمام وألزمت وكيل المتولي أن يقبل الطلاب من أهالي حلب وغيرهم وذلك على أثر القرار الذي أعطي من قبل مجلس الأوقاف الأعلى الذي عقد في دمشق سنة 1340.

فجاور فيها ثلاثون طالباً وصارت تعطى لهم الرواتب غير أنه لم يطبق عليها النظام الموضوع للمدرسة الخسروية . اهـ

قلت : وفي فترة متأخرة تم شق شارع يصل ما بين الطريق الذي يربط بين قلعة حلب ومنطقة السبع بحرات المعروفة الآن وعلى إثر ذلك تهدم جزء من المدرسة وبقيت إطلالته على الشارع كجدار قديم
وفي عام 1396 هـ قام المرحوم المحامي سليمان النسر – مدير أوقاف حلب وقتئذ – وبإشارة ونصيحة من الشيخ الإمام لعمل خير يبقى في صحيفته إلى يوم الدين – قام بإنشاء مبنى مؤلف من طابق أرضي وفوقه غرف مبنية كصفوف متممة لما تبقى من صفوف المدرسة في الطابق الأرضي , وعند انتهائه من البناء عام 1399 هـ قام بتسليمه لإدارة المدرسة الشعبانية فجزاه الله خير الجزاء

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 19-05-2012 - 11:14 ]
 رقم المشاركة : ( 5 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

رابط للصور المدرسة الشعبانية للشيخ عبدالله سراج الدين

http://ittihadhalap.com/forum/showth...d=1#post295424

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 19-05-2012 - 11:15 ]
 رقم المشاركة : ( 6 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

إجازات الشيخ الإمام

إجازات الشيخ الإمام نظراً لما كان يحفظه شيخنا الإمام رضي الله عنه من أحاديث كثيرة ، واطلاعه الواسع على كتب الحديث ، بادر كبار العلماء والمحدثين إلى إجازته للرواية عنهم بما أجازهم به شيوخهم ، واستجازته بما يرويه عن شيوخه ، وكان أول من أجاز شيخنا الإمام رضي الله عنه والده الإمام العارف المحدث الشيخ محمد نجيب سراج الدين رحمه الله تعالى بجميع ما أجازه به شيوخه ، ومنهم الشيخ الكبير المحدث العلامة مسند الديار المغربية ، السيد أبو عبد الله محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني الحسني المغربي الفاسي [ 1274-1345هـ ] ومنهم شيخه المحدث العلامة المسند الشيخ بدر الدين محمد بن يوسف الحسني الدمشقي المعروف بالمحدث الأكبر [ 1267- 1354 هـ ] ، ومنهم شيخه المحدث العلامة الشيخ بكري بن أحمد الزبري الحلبي [ 1240هـ - 1312 هـ ] ومنهم شيخه المحدث ، العلامة الشيخ كامل المؤقت الحنبلي الحلبي [ 1270هـ - 1338هـ ] وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بهم آمين .
ثم توالت الإجازات على شيخنا الإمام رضي الله عنه ، من كبار العلماء والأولياء والمحدثين ، في بلاد الشام والحجاز والمغرب والهند ، كان منهم العلامة المحدث الحبيب عبد القادر بن أحمد بن عبد الرحمن بن علي السقاف والعلامة المحدث الحبيب عيدروس بن عمر الحبشي الحضرمي والعلامة المحدث الحبيب زين العابدين بن إبراهيم بن زين بن سميط الحضرمي ثم المدني والعلامة المحدث الشيخ السيد محمد مكي بن السيد محمد بن جعفر الكتاني الحسني المغربي ثم الدمشقي ، والعارف المحدث الشيخ علوي المالكي الحسني شيخ الحجاز في عصره [ 1325-1391 ] ، والشيخ محمد خير الدين إسبير الحلبي ، والإمام المحدث العلامة الشيخ أبو علي حسن بن محمد بن عباس بن علي المشاط المكي المالكي ، وغيرهم من الأئمة والمحدثين ممن أجاز شيخنا بإجازات خطية وشفهية ، وأجازهم بما أجازه به الإمام العارف المحدث الشيخ محمد نجيب سراج الدين رحمه الله تعالى .
ونظراً لعلو أسانيد الشيخ الإمام وكثرة إجازاته من كبار المحدثين في بلاد الشام والحجاز والهند والمغرب فقد أفرد بالتأليف حول إجازات الشيخ وأسانيده العالية المؤرخ الباحث الشيخ أحمد بن محمد سردار الحلبي الشافعي رحمه الله تعالى أفرد مؤلفاً خاصأ بذلك - وكان قد حصل على إجازة من الشيخ الإمام في الحديث الشريف – مظهراً أسانيد الشيخ الإمام العالية
ولما للكتاب من قيمة عالية وتوثيق لأسانيد الشيخ الإمام رضي الله عنه فقد رأيت أن أعرض لك – أيها القارىء الكريم – قسماً منه لتمام الفائدة وعمومها
تحميل كتاب أجازات الشيخ وأسانيده
وكان الشيخ الباحث أحمد بن محمد سردار الحلبي الشافعي رحمه الله تعالى الذي أجازه الشيخ بمروياته قد جمع أربعين حديثاً من مرويات الشيخ الإمام في كتاب مستقل , ذكر فيه أربعين حديثاً من اربعين كتاباً حديثياً وذكر أسانيد الشيخ الإمام إلى أصحاب هذه الكتب
ولتمام الفائدة رأيت أن أضع لك – أيها القارىء الكريم – الكتاب كاملا ً




لتحميل الكتاب , انقر هنا

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 19-05-2012 - 11:17 ]
 رقم المشاركة : ( 7 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

من كراماته المتنوعة

من كراماته المتنوعة كانت صفة الذل والانكسار لله تعالى ظاهرة عليه ، لا تخفى على من اجتمع به ، وكثيراً ما كان يقول :
[ أنا عبد الله اسماً وصفة وتحققاً ، وإن شرفي وعزتي بعبوديتي وعبادتي لله تعالى ، وخدمتي لكتاب الله تعالى وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم ].
وكان متواضعاً مع عباد الله تعالى ، امتثالاً لأمره سبحانه بقوله :
{ واخفض جناحك للمؤمنين } واتباعا لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله تعالى ]
وكان يقول : [ مهما حاول المرء أن يأتي بجملة فيها معنى غاية التواضع للمؤمنين ، لما استطاع أن يقول جملة أبلغ وأفصح وأدق من قوله تعالى : { واخفض جناحك للمؤمنين }
وكان رضي الله عنه يؤثر الخفاء والتستر على التظاهر والتفاخر ، ويذكر الحديث الذي رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي عن سيدنا معاذ رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
[ اليسير من الرياء شرك ، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة ، إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء ، الذين إن غابوا لم يفتقدوا ، وإن حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل غبراء مظلمة ]
أي : أن الله تعالى يحفظهم من الفتن التي يضل بها غيرهم .
وكان إذا سمع من أحد مدحاً وثناء عليه ، أو ذكراً لبعض كراماته بادر إلى القول :[ اللهم استرنا اللهم استرنا ] ويردد ما جاء عن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه :[ اللهم اجعلني خيراً مما يظنون ، ولا تؤاخذني بما يقولون ، واغفر لي ما لا يعلمون ] .
ومن كلامه رضي الله عنه : [ إنه من خلال اطلاعي الواسع على حياة الصحابة رضي الله عنهم وسيرتهم ، لم أجد أحداً منهم تظاهر يوماً بكرامة ، أو تحدث عن أمر خارق للعادة ظهر على يده ، بل كان شأنهم الخفاء والتواضع ، لأنهم صادقون مخلصون لله تعالى ، يخافون من الرياء والسمعة ، مع أن الله تعالى شهد لهم بالإخلاص له سبحانه فقال :
{ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً } فلا غاية ولا قصد لهم إلا فضل الله ، ورضاه سبحانه وتعالى ]
قلت : ومن كراماته الشهيرة التي اعترف بها كل من جلس معه ، أنه يحدثك بكلام فيه أجوبة عن كل ما جال في فكرك من أسئلة واستفسارات ، وكثيراً ما يجد طلاب العلم عنده ما التبس عليهم فهمه من أمور علمية ، وقضايا شرعية ، بادرهم بالحديث عنها وبيانها ، قبل أن يسألوه عنها .
قلت : وقد حصل معي هذا مرات عديدة ، حتى إنه مرة أجابني عن تسعة أسئلة كنت أعد نفسي لسؤاله عنها رضي الله عنه ، وكان إذا أخبره أحد عن ذلك يتبسم ويقول :[ اللهم استرنا اللهم استرنا ، الفضل كله لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ]
ومن كراماته التي تواترت ونقلت عنه ، أن الله تعالى يجيب دعاءه لمن شكا له العقم أو عقر زوجته ، فكم من أشخاص تعبوا وقاسوا ، وعجز الطب عن دوائهم ، حتى يئسوا من الولد ، أمرهم شيخنا الإمام رضي الله عنه بتلاوة بعض الأسماء الإلهية بأعداد معينة ، وبدعوات مأثورة ، فأجابهم الله تعالى ووهبهم أولاداً .
وكم من مريض محب شفاه الله تعالى بسبب شربة ماء كان شيخنا الإمام قد قرأ ونفث فيها .
قلت : ويضيق المجال بنا في هذه الكلمات اليسيرة الموجزة عن حياة شيخنا الإمام رضي الله عنه أن نستقضي جل ما ظهر على يده من كرامات ، وما أجرى الله على يده من خوارق عادات ، وأكتفي بذكر بعضها ، على أني سأسهب الكلام على ذلك في مؤلف واسع يتضمن ذكر مناقب شيخنا الإمام رضي الله عنه إن شاء الله تعالى .
*- خرج مرة كعادته في نزهة مع بعض أصحابه في السيارة ( حول البلدة ) ، وفي طريق العودة أسرعت طفلة لا تتجاوز السادسة من عمرها لتقطع الطريق ، ومرت أمام السيارة ، ولم يتمكن السائق من إيقاف السيارة فدهس الطفلة بالعجلات الأمامية والخلفية ، حتى ذكر من كان مع شيخنا الإمام أنهم سمعوا اختلاف أضلاعها والعجلات تمر فوقها ، وصاح الشيخ رضي الله عنه : الله أكبر , ولما توقفت السيارة نزلوا منها ، ونظروا فإذا بالطفلة تنهض وتركض ولا بأس بها ، فتزاحم الناس على سيارة الشيخ لما سمعوا صوت المكابح ، ورأوا ما حصل ، وقد أخذتهم الدهشة ، ولما رأوا شيخنا الإمام داخل السيارة جعلوا يسلمون عليه ، ويقبلون يده ، فما كان منه إلا أن حمد الله تعالى على خفي لطفه سبحانه ، ودعا لهم ، وأمر بإكرام الطفلة وأهلها .
*- قدم أحد المهندسين من السودان للعمل في الدراسات والأبحاث الزراعية في شركة أجنبية تعرف باسم ( إيكاردا ) وقد استأجر داراً من رجل صالح محب لشيخنا الإمام ، مواظب على سماع دروسه ومجالسه ، وكان هذا المهندس قد شكا من حصى في إحدى كليتيه وأجمع الأطباء وقتها على صعوبة وخطورة العمل الجراحي لاستئصالها ، فرأى مرة في نومه شيخاً مهيباً ، منير الوجه ، حسن السمت ، يناوله كوب ماء ، ويأمره بشربه فشربه ، فاستيقظ من نومه حاقناً ، وأسرع لقضاء حاجته ، فاندفعت الحصى ولم يبقى في كليته شيء منها ، فأخبر جاره الرجل الصالح – مالك الدار – عن هذه الحادثة ووصف له ذلك الشيخ العظيم الذي رآه في المنام فقال له : سأصحبك معي لتتعرف عليه ، ومضى معه لسماع درس شيخنا الإمام في جامع بانقوسا ، فلما نظر المهندس إلى وجه شيخنا الإمام صاح : الله أكبر ، والتفت إلى جاره وقال له : هذا هو الذي أتاني في المنام ، وناولني كوب ماء ، وشفاني الله تعالى به ولما ذكر ذلك لشيخنا الإمام رضي الله عنه : قال له :[ إنك ممن تحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وتحب الصالحين ، وقد أكرمك الله تعالى بذلك ، اللهم استرنا ]
ولما توجه إلى بلاد الحجاز سنة /1375/ هـ ، قاصداً حج بيت الله تعالى وزيارة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تواتر عمن كان معه من أصحاب وأحباب كرامات كثيرة ، أكرم الله بها شيخنا الإمام رضي الله عنه ، أكتفي بذكر واحدة منها : وهي أن واحداً من أصحابه المتقدمين ، ألم به مرض شديد ، فخشي عليه أهله أن يموت معهم في الطريق ، وشكوا أمرهم إلى شيخنا الإمام ، فدعا الله متوسلاً بسيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع عنه هذا البلاء ، ويرده إلى أهله وبلده سالماً غانماً ، فبات تلك الليلة فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقدم إليه صحيفة فيها أسماء .
قال شيخنا الإمام :[ فنظرت فيها فقرأت فيها أسماء أصحابي الذين قدموا معي وسيعودون معي ، وبينهم ذلك الذي كان يعاني من المرض ]
ثم إن شيخنا الإمام بشر أصحابه بذلك ، وما لبث ذلك الرجل أن عافاه الله تعالى ببركة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ممن عاد مع شيخنا الإمام إلى بلده وأهله .
وكذلك لما حج سنة /1385/ هـ وصحبته السيدة الفاضلة والدتي أمدها الله تعالى وأكرمها – ومعه جمع من أصحابه – وجدوا أيضاً من الكرامات المتعددة ما أدهشهم وزادهم إيماناً ، كان أولها : أنهم لما كانوا في الطائرة ، وكانت من النوع القديم ، وتبلغ مدة الطيران من دمشق إلى جدة خمس أو ست ساعات زمنية ، تضررت بعض أسلاك الكهرباء في الطائرة ، وكان قائد الطائرة وأعوانه من الأوربيين ، حتى جعل بعضهم يمس سقف الطائرة فيجد فيه التوتر الكهربائي ، وظهر عليه الفزع والقلق ، وأعلم الركاب بذلك ، وأنهم على خطر ، فما كان من شيخنا الإمام إلا أن أخذ بالدعاء والتضرع إلى اله تعالى ، والتوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال لأصحابه : لا تفزعوا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال : (( الحجاج والعمار وفد الله – أي : ضيوف الله – إن دعوه أجابهم ، وإن استغفروه غفر لهم ))
وقال شيخنا الإمام : [ وحقاً على المزور أن يكرم الزائر ، فكيف بمن قصد حج البيت الحرام ، وزيارة خير الأنام صلى الله عليه وسلم ؟!!!].
ثم إن الطائرة هبطت بسلام في مطار جدة ، وخرج قائدها من غرفته وقال للركاب : إن فيكم رجلاً عظيماً ذا شأن أنجانا الله تعالى بسببه .
وقبل وفاته رضي الله عنه بثلاث سنوات ، قدم إليه وفد من دولة بعيدة ، وشكوا إليه أن ابناً لأحد وجهاء البلد قد أصيب بمرض نفسي ، أعيا الأطباء علاجه ، وقد طاف به أهل البلاد ، حتى بلغوا بلاد الحجاز ومصر وغيرها ، فلم يسمعوا من علماء وفضلاء هذه البلاد إلا قولهم : ما عليكم إلا أن تقصدوا رجلاً في حلب ، لو أنه بصق عليه أو نظر إليه لشفاه الله تعالى ، وهو العلامة العارف الشيخ عبد الله سراج الدين رضي الله عنه ، وقد جئناك لهذا الغرض .
فقال شيخنا الإمام رضي الله عنه : [ اللهم استرنا وأكرمنا وأكرم ضيوفنا ، ومن حسن ظنه بنا ، ولا تخيبنا ] ثم قرأ على ماء وأمرهم أن يشرب منها ، وأوصاهم بتلاوة بعض الآيات القرآنية ، والأدعية المأثورة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقات معينة مع المواظبة . ومضت عدة أشهر ، ما لبث فيها أن تماثل الولد للشفاء . والحمد لله رب العالمين .
نفحات محمدية صلى الله عليه وآله وسلم آثارها – بركاتها
قال شيخنا الإمام رضي الله عنه :
[ كان سيدي الوالد رضي الله عنه قد قص علينا أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، وأمره أن يفتح فمه ، فتفل صلى الله عليه وسلم في فيه ريقاً من فمه الشريف صلى الله عليه وسلم ثم أمره صلى الله عليه وسلم أن يفتح فمه مرة أخرى ، فأخرج صلى الله عليه وسلم من صدره الشريف نخامة وتفلها في فم سيدي الوالد فابتلعها ، ثم ضرب على ظهر سيدي الوالد وقال له صلى الله عليه وسلم :
لا بأس عليك يا شيخ نجيب ، لا بأس عليك يا شيخ نجيب .
وكان الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه يتأول هذه التفلات المحمدية بالعلوم الشرعية الظاهرة ، والعلوم العرفانية العالية ، وهي ما يعرف بعلم الحقائق والمعارف الإلهية ، وقد اشتهر عن الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه براعته فيها وتمكنه منها .
قال شيخنا الإمام رضي الله عنه :[ وإن لهذه التفلات المحمدية آثاراً نورانية ، تسري في ذرية الشيخ محمد نجيب رضي الله عنه وقد أكرمني الله تعالى بأني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، وذلك بعد وفاة والدي رضي الله عنه بفترة وجيزة ، رأيت والدي الكريم وقد أخذ بيدي ضمن حشد من العلماء والأولياء ، وكلهم ينتظرون قدومه صلى الله عليه وسلم ليتشرفوا بالسلام عليه صلى الله عليه وسلم ، فلما أقبل الرسول صلى الله عليه وسلم بطلعته البهية ، وأنواره الزهية ، ومعه عدد من صحابته الكرام ، وإلى جانبه السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، وهي في غاية الحشمة والوقار ، فلما سلمت عليه صلى الله عليه وسلم تفل فوقعت التفلة المباركة على كتف السيدة عائشة رضي الله عنها ، فتقدمت وأخذتها وابتلعتها ، والحمد لله تعالى على ذلك ، ثم التفت فلم أر سيدي الوالد رضي الله عنه ثم استيقظت فرحاً مستبشراً وعلمت أن سيدي الوالد رضي الله عنه هو الذي قد أوصلني إلى حضرة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ، ونلت تلك التفلة المحمدية بأسرارها وأنوارها ، وفي ذلك قلت :
صلاة الله تترى كل حين على من حبه روح لروحي
ويصحبها السلام بلا انتهاء على من ريقه منه فتوحي

خصائص وفضائل
لقد غرس الشيخ الإمام رضي الله عنه محبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوبنا وقلوب كل من لزمه ، أو لزم دروسه ومجالسه ، وحرضنا وحرضهم على بذل الجهد لاتباعه صلى الله عليه وسلم وإكثار الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم , كلمات جرت على لسان كل من استمع إلى دروس شيخنا الإمام رضي الله عنه أو حضر مجالسه أو قرأ بعضاً من كتبه .
وإذا كانت ألسنة الخلق أقلام الحق فلقد كان الشيخ الإمام رضي الله عنه حقاً من المحبين الصادقين الذين كانت محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوبهم فوق محبة كل مخلوق وقد ظهر ذلك في أقواله وأفعاله وسائر شؤوناته فلم يك يخلو مجلس من مجالسه عن ذكر بعض شمائل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخصائصه وفضائله كما أنه لم يدع موضوعاً أو بحثاً من الأبحاث التي تكلم عنها في كتبه إلا وضمنها ذكر بعض صفاته وخصاله صلى الله عليه وسلم حسب ما تقتضيه المناسبة وهكذا .
وكان رضي الله عنه يعتبر ذلك من مقتضيات الإيمان الصحيح إذ قال صلى الله عليه وسلم :[ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين ]
وقد أسهب رضي الله عنه في الكلام على محبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدد من كتبه منها : كتاب ( حول تفسير سورة الكوثر ) وكتاب ( الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ) وكتاب ( حول تفسير سورة الحجرات ) وغيرها .
وذكر فيها وجوب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم على كل مؤمن وفضائلها وآثارها وسرد في ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة وما كان عليه سلف هذه الأمة من المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والأدب معه صلى الله عليه وسلم .
وكان رضي الله عنه يقول : [ من زعم أننا بالغنا في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه والأدب معه صلى الله عليه وسلم فقد أخطأ خطأ كبيراً وكشف عن جهله بمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإننا لم نبلغ الحد الأدنى المطلوب منا في محبته وتوقيره والأدب معه صلى الله عليه وسلم حتى يقال : لقد بالغنا ].
واعلم أن قضايا الإيمان كلها إنما هي معقولة مقبولة عند أصحاب العقول المجردة من الأهواء والشبهات إن هم تفكروا وتبصروا ولما كانت محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق محبة كل مخلوق أمراً هاماً من قضايا الإيمان : سلم به وأذعن له العقلاء والفطناء لأنهم علموا وأدركوا أن سبب المحبة يعود إلى أمرين هما الكمال والنوال فلو بحث العاقل عن صفات الكمال كلها لوجدها مجتمعة في رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه فريد لا يساويه فيها غيره , بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء يفيض على الناس صفات الكمال والمحاسن وهذا مقتضى قوله تعالى :{ ويزكيكم } والتزكية هي التخلي عن النقائص والرذائل والتحلي بالكمالات والفضائل .
وأما صفة النوال وهو الكرم والجود والسخاء وهي صفات محبوبة لدى كل إنسان فإن خير من جاء بها وأمر بها هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله فيه :{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } أي : لكل العالمين في جميع العالمين أي : العوالم التي يمر عليها كل إنسان .
وإذا وجد هناك إنسان عظيم يريد لك الخير أكثر مما تريده لنفسك ويحرص على سعادتك ويشق ويصعب عليه ما فيه إحراج ومشقة عليك ألا يجب أن تحبه أكثر من محبتك لنفسك ؟
بلى إن هذا أمر معقول مقبول عند من أنصف وتفكر وفي هذا يقول تعالى :{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم } أي : يصعب عليه ما فيه عنت لكم { حريص عليكم } أي : على هدايتكم وصلاحكم ونفعكم وسعادتكم في الدنيا والآخرة { بالمؤمنين رؤوف رحيم } أي : يسعى في دفع الأذى والضر عنهم ويجلب الخير بأنواعه لهم وقال تعالى :{ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } أي :- أحق بهم من أنفسهم وأرحم بهم من أنفسهم – ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية :[ ما من مؤمن وإلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ، اقرؤوا إن شئتم :{ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا وإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه ].
ولقد نال شيخنا الإمام رضي الله عنه مقامات كبيرة في محبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه في الأقوال والأفعال والأخلاق والآداب لأن المحبة الصادقة وإن كانت من أعمال القلوب لابد أن يظهر أثرها على الجوارح وذلك باتباع المحبوب في جميع ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم .
ولقد جعل رضي الله عنه نفسه رهن إشارة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يقدم على أمر ذي بال حتى يأتيه إذن صريح به من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكان رضي الله عنه كثيراً ما يحرض ويدعو إلى قراءة كتابه [ سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم شمائله الحميدة – خصاله المجيدة ] ويقول :[ لا لأنه كتاب من جمعي وتأليفي بل لأني ذكرت فيه جوانب متعددة من شمائله صلى الله عليه وسلم وخصاله وفضائله وخصائصه والتي يجب على كل مؤمن أن يتعرف عليها لتزداد محبته لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصح ويكمل إيمانه برسول الله صلى الله عليه وسلم ].
كما كان رضي الله عنه كثيراً ما يحرض الناس على الإكثار من الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لها من فوائد وآثار وفضائل وأن يجعلوا ذلك من جملة أورادهم اليومية بالإضافة إلى قراءة جزء من القرآن الكريم وبقية الأذكار التي ندب إليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكان رضي الله عنه يقرأ قصة المولد النبوي الشريف للإمام البرزنجي رضي الله عنه بمناسبة ولادته صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأنور وذلك وقت الدرس في جامع بانقوسا والجامع الكبير وجامع الحموي وفي جلسة خاصة لطلاب العلم في المدرسة الشعبانية ويرغب الناس في إقامة تلك الحفلات التي تعبر عن الابتهاج والفرح بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم مع مراعاة الآداب الشرعية في تلك المجالس لأنها مجالس عبادة تنطوي على تلاوة آيات من القرآن الكريم وذكر لله تعالى وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسماع لدرر من شمائله وأخلاقه الشريفة صلى الله عليه وسلم فينبغي على كل مؤمن أن يلتزم جانب الأدب في تلك المجالس .
ومن نظم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم المأثورة عنه رضي الله عنه : [ اللهم صل على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً , اللهم صل على سيدنا محمد صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يارب العالمين ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً . اللهم صل على سيدنا محمد بقدر حبك فيه ، وفرج عني وعن المسلمين ما نحن فيه ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً ].
والفرج يتضمن معنى رفع الكرب والشدائد والمصاعب والهموم والغموم . ومنها :
[ اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تغفر بها ذنوبنا وتشرح بها صدورنا وتفرج بها كروبنا وتنور بها قلوبنا وتلهمنا بها رشدنا وتحفظنا بها من كل سوء ومكروه في الدنيا والآخرة يا رب العالمين وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً ].
ومنها :[ اللهم يا دائم الفضل على البرية يا باسط اليدين بالعطية يا صاحب المواهب السنية يا غافر الذنب والخطية صل وسلم وبارك على سيدنا محمد خير الورى سجية وعلى آله وأصحابه البررة النقية في كل لمحة ونفس وغدوة وعشية وفرج عنا كل شدة ورزية بجاه إشراقات الطلعة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم وأسرارها البهية يا رب البرية ].
ومنها : [ اللهم صل على سيدنا محمد مفتاح خزائنك اللهم افتح لنا بسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما أغلق علينا من خزائن أسرارك وأنوارك ومشاهداتك وتجلياتك يا رب العالمين .
اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً ].
ومنها :[ اللهم صل على سيدنا محمد حق قدره ومقداره العظيم صلاة دائمة مقبولة تؤدي بها عنا حقه العظيم وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً ].

ومنها : [ اللهم صل على سيدنا محمد الذي أرسلته رحمة للعالمين وبالمؤمنين رؤوف رحيم ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً ].
بشائر و حقائق
كان شيخنا الإمام رضي الله عنه كثيراً ما يقول في مجالسه :
( إنما نحن وقوف على باب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نلتمس من أسراره وأنواره ، وبركاته ونفحاته صلى الله عليه وسلم ) ويشير إلى صورة المواجهة الشريفة للحجرة النبوية وهي معلقة فوق أريكة جلوسه ، ويردد هذه الأبيات :
عبد بالباب يرتجي لثم الأعتاب جد بالجواب مرحباً قد قبلناك
وكان رضي الله عنه حريصاً كل الحرص على اتباع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل بسنته ، فيما جاء عنه من أقوال وأفعال وأخلاق وآداب ، وأخبرنا مرة أنه كان يضع العمة على رأسه دون أن يضع فوقها طيلسان ، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وعلى رأسه العمة الشريفة وفوقها الطيلسان ، وقال لشيخنا :
( هكذا ) ، قال شيخنا الإمام رضي الله عنه : ( فلم أدع وضعه فوق العمة شتاء ولا صيفاً ). قلت : فكان الطيلسان أيام الشتاء من الصوف ، وأيام الصيف من القطن الرقيق , وكان قد أخبر قبل وفاته رضي الله عنه بسنوات قليلة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول له :[ إني مسافر إلى المدينة المنورة ومتى فرغت من عملك فاتبعني ] قال شيخنا الإمام :[ وكنت وقتئذ مشغولاً ببعض الأمور ، وقد استبشرت لتلك الرؤيا ، وسألت الله تعالى أن أكون متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن أكون معه صلى الله عليه وسلم في جميع العوالم ] وأخبر شيخنا الإمام رضي الله عنه قبل وفاته بأشهر قليلة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة ، وقد دخل عليه من الباب الغربي لغرفته التي كان يجلس فيها وهي تطل على الجهة الجنوبية القبلية ، ثم استبطأ الكلام وغلبه البكاء، وقد منعنا الحياء والأدب من سؤاله مرة أخرى عن تفصيل ذلك إلا أنه رضي الله عنه أكد على أن الأمر كان يقظة وكان قد رآه صلى الله عليه وسلم يقظة قبل سفره إلى المدينة المنورة بنحو سنتين وكان يردد هذه الأبيات من نظمه :
يا ليت عيني تنظرا جمال ذاك المظهرا
حتى أكون نيرا مهللاً مستبشرا
فجر الضيا تفجرا من ثغر سيد الورى
والشمس فيه أشرقت أنواره بلا امترا
سار الجمال تائهاً لما بدا تحيرا
خر ذليلاً ساجداً مهللاً مكبرا
يا ربنا بجاهه أسعد فقير الفقرا
وامنحه دوماً عطفه والطف إلهي واسترا
بفضل من أرسلته خير رسول للورى
ثم الصلاة دائماً عليه ما تال قرا
وآله وصحبه ساداتنا غر الذرى

عطايا إلهية ومنح محمدية صلى الله عليه وسلم
كان شيخنا الإمام رضي الله عنه كثيراً ما يتردد على لسانه الدعاء المأثور عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :[ وتولني فيمن توليت ]
والدعاء :[ ولا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين ]
ومن دعائه المشهور في ختم المجالس :[ وتولنا بما توليت به عبادك الصالحين بقولك :{ وهو يتولى الصالحين } .
فلقد كان رضي الله عنه يتوجه إلى الله تعالى في أموره كلها ، ويعتمد عليه ويتوكل عليه ، ويولي أمره كله إليه ، فتولاه الله تعالى بعنايته ورعايته الخاصة ، فترى أن حركاته وأقواله وأفعاله كلها صائبة سديدة .

إذ كان لا يقدم على أمر له شأنه إلا بإذن صريح من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه ذلك إما بإشارة غيبية أو برؤيا منامية صالحة صادقة ولقد رهن نفسه وحياته لخدمة كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فكان يكثر من الدعاء :
اللهم واجعلنا أنصاراً لدينك وشريعتك وسنة نبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
ولقد كانت منن الله تعالى عليه عظيمة وهباته جليلة ظهر ذلك في فيض الله تعالى عليه بالمعارف إلهية ورسوخه في العلوم الدينية وأن أيده سبحانه ببراهين وأدلة الكتاب والسنة وألقى محبته وإجلاله في قلوب العباد فلا يذكر عند أحد إلا ترافق ذلك بالمدح والثناء ونال ثقة الناس كلهم فإذا تكلم أنصتوا وإذا أمرهم امتثلوا وقد ذاع صيته في شتى البلدان وجرى ذكره على لسان أهل العلم والعرفان تصديقاً لقول النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم :
[ إن المقة من الله والصيت من السماء ]
وكثيراً ما يلجأ إليه العلماء لحل معضلات ، وبيان شبهات .
وقد أكرمه الله تعالى بنيل مراتب متعددة ، بشرف خدمته للنبي الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، جاء ذلك في عدة مناسبات رأى فيها حضرة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في المنام ، وقد وظفه خادماً له صلى الله عليه وسلم ، ولمن يلوذ به صلى الله عليه وسلم .
خدمته لماء وضوئه وغسله صلى الله عليه وسلم
رأى شيخنا الإمام النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، وقد وظفه خادماً لماء غسله ووضوئه صلى الله عليه وسلم ، وقد استلم شيخنا الإمام هذه الوظيفة وقام بها .
إذ رأى في المنام أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مع أصحابه من سفر ، وعليه غيار السفر ، فأمر شيخنا الإمام وأحد الصحابة معه أن يحضرا له ماء ليغتسل به صلى الله عليه وسلم ، قال شيخنا الإمام رضي الله عنه :[ فانطلقت مع الصحابي ، وغالب ظني أنه سيدنا ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه ، الذي كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيوية ، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة ]
قال : [ فانطلقنا إلى طست ماء كبير ، وحملناه على مرجل حتى إذا صارت حرارته مناسبة ، جئنا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظر إليه وأعجبه ، فالتفت إلي وقال : أنت خادم لي ملازم ] .
قال شيخنا الإمام رضي الله عنه : [ فقلت في نفسي : يالها من سعادة وكرامة محمدية ، إن الناس يتمنى أحدهم لو يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة ، وقد وظفني رسول الله صلى الله عليه وسلم خادماً ملازماً له !! ولم يكن فرحي برسول الله صلى الله عليه وسلم يعادله شيء ] .
خدمته لحجرات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعهده بيت المؤنة
رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقد وظفه خادماً عنده لبيت المؤنة ، فاستلم تلك الوظيفة ، وقام بها خير قيام ، فأقبل صلى الله عليه وسلم ونظر في المكان المخصص للمؤنة ، وسره ما فيه ، فنظر إلى شيخنا الإمام متبسماً ، وعلى وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم علامة القبول والرضا.
خدمته للبيت الذي يجتمع فيه الأنبياء عليهم صلاة الله وسلامه
ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقد وظفه خادماً لبيت يجتمع فيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فقام بتلك الوظيفة ، وهيأ البيت وأعده ، واجتمع الأنبياء عليهم السلام ينتظرون تشريفه صلى الله عليه وسلم ، فلما أقبل صلى الله عليه وسلم بطلعته البهية ، وأنواره الزهية ، قام شيخنا الإمام لاستقباله ، ومشى بين يديه مشية الخادم بين يدي سيده .
قال شيخنا الإمام : فنظرت في المكان فرأيت سلة فيها أشياء مهملة ، فقلت في نفسي : من أين أتت هذه ؟ فأسرعت ورميتها بعيداً من نافذة المكان .
ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لي : أين خليل الله إبراهيم ؟
قلت : لما يأت , ثم طرق الباب ، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستقبال خليل الله عليه السلام وأنا خلفه ، فسلم عليه وعانقه ، وطال الحديث بينهما ، ثم التفت إلي صلى الله عليه وسلم وقال لي : سلم على خليل الله ثم اتبعني ، فأقبلت إليه وكان وضيء الوجه ، مهيباً جليلاً ، فقبلت يده ، ووجهي عند صدره ، أتمسح به ، وأطلب منه الدعاء ، حتى غلبني البكاء فانتبهت ] .
قلت : وقد نظم شيخنا الإمام رضي الله عنه أبياتاً يذكر فيها نعمة الله عليه ، ويشكر فضل الله عليه بهذه المراتب في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنها :
عبد ذليل تحت راية مجدكم من شأنه الإطراق والإصغاء
لا تحرموني فضل جودكم الذي شهدت به الخضراء والغبراء
أرجوكم يا سيدي من فضلكم نفحات وصل ليس فيه جفاء
لكم الأيادي البيض حيث قبلتموني خادماً شكري لكم وثناء
فلكم وكم أكرمتموني عطفكم فلنعم ذاك العطف والإيواء
بجواركم شرفي وغاية منيتي وبقربكم حقاً يزول الداء
أشهدتموني نور وجهكم الذي إشراقه للشمس منه ضياء
أنا خادم لبيوتكم وضيوفكم وامنيتي ومسرتي وهناء
عن بابكم لا أنثني طول المدى أرجو القبول فأنتم الكرماء

وكان رضي الله عنه كثيراً ما يقص هذه الرؤى على أصحابه وأحبابه ويقول :
[ إن خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني خدمة دينه وسنته صلى الله عليه وسلم ، بنشر العلوم الشرعية وتعليمها للناس على وجه يرضاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
وإن العلوم الشرعية أمانة في أعناق العلماء ، عليهم أن يؤدوها بصدق وإخلاص ، كما كان عليه الصحابة وسلف هذه الأمة رضي الله عنهم ]
وذكر رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقد وظفه مؤذناً عنده ، وقد أذن رضي الله عنه لصلاة الظهر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم وصلى إماماً في عدد من الصحابة ، وفيهم سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر رضي الله عنهم .
قال شيخنا الإمام :[ ووقفت في الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ، وجعلت أنظر إليه ، ولما فرغ من الصلاة وسلم يميناً وشمالاً بهرتني أنوار خديه صلى الله عليه وسلم وأنا أنظر إليها ]

وكان رضي الله عنه يفتخر بتلك الوظيفة المحمدية صلى الله عليه وسلم ويقول :

[ الأذان هو دعوة العباد إلى الله تعالى وإلى عبادته بالصلاة ، وإني أدعو الناس إلى الله للتمسك بدينه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وذلك من خلال الدروس والمجالس العلمية ، وتأليف الكتب التي فيها ما يحتاجه الناس لفهم أمور دينهم ]

-------------------------------------------------------------------------
1رواه الإمام مسلم في الصحيح /2588/ ( 5/2527) والترمذي في ( السنن ) /2030/ ( 6/230 ) عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه .
2 ابن ماجه /3989/ ( 2/1320 ) والحاكم ( 1/4 ) و ( 3/270) البيهقي في الزهد الكبير (195) .
3 رواه النسائي ( 5/113/ وابن ماجه /2892/ (2/966) وابن خزيمة /2511/.
4 رواه الشيخان والنسائي وأحمد – واللفظ له – عن سيدنا أنس رضي الله عنه .
5 رواه الإمام البخاري كتاب التفسير / 4781/ (8/517) .
6 هذا طرف من الحديث الذي علمه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما ، أن يقوله في الوتر .
وهو عند الترمذي في كتاب الصلاة ، باب ما جاء في القنوت في الوتر [ 464] [2-184] وعند أبي داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم .
7 الحديث في [ سنن] أبي داود كتاب الأدب [ 5090] [5-325] ونصه :[ دعوات المكروب : اللهم رحمتك أرجو ، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ، وأصلح لي شأني كله ، لاإله إلا أنت ].
8 المقة : المحبة وهي بكسر الميم وفتح القاف والحديث رواه الإمام أحمد والطبراني عن سيدنا أبي أمامة رضي الله عنه ( مجمع الزوائد ) (10/271) .
9 ينظر [ صحيح ] مسلم /489/ ( 2/638) و(المسند ) للإمام أحمد (4/59) و( مجمع الزوائد ) (2/249) .

رد مع اقتباس

نادي الإتحاد الحلبي السوري

 
كُتب : [ 19-05-2012 - 11:18 ]
 رقم المشاركة : ( 8 )
حلب الشهباء
إدارة المنتدى
الصورة الرمزية حلب الشهباء
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 45,894
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

   

جواره الحبيب الأعظم

جواره الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة بأنواره صلى الله عليه وسلم
كان ذلك في شهر ربيع الأنور من عام / 1400/ للهجرة الشريفة ، وحتى شهر شعبان من عام / 1403/ للهجرة الشريفة فجاور في المدينة المنورة ما يزيد على ثلاث سنوات ونصف السنة .
كان سفره للحجاز لأداء العمرة المباركة والزيارة الشريفة لخير خلق الله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم مكث في المدينة المنورة تلك المدة امتثالاً لأمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ,جاءه ذلك في رؤيا منامية وإشارات غيبية ، إذ لم يكن يقدم على أمر ذي بال حتى يأتيه الإذن به من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولقد كان فرحه وبهجته بجوار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يوازيه شيء ، إذ كان ذلك غايته ومنيته ، وكان جوابه إذا سأله أحد من أحبابه عن حاله يقول :[ الحمد لله الذي أحلنا دار المقامة من فضله ، فلا دار بعد دار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا إقامة ترجى بعد الإقامة بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ].
ومن أقواله رضي الله عنه في بعض مخطوطاته :
وقلت إذ حللت في المدينة المنورة بأنواره الشريفة صلى الله عليه وسلم :
يا قلب بشراك أيام الرضا رجعت وهذه الدار للأحباب قد جمعت
أما ترى نفحات الحي قد عبقت من طيبة وبروق القرب قد لمعت
فعش هنيئاً بوصل غير منفصل مع من تحب فحجب الهجر قد رفعت
واشهد جمال الذي من أجل طلعته قلوب عشاقه من نوره انصدعت
وأبشر بنبيل الذي قد كنت تأمله من طلعة المصطفى شمس السما طلعت

صلى الله عليه وآله وسلم أبداً أبداً أبداً
وكان رضي الله عنه يقول :[ إذا كان جار الكرام لا يضام ، بل يكون في رغد وسلام ، فكيف حال من جاور سيد الكرام سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم ، أكرم الأولين والآخرين على رب العالمين ].
وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة ، ودعا لها ولأهلها بالخير والبركة ، ودفع الشدة والبلوى عنها ، ووعد صلى الله عليه وسلم بالشهادة والشفاعة الخاصة لمن جاور فيها أو مات فيها ، كل ذلك جاء في أحاديث وردت عنه صلى الله عليه وسلم .
ولقد توالت عليه الكرامات والنفحات الإلهية المحمدية ، مما جعله يترقى في مقامات القرب من الله تعالى ، وتواردت عليه البشائر بالرؤى المنامية ، وعلى لسان المحبين الصالحين من أهل المدينة وغيرها .
وقص علينا عدة رؤى سأذكر تفصيلها في كتاب مستقل حول مناقبه رضي الله عنه إن شاء الله تعالى , ومنها أنه رأى شهادته بأن لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبولة عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد خط على باب الكعبة المشرفة أن شهادة عبد الله سراج الدين مقبولة .
ورأى أنه دخل المسجد النبوي من باب السلام ، فاستقبله جمع من الأولياء رضي الله عنهم ، وأجلسوه في مكان مهيأ لجلوس القطب في غرفة واسعة .
ورأى مرة السيدة الكبرى فاطمة رضي الله عنها وقد بسطت لحافها ، وهو لحاف كبير واسع ، ومناد ينادي : من يضم رأسه تحت هذا اللحاف ينال السعادة والأمان ، فتقدم رضي الله عنه والسيدة الزهراء رضي الله عنها تنظر إليه ، وأدخل رأسه وجسمه كله تحت الحاف وارتفعت الأصوات : لقد فاز ... لقد فاز .
ورأى النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في المنام ، وهو يأمر سيدنا علياً رضي الله عنه ، أن يأتي بعباءته الشريفة صلى الله عليه وسلم ليخلعها على شيخنا الإمام رضي الله عنه .
وقد تفرغ أيام مجاورته في المدينة المنورة لعبادة الله تعالى ، وتصنيف الكتب العلمية الدينية ، وكم كان رجاؤه عظيماً أن يخدم بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمل خير يبقى نفعه وأثره جارياً ، فحقق الله تعالى رجاءه ، إذ جعله سبباً وواسطة في إنشاء مدرسة لتلاوة القرآن الكريم وتحفيظه وقراءاته وقراءة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يزال هذا الصرح باقياً ، يقوم عليه خيرة أهل العلم والصلاح ، ويخرج عدداً من طلاب العلم وحفظة القرآن الكريم .والحمد لله رب العالمين .
وكان رضي الله عنه يكثر الذهاب إلى مسجد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه ، ولزيارة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيدخل من باب السلام ، ويتوجه إلى الروضة الشريفة ، فيصلي ما يسر الله تعالى له ثم يتقدم ماشياً بأدب وخضوع ، ويقف إلى سارية أمام المواجهة الشريفة ، ويطيل الوقوف بذل وانكسار بين يدي من أرسله الله رحمة للعالمين ،وبالمؤمنين رؤوف رحيم صلى الله عليه وسلم ، ويكثر الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم ، ويدعو الله متوسلاً به حتى إذا أذن له بالانصراف ، تراجع بأدب وتواضع ناحية الروضة الشريفة ، وصلى فيها وسأل الله تعالى و دعاه ، ثم يتوجه من حيث أتى ، ويخرج من باب السلام وقد اكتسى حلة نورانية محمدية يراها كل ذي بصيرة .
وحصل مرة أن تبعه أحد المسؤولين عن خدمة الحجرة الشريفة وما حولها ، تبعه إلى خارج المسجد وسلم عليه وعانقه ، وبذل جهده في تقبيل يده ، لكن شيخنا الإمام لم يمكنه من ذلك أدباً وتواضعاً في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال هذا الرجل لشيخنا الإمام : والله لقد رأيت نوراً يخرج من الحجرة الشريفة ، ويمتد إليك ، ويمضي معك حيثما توجهت ، ولهذا لحقت بك لأبشرك وأتبرك بك ، فدعا له شيخنا الإمام رضي الله عنه ، وسأله الدعاء له خاصة أمام المواجهة الشريفة .
ولم يكن حديثه في مجالسه يخلو من التذكير بالآداب الواجبة على من أقام في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو جاور فيها ، أو قصدها لزيارة الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم ، والصلاة في مسجده عليه الصلاة والسلام . ويذكر في هذا السياق ما كان عليه سلفنا الصالح رضي الله عنهم ، ومنهم الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه ، إمام دار الهجرة ، وأحد الأئمة المجتهدين ، فكان يمشي في سكك المدينة المنورة حافياً ، ولا يركب مركوباً ، وإذا أراد قضاء حاجته ابتعد خارج أسوار المدينة ، أدباً مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتكريماً لأرض وطئتها أقدامه الشريفة صلى الله عليه وسلم .
وإذا أراد التحديث في المسجد النبوي توضأ وتطيب ، ولبس ثياباً جدداً ، ولبس ساجاً وتعمم ، وإذا شرع في رواية الحديث خشع وأخذه الوجل والمهابة ، وتغير لونه إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .وهكذا سائر علماء السلف رضي الله عنهم .
ولم يرجع شيخنا الإمام رضي الله عنه إلى حلب إلا بعد أن جاءه الإذن من الحضرة المحمدية صلى الله عليه وسلم بالعودة وكان يقول :[ ذهبت بإذن وأقمت بإذن ورجعت بإذن ونسأل الله تعالى أن يتولانا في جميع قضايانا ].
وقد استأنف دروسه المباركة بعد عودته ، وجعلت المدرسة الشعبانية تزهو برعايته وعنايته وإن لم تنقطع توجهاته ودعواته لها وللعاملين فيها طيلة فترة إقامته في المدينة المنورة .
وقد اكتست مدينة حلب بعودته حلة البهاء والجمال ، وشعر أهلها بالأنس وراحة البال ، بعد أن بسط شيخنا الإمام مائدته فيها وأقبل الناس عليها . ويرحم الله تعالى القائل مخاطباً شيخنا رضي الله عنه :
قدمت قدوم الغيث في المهمه الصعب أبا ابن سراج الدين جئت على الرحب
وهللت الأصحاب فيك وكبرت وزالت عن الأحشاء فادحة الكرب
أضاء على الشهباء نور سراجه ولاح عليها من سناه ضيا الشهب
وعاد عليها خيرها وسرورها بتشريفه يا منية الروح والقلب
فأهلاً وسهلاً فيك ثم ومرحباً فلا زلت مرعياً على البعد والقرب
وصل إلهي دائماً أبداً على رسول الهدى المبعوث للعجم والعرب
وآل وصحب كلما قال قائل قدمت قدوم الغيث في المهمه الصعب

ثم إنه اعتزل الدروس العامة في أوائل عام /1410/ هـ بسبب اعتلال صحته ، وكان قد رأى في المنام مرات عديدة ما يشير إلى ذلك ، فالتزم بيته متوجهاً إلى الله تعالى ، واشتغل بجمع الكتب التي تنفع الناس في أمور دينهم .
وكان رضي الله عنه في هذه الفترة يختم القرآن الكريم كل ثلاث أو أربع ليال ، ويكثر من ذكر الله تعالى ، والتفكر والتدبر في كلامه سبحانه ، وقد أخبر أن الله تعالى تجلى عليه بالرؤيا في المنام عدة مرات ، قص علينا إحداها ، وذلك أنه رأى نفسه في بيت الله الحرام ، فألهمه الله تعالى أسماء إلهية راح يذكره بها ، فتجلى سبحانه عليه بالنور فقام وسجد له سبحانه وتعالى .

تبركه بالأثر النبوي الشريف وتعظيمه له
وكان من عادته رضي الله عنه كل ليلة قبل أن يقوم إلى النوم أن يتناول الأثر الشريف بكلتا يديه ويتوجه إلى القبلة ويقبله ويمسح به عينيه ووجهه ورأسه وصدره ثم يبدأ الحاضرون من أولاده وأحفاده بالتقدم لتقبيله والتمسح به والأثر الشريف في يديه رضي الله عنه والألسنة تلهج بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا فرغ الحاضرون من تقبيل الأثر الشريف والتبرك به بدأ شيخنا الإمام بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى متوسلاً بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من دعائه : اللهم صل وسلم و بارك على سيدنا محمد وأزواجه وذريته وآل بيته وعلينا معهم أجمعين كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد صلاة تشفينا بها من كل داء وتعافينا بها من كل بلاء وأفض علينا يا مولانا من بركاته صلى الله عليه وسلم وأنواره وأسراره ونفحاته نفحات محمدية تسعدنا بها في الدنيا والآخرة .
وكان إذا اجتهد في الدعاء يردد هذه الأبيات :
إلى بابك العالي مددت يد الرجا ومن جاء ذاك الباب لا يختشي الردى
سألتك يا الله مستشفعاً بمن ضيا وجهه الوضاء يبرق في الدجى

صلى الله عليه وسلم أبداً أبداً
ويقول أيضاً:
بالذل قد وافيت بابك عالماً أن التذلل عند بابك ينفع
وجعلت معتمدي عليك توكلاً وبسطت كفي سائلاً أتضرع
فبحق من أحببته وبعثته وأجبت دعوة من به يتشفع
اجعل لنا من كل هم مخرجاً والطف بنا يا من إليه المرجع
ثم الصلاة على النبي وآله خير الورى ومن بهم يتشفع

وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه عدد خلقك ورضاء نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك كلما ذكرك وذكره الذاكرون وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون وعلينا معهم أجمعين وعلى والدينا ومشايخنا ومن له حق علينا وعلى جميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات .آمين والحمد لله رب العالمين .
وكان إذا مرض أو شكا ألماً لجأ إلى الأثر الشريف وقبله وتمسح به ودعا الله تعالى مستشفياً بأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم الفياض بالخيرات والبركات .
والأثر النبوي الشريف هو شعرة من شعر لحيته الشريفة صلى الله عليه وسلم من موضع العنفقة الشريفة لأنها في لونها إلى الشيب أقرب , وما شاب من شعره الشريف إلا شعرات من عنفقته الشريفة المباركة صلى الله عليه وسلم , وقد ورثها شيخنا الإمام عن مولانا الشيخ محمد نجيب رضي الله عنهما والتي كان جدي الفاضل السيد الحاج محمد ططري رحمه الله تعالى قد استوهبها من الشيخ عوني خلاصي رحمه الله تعالى وأهداها إلى مولانا الشيخ محمد نجيب رحمه الله تعالى ويؤيد صحة تسلسلها سند مرفق معها وهي موضوعة في زجاجة محكمة الإغلاق وفي نهايتها قليل من الشمع متصل بها ثم إن هذه الزجاجة موضوعة في أسطوانة مصنوعة من الذهب ونقش عليها :[لا إله إلا الله محمد رسول الله ].
وهذه الأسطوانة ملفوفة بقطعة قماش أخضر وتفوح منها رائحة العطر الزكية دون أن يمسها أحد بطيب .وإن شيخنا الإمام رضي الله عنه كان يعظم هذا الأثر النبوي الشريف ويضعه في أعلى مكتبته الخاصة به رضي الله عنه .

--------------------------------------------------------------------------------------
المفازة البعيدة ، والبلد المقفر .

رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

العبارات الدلالية

السيرة الذاتية لشيخ عبدالله سراج الدين



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع


المواضيع المتشابهه للموضوع: السيرة الذاتية لشيخ عبدالله سراج الدين
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الاسراء والمعراج - عبدالله سراج الدين يزن الاسلام الكتب الاسلامية 0 25-05-2014 11:08
تفسير سورق ق (( عبدالله سراج الدين )) يزن الاسلام الكتب الاسلامية 1 06-05-2014 12:03
الايمان بالملائكة - بقلم عبدالله سراج الدين يزن الاسلام الكتب الاسلامية 2 05-05-2014 04:08
حول تفسير سورة الحجرات - عبدالله سراج الدين يزن الاسلام الكتب الاسلامية 0 04-05-2014 04:12
حول تفسير سورة الفاتحة - عبدالله سراج الدين يزن الاسلام الكتب الاسلامية 0 04-05-2014 04:11

الساعة معتمدة بتوقيت مدينة حلب الأن 12:43